نفحات7 ـ كتاب إفحام الخصم الملد ـ دخول أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب
الرّئيسية > مكتبـة على الـخـطّ > إفحـام الخصـم الملـد ـ الفهرس > دخول أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب


إعتقاد أن الشيخ يُدخل أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا ما عملوا وأن الرسول ضمن له فيهم مالا يَحِل ذكره ولا يُعرف إلاّ في الدار الآخرة . قال المعترض : قابل هذا مع قول النبي كما في صحيح البخاري وغيره « يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت واعملي ، لا أغني عنك من الله شيئا ».

قال الشيخ الفوتي رحمه الله أثناء الكلام على ما خص الله به المتعلقين بهذه الطريقة ، في الفصل 38 من الرماح ما نصه : « وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : " وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا ، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا ،إلاّ أنا وحدي . ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل ذكره ولا يعرف إلاّ في الدار الآخرة " » .
إعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن لصلحاء هذه الأمة وخيارها ، شفاعات . إذ الشفاعة التي اختص الله بها رسوله هي الشفاعة العظمى ، وهذا يرجع إلى الأصل الذي مضى التنبيه عليه ، ونقلنا فيه كلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي ، وهو أن ما أُعطيه النبي من المزايا فلأمته نموذج منه ، وقد ذكر الإمام الشاطبي الشفاعة فيما ذكره من الأوجه التي أوضح بها هذا الأصل . قال رحمه الله : « والسابع الشفاعة : قال تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (1) . وقد ثبت شفاعة هذه الأمة ، كقوله صلى الله عليه وسلم في أويس: « يشفع في مثل ربيعة ومضر » ، و « أ ئمتكم شفعاؤكم » اهـ.
وإذا علمت هذا ، فالشيخ رضي الله تعالى عنه أخبرنا بما لا يرده مذهب أهل الحق ، إذ إدخاله أصحابه الجنة بلا عقوبة تنالهم ولا حساب ، هو بشفاعة منه عند الله تعالى ، ودخول بعض هذه الأمة الجنة بلا حساب ولا عقاب مما ثبت في السنة الصحيحة كما سترى الأحاديث فيه إن شاء الله تعالى. واعلم أن تحقيق هذا المقام يظهر بما سنوضحه ، وهو يدور على ثلاثة مباحث :
1 ـ في الشفاعة ومن هو أهل لها .
2 ـ في بعض فوائد الذكر .
3 ـ في الأحاديث الواردة في دخول بعض هذه الأمة الجنة بلا حساب ولا عقاب .
ودونك صفوة القول فيها كما يسّرَ الله تعالى .

بحـث الشفاعة

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ، في كتابه المضنون به على غير أهله ، في الركن الثالث المتعلق بالمعجزات ، وأحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ما نصه :« فصل - وأما شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والأولياء ، فالشفاعة عبارة عن نور يشرق من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة ، وينتشر منها إلى كل جوهر استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة لشدة المحبة ، وكثرة المواظبة على السنن ، وكثرة الذكر بالصلاة عليه . ومثاله نور الشمس إذا وقع على الماء فإنه ينعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط لا إلى جميع المواضع ، وإنما اختص ذلك الموضع لمناسبة بينه وبين الماء في الموضع ، وتلك المناسبة مسلوبة عن جميع أجزاء الحائط ، وذلك الموضع هو الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء حصلت منه زاوية إلى الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس بحيث لا يكون أوسع منه ولا أضيق . مثال ذلك لائح ، وهذا لا يمكن إلاّ في موضع مخصوص من الجدار . فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الإختصاص بانعكاس النور ، فالمناسبات المعنوية العقلية تقتضي ذلك في الجواهر المعنوية. ومن استولى عليه التوحيد فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية ، فأشرق عليه النور من غير واسطة . ومن استولت عليه السنن والإقتداء بالرسول ، ومحبة أتباعه ، ولم ترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية ، لم تستحكم مناسبته إلاّ مع الواسطة ، فافتقر إلى واسطة في اقتباس النور كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس . وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا . فالوزير الممكن في قلب الملك ، المخصوص بالعناية ، قد يغضي الملك عن هفوات أصحاب الوزير ، لا لمناسبة بين الملك وأصحاب الوزير ، لكن لأنهم يناسبون الوزير المناسب للملك ، ففاضت العناية عليهم بواسطة الوزير لا بأنفسهم . ولو ارتفعت الواسطة لم تشملهم العناية أصلا لأن الملك لا يعرف أصحاب الوزير واختصاصهم به إلاّ بتعريف الوزير ، وإظهاره الرغبة في العفو عنهم ، فيسمى لفظه في التعريف وإظهار الرغبة شفاعة على سبيل المجاز . وإنما الشفيع مكانته عند الملك ، وإنما اللفظ لإظهار الغرض والله مستغن عن التعريف ، ولو عرف الملك حقيقة اختصاصه لاستغنى عن اللفظ ، وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام . والله تعالى عالم به فلو أَذِن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام في التلفظ بما هو معلوم عند الله ، لكانت ألفاظهم ألفاظ الشفعاء. وإذا أراد الله أن يمثل حقيقة الشفاعة بمثال يدخل في الحس والخيال ، لم يكن ذلك التمثيل إلاّ بألفاظ مألوفة بالشفاعة . ويدل على ذلك انعكاس النور بطريق المناسبة ، وأن جميع ما ورد من الأخبار في استحقاق الشفاعة متعلق بما يتعلق بالرسول عليه الصلاة والسلام ، من صلاة عليه ، أو زيارة لقبره ، أو جواب المؤذن والدعاء له عقبه ، وغير ذلك مما يُحكِمُ علاقة المودة والمحبة و المناسبة معه ».اهـ كلامه .
فتأمل قول الإمام حجة الإسلام رحمه الله أول الفصل : « وينتشر منها إلى كل جوهر استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة لشدة المحبة ، وكثرة المواظبة على السنن ، وكثرة الذكر بالصلاة عليه » . وقوله آخره : « إن جميع ما ورد من الأخبار في استحقاق الشفاعة متعلق بما يتعلق بالرسول مِن صلاة عليه الخ » . تأمل ذلك ، واذكر أصحاب هذه الطريقة الذين يذكرون الله تعالى ، ويصلّون ، ويسلّمون على رسوله صلى الله عليه وسلم صباح مساء ، وبهذا يكونون أهلا لهذه الشفاعة المباركة من شيخهم رضي الله عنه . وهل مدده إلاّ من الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

بحـث فوائد الذكـر

ذكر العلاّمة ابن القيم في كتابه الوابل الصيّب من الكلم الطيب : « إن من فوائد الذكر ، أنه ينجي من عذاب الله تعالى ، وذَكَرَ كلمة معاذ بن جبل قال : ويروى مرفوعا : ماعمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى ». وذكر من فوائده أيضا أنه سدّ بين العبد وبين جهنم ، قال : « فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال ، كان الذكر سدّا في تلك الطريق . فإذا كان ذكرا دائما كاملا كان سدا محكما لا منفذ فيه ، وإلاّ فبحسبه ». قال عبد العزيز بن أبي داود : « كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجدا ، فجعل في قبلته سبعة أحجار ، كان إذا قضى صلاته قال " يا أحجار أشهدكم أن لا إله إلاّ الله " قال : فمرض الرجل فعرج بروحه ، قال : فرأيت في منامي أنه أُمر بي إلى النار ، قال فرأيت حجرا من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسَدّ عني باباً من أبواب جهنم ، ثم أوتى بي إلى الباب الآخر ، وإذا حجر من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسَدّ عني باباً من أبواب جهنم ، حتى سَدّتْ عني بقية الأحجار أبواب جهنم » . وذكر من فوائده أيضا « أن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب . قال كما روى حسين المعلم عن عبد الله بن بريده عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : " أجد في كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال الحمد لله قالت الملائكة ربّ العالمين ، وإذا قال : الحمد لله رب العالمين ، قالت الملائكة اللهم اغفر لعبدك . وإذا قال : سبحان الله ، قالت الملائكة : وبحمده ، وإذا قال : سبحان الله وبحمده ، قالت الملائكة : اللهم اغفر لعبدك . وإذا قال : لا إله إلاّ الله ، قالت الملائكة اللهم اغفر لعبدك ». وإذا كان من فوائد الذكر أنه ينجي من عذاب الله ، وأنه سدّ بين العبد وبين جهنم ، وأن الملائكة تستغفر للذاكر ، وعلمت أن أصحاب الشيخ هم أولئك الذين على صلواتهم يحافظون ، ويذكرون الله صباح مساء ، فلا غرابة أن يكونوا بمفازة من عذاب الله بفضله ورحمته ، ومن مظاهرهما ما اختص به هذا الأستاذ الأكبر . هذا وقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين « أن الذكر من أسباب محبة الله لعبده ، ومحبة العبد له . وفي أثرٍ إلهي " إذا كان الغالب على عبدي ذكري أحبني وأحببته " » . وذكر رحمه الله في مباحث التوبة من هذا الكتاب « أنه يُعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره . قال ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : " انظر إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه ، ألقى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها ، وجرّ بلحيته ورأسه نبيا مثله وهو هارون ، ولطم عين ملك الموت ففقأها ، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ورفعه عليه ، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله ، ويحبه ويكرمه و يدلّله ، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدوّ له ، وصدع بأمره ، وعالج أمتَيْ القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة ، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر "» وإذا كان الذكر من أسباب محبة الله لعبده ، والله تعالى يعامل من يحبه بما لا يعامل به غيره ، فمن معاملته لأهل هذه الطريقة أن يدخلهم الجنة بدون حساب لأنهم محبوبون عنده لمداومتهم على ذكره .


بحث دخول بعض هذه الأمة الجنة بدون حساب

إعلم أن دخول بعض هذه الأمة الجنة بدون حساب وردت فيه أحاديث كثيرة ، ودونك جملة منها معولين في نقلها على ما رأيناه للحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى : كنـتم خير أمة أخرجت للناس (2) .
1 ـ قال الإمام أحمد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا المسعودي ، حدثنا بكير بن الأخنس ، عن رجل ، عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، قلوبهم على قلب رجل واحد ، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفا » ، فقال أبو بكر : « فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ، ومصيب من حلفات البوادي » .
2 ـ قال الإمام أحمد ، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، حدثنا هشام بن حسان ، عن القاسم بن مهران ، عن موسى بن عبيد ، عن ميمون بن مهران ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن ربي أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، قال عمر : يارسول الله فهلاّ استزدته ؟ فقال : إستزدته فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفا ، فقال عمر : فهلاّ استزدته ؟ قال : قد استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفا قال عمر : فهلاّ استزدته ؟ قال : قد استزدته فأعطاني هكذا ، وفرج عبد الرحمن بن أبي بكر يديه وقال عبد الله : " وبسط باعيه وحثا عبد الله ، وقال هاشم وهذا من الله لا يُدرى ما عدده » .
3 ـ قال أبو القاسم الطبراني ، حدثنا يحي بن عثمان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف ، آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم و آخرهم الجنة ، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر » . أخرجه البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل به .
4 ـ قال مسلم بن الحجاج في صحيحه ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : « كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت : أنا ، ثم قلت : أما أني لم أكن في صلاة ولكني لدغت قال : فما صنعت ؟ قلت : إسترقيت ، قال : فما حملك على ذلك ؟ قلت : حديث حدثناه الشعبي قال : وما حدثكم الشعبي ؟ قلت : حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال : لا رقية إلاّ من عين أو حمة ، قال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال : عرضت عليّ الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد ، إذ رُفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل : لي أنظر إلى الأفق الآخر ، فإذا سواد عظيم فقيل : لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا ، وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله فقال : ما الذي تخوضون فيه ؟ فأخبروه ، فقال : هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ، ولا يكتوون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ، فقام عكاشة بن محصن فقال : أدع الله أن يجعلني منهم قال : أنت منهم ، ثم قام رجل آخر ، فقال : أدع الله يجعلني منهم قال : سبقك بها عكاشة » . وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد ، عن هشيم ، وليس عنده ولا يرقون .
5 ـ قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن زياد ، سمعت أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا ، مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي » وكذا رواه الطبراني من حديث هشام بن عمار ، عن إسماعيل بن عياش به وهذا إسناد جيد .
6 ـ قال ابن أبي عاصم ، حدثنا دحيم ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن صفوان بن عمرو ، عن سليم بن عامر ، عن أبي اليمان الهروي واسمه عامر بن عبد الله بن يحي ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ، فقال يزيد بن الأخنس : والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلاّ مثل الذباب الأصهب في الذباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ، وزادني ثلاث حثيات » وهذا أيضا إسناد حسن .
7 ـ روى الطبراني من حديث قتادة ، عن أبي بكر بن عمر ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة بغير حساب ، فقال عمير : يا رسول الله زدنا فقال وهكذا بيده ، فقال عمير : يا رسول الله زدنا فقال عمر : حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : صدق عمر » .
8 ـ قال الطبراني ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن يزيد بن سلام ، يقول حدثني عبد الله بن عامر ، أن قيسا الكندي حدثه ، أن أبا سعيد الأنماري حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا ، ثم يحثي ربي ثلاثة حثيات بكفيه ، فقلت لأبي سعيد : أ أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال : نعم بأذني ووعاه قلبي » .
هذا ما رأينا أن نأتي عليه من الأحاديث الشريفة ، وفي تفسير الحافظ ابن كثير أكثر مما أوردنا فراجعه ، وفي هذا القدر كفاية . وليس من الغريب أن يدخل أصحاب الشيخ في حثية من حثيات الله ، فأيّ موجب للإنكار على أستاذنا ، نفعنا الله به ، وقد قال بما أثبتته الأحاديث المستفيضة .
وقول الأستاذ رضي الله عنه: « ولو عملوا من الذنوب ما عملوا ، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا » يحتمل التخريج على وجهين :
أحدهما : التقييد بالتوبة ، ودليله أمران الأول : أن من شروط هذه الطريقة ، كما علمت مما تقدم ، المحافظة على الصلوات الخمس والأمور الشرعية . ومن الأمور الشرعية التوبة. الثاني : قول الشيخ : « صاحبي لا تمسه النار ولو قتل سبعين نفسا إذا تاب ». وسيأتيك الكلام عليه إن شاء الله تعالى . فانظر كيف قيد نجاته من النار بالتوبة . فإن قلت إذا قُيدَتْ هذه المزية بالتوبة لم يظهر وجه لاختصاصها بأصحاب هذه الطريقة ، فإن كل تائب لا عقوبة عليه بفضل الله ورحمته ، قلت المختص بأصحاب هذه الطريقة مجموع الأمرين : أن لا حساب ولا عقاب ، لا سقوط العقوبة وحدها .
الوجه الثاني : ترك العبادة على ظاهرها غير مقيدة بالتوبة . ومذهب أهل الحق أن الله يعفو عما شاء من الكبائر ما عدا أكبرها وهو الشرك بالله. وقد علمت مما تقدم ، أن الذكر والصلاة على رسول الله مما يهيئ العبد للشفاعة ، وأن الذكر سدّ بين العبد وبين جهنم ، وأنه من أسباب محبة الله للعبد ، والله يعامل من يحب بما لا يعامل به غيره ، على أن للذكر من التأثير على القلب في مخافة الله ما يحول بين العبيد وبين المعصية ، أو الإصرار عليها .
وقول الشيخ : « ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل ذكره ، ولا يعرف إلاّ في الدار الآخرة » له أصل في الشريعة . ففي صحيح البخاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: « من مات يشهد أن لا إله إلاّ الله دخل الجنة ، فقال : أفأخبر الناس بذلك ؟ فقال : لا ، إذن يستبشروا . ولكن أ خبرَ بها معاذ عند موته تأثما ». أخرجه البخاري في كتاب العلم ، وترجمه بباب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا . فانظر كيف نهى الرسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه أن يخبر الناس بالحديث خشية الإستبشار والإتكال ، ولكن معاذ خشي الإثم بكتمان ما سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبر الناس . والأستاذ رضي الله عنه كتم بعض هذه المبشرات التي بشره بها الرسول عليه الصلاة والسلام خشية استبشار أصحابه ، وسيمر بك قريبا كلام الشيخ أبي حامد الغزالي فيما يكتم من العلم . وقول المعترض : « قابل هذا مع قول الرسول ، كما في صحيح البخاري وغيره : يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت واعملي لا أغني عنك من الله شيئا » ، يقصد به أن هذه الكلمة من الأستاذ تصرف المنتسبين إليه عن العمل الصالح اتكالا على مجرد الانتساب إليه ، والتعلق به ، وهو كلام من لا معرفة له بكتب الطريقة ، أو هو على علم مما جاء فيها ، ولكنه يتعمد إخفاء الحقيقة . فإن الشيخ ، نفعنا الله به ، قد صرح ، غير مرة ، أن أصحابه إنما ينالون ما كشف لهم عنه على شرط أن لا يأمنوا مكر الله . بل في الفصل الثاني من الباب الرابع من كتاب جواهر المعاني ، نقلا عن الشيخ : « إن من أخذ الورد وسمع ما فيه من دخول الجنة بلا حساب ولاعقاب ، وأنه لا تضره معصية ، من سمع ذلك فاطرح نفسه في معاصي الله لأجل ما سمع ، واتخذ ذلك حبالة إلى الأمان من عقوبة الله في معاصيه ، إبتلاه الله بما يموت به على الكفر والعياذ بالله ، فاحذروا من معاصي الله ومن عقوبته ، ومن قضى الله عليه منكم بذلك ، والعبد غير معصوم ، فلا يقربنه إلاّ وهو باكي القلب ، خائف من عقوبة الله » . اهـ. كلامه.بالمعنى . فهل يخاف بعد هذا على المنتسب إلى هذه الطريقة أن ينهمك في معاصي الله اعتمادا على مجرد انتسابه إلى الشيخ ؟

<< الصفحة السابقة    الصفحة التالية >>


  1. سورة الإسراء ، الآية 79 .
  2. سورة آل عمران ، الآية 110 .