إعتقاد أن الشيخ بلغ مقامه عند الله إلى حد لو باح به لأجمع أهل الحق على قتله . قال المعترض قابل هذا مع ما في كتب الأصول أن ما أجمعت عليه الأمة هو من القواطع وإجماعهم معصوم ، فلا يجمعون على باطل ، فتأمل لوازم هذا الكلام إن كنت من أهل هذا المقام.
إعلم أن هذه الكلمة نقلها الشيخ عمر الفوتي في أواخر الفصل الثاني والثلاثين من كتاب الرماح و نصها :«
قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : " إن لنا مرتبة عند الله تناهت في العلو عند الله إلى حد يحرم ذكره ، ليست هي ما أفشيته لكم . ولو صرحت بها لأجمع أهل الحق والعرفان على كفري فضلا عمن عداهم . وليست هي التي ذكرت لكم بل هي من ورائها اهـ .»
تحقيق القول في شرح هذه الكلمة
إعلم أن الشيخ الجنيد نقل عنه أنه قال : « لا يبلغ الرجل درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق » . و قد شرح هذه الكلمة الشيخ العارف بالله أبو الحسن علي الخواص .
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه الجواهر والدرر ، تحت عنوان "ماس" ما نصه : « سألت شيخنا عن قول الجنيد : " لا يبلغ الرجل درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق ". ما المراد بدرج الحقيقة ؟ قال : درج الحقيقة هو زوال هذا الوجود في الشهود ، فإنه إذا شهد هذا المشهد لا يصير يرى إلاّ الله ، وإذا لم ير إلاّ الله فما يدري مايقول ، فلا يسع الصديق إلاّ أن يرميه بالزندقة غيرة على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. فالمراد بالصديق هو من سلك طريق الشرع على التمام و الكمال ، ولذلك صَحّتْ منه الغيرة على الشريعة ، وعادى من شطح عنها من أهل الوحدة المطلقة ». اهـ باختصار . ونحو هذا الذي قاله الشيخ الخواص لسعد الدين ، في شرح المقاصد . قال رحمه الله : « السالك إذا انتهى في سلوكه إلى الله تعالى ، وفي الله سبحانه ، يستغرق في بحر التوحيد والعرفان ، بحيث تضمحل ذاته في ذاته ، و صفاته في صفاته ، ويغيب عن كل ما سواه ، ولا يرى في الوجود إلاّ الله . وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير ما في الحديث الإلهي من :
أن العبد لا يزال يتقرب إلي َّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به . وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وتعذر الكشف عنها بالمقال » . اهـ .
ونقل كلامه هذا ، الشيخ عبد القادر الفاسي في بعض فتاويه ، كما تراه في الأجوبة الصغرى والكبرى.
وإنا نقلنا كلام الإمام الجنيد ،و ما قال الشيخ علي الخواص في شرحه ، وكلام سعد الدين في شرح المقاصد ، لتعتبر بذلك من وجهين : الأول : أن ما نقل عن الشيخ التجاني ، نفعنا الله به ، نُقل مثله عن الجنيد ، المجمع على فضله ومعرفته . فلْيَسَعِ الأستاذ ما وسع مقدم طائفة الصوفية . الثاني : أن سبب الإنكار قصور عبارة العارف عن تصوير ما شاهد . فالمُنْكِرُ على حق ، وما أنكر إلاّ غيرة على الشريعة ، والعارف على حق ، لأنه لم يقصد الظاهر ، ولكنه خانته العبارة . وقد قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال ، عند الكلام على طريق الصوفية ما نصه : « ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد . ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ، ولا يحاول مُعَبّر أن يُعبّرَ عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الإحتراز عنه » اهـ .
إذا تقرر لديك هذا ، فدونك ما فتح الله به في فهم عبارة الشيخ : بلغ الأستاذ مقاما كبيرا عند الله ، وليس مثله بالمستغرب في جانب الفضل الإلهي ، إلى حَدّ تقصر العبارة عنه ، فلو ذكره لك بأيِّ عبارةٍ كانت لَلَزمَ ما لزم ، لا لأن ذلك اللازم صحيح في نفسه باعتبار المقام في نفس الأمر والواقع ، بل لأنّ العبارة بحسب ظاهرها تقتضي ما تقتضي لقصورها عن تصوير الحقيقة كما هي عليه.
وإجماع أهل الحق والعرفان على الكفر ، لا يقتضي الكفر بحسب ما في نفس الأمر والواقع ، وإن كان صحيحا في نفسه . ودونك مثلا في ذلك : أرأيت لو أن رجلا شَهدَتْ عليه البينة العادلة ـ بحَسَبِ الظاهر ـ أنه قتل فلانا عمدا وعدوانا ، وعجز المشهود عليه عن الدفاع بعد أن مُكّنَ منه ، فاتفق أهل الحق من رجال الشريعة على وجوب القصاص منه ، وهو برئ عند الله تعالى لِكَذِبِ البينة ، أليس اتفاق أهل الحق على وجوب القصاص منه بمطابق للشّرع ؟ بلى بلى . ولكن هل يستحق الرجل في نفس الأمر و الواقع القتل ؟ لا لا .
فالشيخ التجاني لو باح بمقامه عند الله ، لاقتضت عبارته ما اقتضت ، ولقال أهل الحق والعرفان ما قالوا ، ولكن ذلك لقصور العبارة لا باعتبار ما في نفس الأمر والواقع . وإنّ هذه الكلمة من الشيخ لَمِنْ أكبر الأدلة على احترامه للشريعة ، وعناية الله به في صونه من التصريح بما لا يتفق مع ظواهرها مما ينكره أهل المعرفة والحق . ولولا ذلك لقال ما قال ممّا صدر عن بعض الصوفية فلزم عنه ما لزم . بعد أن كَتبْتُ هذا ، راجعتُ بعضَ مباحث الإحياء ، فإذا الشيخ أبو حامد الغزالي ينقل عن حبر الأمة ـ ابن عباس رضي الله عنه ـ أنه قال في قول الله :
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن 
(1) « لو ذكرتُ تفسيرَه لرجمتموني . وفي لفظ آخر لَـقُـلْـتُـمْ أنه كافر ». فراجعه في الفصل الثاني من كتاب قواعد العقائد . وهل تعلم من المخاطب بقول ابن عباس رضي الله عنهما : " لرجمتموني أو لقلتم أنه كافر ؟ " أليسوا أعلام الصحابة والتابعين ؟ وقد رأيت أنْ أختم هذا المبحث بكلام الإمام حجة الإسلام الغزالي في الأسرار التي يختص المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها ، ويُمنَعُون عن إفشائها إليهم . فهو إنْ لم يكن فيه ما ينطبق على موضوعنا ، يقرب بك إلى فهمه ، ويفيدك بصيرة فيه . فنقول: قسّم الإمام الغزالي ، رحمه الله ، في الفصل الثاني من كتاب قواعد العقائد من الإحياء ، الأسرارَ التي يختص بها المقربون إلى خمسة أقسام ، وتوسّعَ ، رحمه الله ، في البيان على طريقته المعروفة ، ولخّص كلامه في ذلك العارف بالله الشيخ عبد القادر الفاسي في بعض فتاويه ، ونحن نُلِمّ بشيء منه يزيدك في هذا الموضوع نورا . وخلاصة كلامه أن هذه الأسرار ترجع إلى خمسة أقسام .
الأول : أن يكون الشيء في نفسه دقيقا تكَلّ أكثرُ الأفهامِ عن دركه ، فيختص بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله ، فيصير ذلك فتنة عليهم ، وإخفاء سرّ الروح منه .
الثاني : أنْ يكون الشيء مفهوما في نفسه ، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ، ولا يضر بالأنبياء والصديقين ، ومنه سرّ القدَر . ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا بالخلق ، كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش .
الثالث : أن يكون الشيء بحيث لو ذُكِرَ صريحا لَفُهِمَ ، ولكن يُكَنّى عنه على سبيل الإستعارة والرمز ليكون وقعُه في قلب المستمع أغلب ، كما يقال لمن يبث العلم لغير أهله : " فلان يقلد الدرّ في أعناق الخنازير " .
الرابع : إدراك الشيء جملة ثم تفصيلا بالتحقيق والذوق ، بأن يصير حالا ملابسا له ، فيتفاوت العلمان ، ويكون الأول كالقشر ، والثاني كاللباب ، كما يتمثل للإنسان في عينه شخص في الظلمة أو على البعد ، فيحصل له نوع أعمّ ، فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلام ، أدركه تفرقه بينهما ، ولا يكون الأخير ضد الأول ، بل هو استكمال له .
الخامس : أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال ، فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ، والبصير بالحقائق يدرك السر فيه ، كقول القائل : قال الجدار للوتد لم تشقني قال: سل من يدقني فلم يتركني وراء الحجر الذي ورائي .اهـ
هذا ما رأينا أنْ نأتي عليه من كلامه ، فإن لم تجد في هذه الأقسام ما ترد إليه مثل هذا الكلام الصادر عن الأستاذ ، فإنك لا تعدم منه فائدة في الموضوع ، كما سبق الإلماح إليه ، والله علم.
<< الصفحة السابقة
الصفحة التالية >>
- سورة الطلاق ، الآية 12 .