إعتقاد أن أدنى أصحاب الشيخ مرتبة ، أفضل من جميع الصالحين ، وعليه ـ كما قال المعترض ـ يكون الواحد من هؤلاء الجهلة الملوثين بالفسق أفضل من التابعين والأئمة المجتهدين وكبار أولياء الله .
إعلم أن الشيخ الفوتي ، رحمه الله ، قسم في الفصل 32 من الرماح ما تفضل الله به على المتعلقين بالشبخ إلى قسمين : .
أولا : ما يشمل كل المتعلقين به بالتسليم إليه ، ومحبة أهل طريقته ، وترك إذايتهم .
ثانيا : ما يخص أهل طريقته ، والمتمسكين بأوراده .
وذكر رحمه الله جملة صالحة من مزايا الفريقين ، وقال في مزايا القسم الثاني ما نصه : «
والموفية عشرين أن أهل طريقته كلهم أعلى مرتبة من أكابر الأقطاب . قال رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به : " لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا ، حتى الأقطاب الأكابر ، ماعدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ثم قال ، وفي بعض الرسائل قال قدس الله تعالى روحه : " أن الله تعالى أعطاني - يعني له ولأصحابه – ما لم يعطه لأحد من الشيوخ ، ولا يعطيه لأحد من بعدهم أبدا ، فضلا منه وجودا بلا استحقاق شيء عليه سبحانه ، بل في سابق أزله قضى بذلك ، فله الحمد ومزيد الشكر ، والله يرزق من يشاء بغير حساب " » .
وما أخبر به ، طريقُـهُ المكاشفة الصحيحة ، والتلقي من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسيمر بك تحقيق القول في الإجتماع به عليه الصلاة والسلام ، والأخذ عنه . وليس في هذا الذي حدث به ـ وهو الصادق ـ ما ينكره الشرع ، حتى يُرَد أو ُيتأول ، ودونك ما يوضح لك الحقيقة ، ويقف بك على صراط الحق المستقيم.
إعلم أن الشيخ الفوتي ذكر في الفصل 32 من الرماح : « إن شروط هذه الطريقة ثلاثة وعشرون شرطا . قال رحمه الله : فمن استكملها كلها ، ولم يتخلف عنه واحد منها ، فهو من أهل الطريقة الفائزين المحبوبين المقربين الأعلين . ومن لم يستكملها ، واستكمل إحدى وعشرين شرطا من الشروط التي أعدها على الترتيب الذي ستراه ، فهو من الرابحين المحبوبين وإن لم يساو الأولين . ومن لم يستكملها فليس من أهل الطريقة » . ثم أخذ يَعُدّ هذه الشروط شرطا شرطا ، فمنها الشرط الرابع ، وهو دوام المحافظة على الصلوات الخمس في الجماعات والامور الشرعية ،
ومنها الشرط السادس ، وهو عدم الأمن من مكر الله . قال الشيخ الفوتي وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به : « أبشروا ، إن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها ، يبعث من الآمنين على أي حالة كان ، ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله » .
ومنها الشرط الرابع عشر ، قال في الرماح : « والرابع عشر ، عدم وقوع المقاطعة بينه وبين جميع الخلق ، ولاسيما بينه وبين إخوانه في الطريقة . قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به في الرسالة الأولى من جواهر المعاني : " وشرطه المحافظة على الصلوات في الجماعات ، والأمور الشرعية . وإياكم ولباس حلة الأمان من مكر الله في الذنوب ، فإنها عين الهلاك . وترك المقاطعة مع جميع الخلق ، وآكد ذلك بينكم وبين الإخوان ـ يعني في الطريقة ـ وزوروا في الله تعالى ، وواصلوا في الله تعالى ، وأطعموا في الله تعالى ما استطعتم في غير تعسر ولا كد " » .
أقول إذا علمت أن من شروط هذه الطريقة المحافظة على الصلوات في أوقاتها مع الجماعة وعلى الأمور الشرعية ، وعدم الأمن من مكر الله تعالى ، وترك قطيعة الناس كلهم ، فهل يقع لديك موقع العجب أن يكون لأهلها المقام الكريم عند الله تعالى ، والدرجة الرفيعة في الولاية ؟ وما ظنك بمن يحافظ على صلواته مع الجماعة ، وهو يستغفر الله تعالى ويذكره ، ويصلي ويسلم على رسوله صباح مساء غير آمن من مكر الله ، ولا مقاطع لأحد من أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ؟
فإن كان الذي تنكر هو أنْ يرفع الله مقامه على عامة صالحي هذه الأمة ، فتذكّر أن الله تعالى ذو الفضل العظيم ، وأنه يختص من يشاء من عباده بما شاء من ضروب التكريم ، ولا تحجر واسعا يا أخا العرب .
وهل الذي فضل هؤلاء إلا الذي فضل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو خاتم الرسل ، على جميع الأنبياء والمرسلين ، وفضّلَ أمته على سائر الأمم ، على تأخر زمانها ، وقِلة عددها ؟
وقول المعترض : « فيكون الواحد من هؤلاء الجهلة الملوثين بالفسق ، أفضل من التابعين والأئمة المجتهدين ، وكبار أولياء الله تعالى » ، نقول : المتمسك بهذه الطريقة ، الحافظ لشروطها ، لا يكون ملوثا بالفسق . كيف وهو يحافظ على صلواته في أوقاتها مع الجماعة ، ويذكر الله تعالى ، ويصلي ويسلم على رسوله صلى الله عليه وسلم صباح مساء ، غير آمن من مكر الله . فهو إمّا أن يكون محفوظا من المعصية ، أو من الإصرار عليها . فإذا فعل فاحشة أو ظلم نفسه ذكر الله ، فاستغفر لذنبه ، ولم يصر على ما فعل وهو يعلم . هذا والشيخ لم يفضل أهل طريقته على التابعين والأئمة المجتهدين ، بل على الأولياء خاصة ، وهو يريد من الأولياء ، الأولياء بالمعنى المصطلح عليه عند الصوفية كالإمام الجيلي ، والإمام الشاذلي ، وأمثالهما أجمعين ، وكل من له عرف يُحمل كلامُه على عرفه ، كما قرر الشهاب القرافي.
<< الصفحة السابقة
الصفحة التالية >>