في الأحاديث النبويّة وعلومه الاختصاصيّة المصطفويّة - الصفحة الثانية .
وسألته رضي الله عنه عن قوله عليه الصلاة والسلام ، مخبرا عن الله عزّ وجلّ ، قال جلّ جلاله وعزّ كماله :
«
لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنته
»
، وفي الرواية الأخرى :
«
كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن استعاذني لأعيذنّه ولئن سألني لأعطينّه وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته
»
الحديث .
فأجاب عنه رضي الله عنه قال : معناه أنّ العبد يتقرّب إلى الله بالنوافل ، والنوافل هو ما زاد على الفرائض المعلومة ، وأفضل النوافل التي يتقرّب بها إلى الله تعالى الذكر والصلاة والصوم بشروطه ، فهو أعظم النوافل وأحبّها إلى الله تعالى . قال :
«
لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه
»
،
والمراد بالنوافل ههنا بقيام روحها في السلوك ، وروح الأعمال في السلوك هو عملها خالصة لله ، لا لِحَظٍّ عاجل أو آجل ، بل يريد الخروج بها إلى الله محضا من جميع حظوظها وشهواتها ومتابعة هواه ، فالعبد في هذه المرتبة بمنزلة الشخص الملطّخ بالنجاسات ، وتلك النجاسات شديدة الالتصاق في ذاته ، فهو يسعى في زوال النجاسات عن ذاته ليخرج إلى الله طاهرا مطهّرا . فلا شكّ أن صاحب هذه الحالة ، وهو التلطّخ بالنجاسات ، لا يلتفت لعمل الثواب ، بل يشتغل بتطهير نفسه ، فلا شكّ أن الروح ولعت بالبعد عن الله تعالى واتّخذت ولوعها وطنا ومسكنا ، وصعب على العبد التخلّص من هذه الورطة فأخذ في تخليص نفسه ممّا تعلّقت به ، فإنّ مرتبة الروح هذه تسمّيها الصوفيّة فيها الغراب لا بياض فيها أصلا بوجه من الوجوه ، وهي غاية البعد عن الله تعالى . فنوافل العبد من هذه الحيثيّة هو الرجوع بالتقرّب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحات لله محضا لا لطلب الثواب ، فهو ساع في ذلك لتطهير روحه ممّا استوطنته من الولوع بغير الله تعالى ، فيأخذها بالمجاهدة والمكابدة ، والقمع عن هواها ، ومزاولة المألوفات والشهوات . والمُعين له على هذه المجاهدة هو الذكر على أصله ، فإنّه لا تخلّص للعبد من ورطاته إلى الصفاء الذي يدخل به إلى الحضرة الإلهيّة القدسيّة إلاّ بفيض الأنوار من حضرة القدس ،
وفيض الأنوار أكبر ما يأتي بها الذكر ، فإنّه لا يزال العبد بتعاهد أوقات ذكره ، ثمّ يستريح والأنوار تقدح في قلبه وقت الذكر ، ثمّ تنتقل لعدم استقرارها فيه لكن ورودها عليه يعمل في روحه شيئا من الصفاء ، فإنّها كانت أوّلا تقدح ، ثمّ تنتقل إلى حالة أخرى تمكث في القلب قدر الدقيقتين أو الثلاثة ، ثمّ تنتقل إلى حالة أخرى ، ثمّ تمكث في القلب قدر ساعة ، ثمّ تنتقل ، فلا يزال حالة بعد حالة حتّى تستقرّ الأنوار في قلبه ، فتكسبه حالة لم يعدها من نفسه من القوّة على الذكر ، والحنين إلى الوقوف بباب الله ، وتوجّع القلب من مخالطة الخلق وما يشاهده من تخليطاتهم ، ثمّ لا يزال العبد باستمرار مع الذكر إلى أن تخرج به الأنوار إلى استغراق أوقاته في الذكر آناء الليل والنهار ، فيجد في روحه اكتسابا لم يعهده من الرضا بقضاء الله تعالى ، والصبر للبلايا وعدم الانزعاج منها ، والتوكّل على الله تعالى في نفقاته وأمورها ، والبعد عن التكالب على الدنيا واكتسابها . ثمّ لا يزال به الأمر حتّى يطمئنّ بذكر الله تعالى بحيث يصير الذكر له وطنا لا يقدر عن التخلّف عنه ولو لحظة ، ذاق باكورة أهل التحقيق ، ولمعت له لوامع من أحوال الخاصّة العليا ، ويشهد في نفسه من القرب إلى الله تعالى أمرا عظيما ، ويجد في قلبه من العلوم الإلهيّة أمرا جسيما ، فهناك تجرّد من كلّ مخيط ومحيط وأحرم بالبراءة من كلّ ما سوى الله وصلّى على الأكوان صلاة الجنازة ، ودخل على الله من باب المراقبة يفتّش في جميع مقاصده فلا يجد في نفسه قصدا غير الله تعالى .
ثمّ مع هذا كلّه لا يتغافل عمّا تدعوه إليه قصوده أن يكون فيها حظّ من حظوظ النفس الخفيّة ، فإنّها في هذا الميدان شديدة المكر بصاحبها ، تتلبّس له بأمر الله تعالى مظهرة له أنّها ما تريد فيها إلاّ الله تعالى ، ثمّ أنواره لقوّتها تُظهِر له خواطر النفس من الخواطر الإلهيّة ، لا تغيب عنه . ثمّ بعد ذلك هو شديد الحذر من خواطرها لصعوبة مكرها ، فإنّها عدوّة لله ولصاحبها ، والعدوّ لا تتأتّى منه النصيحة ، فلا يزال ملازما لمراقبته ، وهو علْم القلب باطّلاع الربّ عليه ، إلى أن ينتقل إلى المشاهدة ، وهي الاستهلاك في التوحيد ، وغاية المشاهدة ، ينمحق الغير والغيريّة ، فليس إلاّ الحقّ بالحقّ في الحقّ للحقّ عن الحقّ ، فلا علم ولا رسم ولا عقل ولا وهم ولا خيال ولا كيفيّة ولا كمّيّة ولا نسبة ، انتفتْ الغيريّة كلّها . فلا يزال كذلك مصطلما حتّى ينتقل إلى الصحو ، وهو في ذلك الحال يقيم بقيام الحقيقة والخليقة بتأييد إلهيّ لا شعور له بشيء من ذلك . فإذا انتقل إلى الصحو ، تسمّيه الصوفيّة الحياة بعد الموت ، وهو معرفة المراتب الحقّيّة والخلقيّة ، وتمييز خواصّها وأحوالها ومراتبها ، ما في كلّ مرتبة من الأحكام واللوازم والمقتضيات ، فيقيم حقوق الله في جميعها ، فهو الصدّيق الأكبر . إنتهى .
قوله :
«
حتّى أحبّه
» .
معناه أنّ محبّة الله للعبد هو إفاضة محبّة ذاته المقدّسة عليه ، فهي غاية الغايات وإليها ينتهي سير كلّ سائر ، من وصلها كملت له مطالب الدنيا والآخرة . قال :
«
حتّى أحبّه
» ،
يعني أفيض عليه محبّة ذاتي على حدّ قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

فلولا محبّته سبحانه وتعالى لهم ما وصلوا إلى محبّة ذاته .
قوله :
«
فإذا أحببته كنت سمعه... الخ
» ،
يشهد العبد من نفسه قوّة إلهيّة كأنّه هو الذات المقدّسة بجميع صفاتها وأسمائها ، كأنّه هو وليس هو ، ولكنه سبحانه وتعالى أفاض عليه من أنوار صفاته وأسمائه لعلوّ مقامه ، إنّ ما يحمله ما لا يحمله جميع الخلق من الثقل ، حتّى قال بعض العارفين : " من كشف له عن ذرّة من التوحيد حمل السموات والأرضين على شعرة من أجفان عينيه لأنّه نهض في هذا المقام بالقوّة الإلهيّة ، فهو ينظر بالله كأنّ ذاته ذات الله تعالى ، ويسمع بالله ، وعلامة هذه النظر والسمع بالله ، ففي النظر : أن ينظر الوجود كلّه من عرشه إلى فرشه من حيث أن لا يخفى منه ذرّة واحدة ، ويستوي أمرها في ما كان خلفه وأمامه ، ويمينه وشماله ، وفوقه وتحته ، يرى ذلك في الآن الواحد دفعة واحدة ، ويراه كالجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة ، فلا تختلط عليه المرئيات وإن اختلفت أحوالها وأوضاعها ، وحركتها وألوانها ، كلّها يراها على ما هي عليه دفعة واحدة في الآن الواحدة في كلّ جهة من جهاته ، فلا تختلط عليه ذرّة واحدة .
وسبب هذه الرؤية أنّ بصر الروح قد انفتح فإذا انفتح بصر الروح في ذاته طالع جميع الأكوان والعوالم فلا تختلط عليه الرؤية . فهذا هو النظر بالله تعالى . والسمع بالله تعالى أن يسمع جميع ألفاظ الوجود في جميع العوالم واختلاف تسبيحها وأذكارها في الآن الواحد فلا تختلط عليه كثرة ألفاظها وتسبيحها كأنّه في كلّ لفظ لا يسمع غيره ، فإنّ أمر العامّة في السماع لا يسمع إلاّ لفظا واحدا ، فإذا كثرت عليه الألفاظ عجز عن
تمييزها ، والسالك في هذه الحالة ، قلنا ، يسمع جميع ألفاظ الموجودات وتسبيحها فلا تختلط عليه . إنتهى .
قوله :
«
ويده التي يبطش بها
» ،
: فإنّما يبطش بالله تعالى لا بقوّته ، فيكون في قوّته ، لو أُذِنَ له في البطش ، لقتل ألف ألف رجل في لحظة واحدة وهكذا ، فهذه القوّة الإلهيّة . إنتهى .
قوله :
«
ورجله التي يمشي بها
»
، فإنّه في هذا الميدان يقدر أن يتخطّى الوجود كلّه في خطوة واحدة ، يضع رجله مثلا في الأرض، ويضع الرجل الأخرى وراء العرش ، لكن بالروح لا بالجسد . إنتهى .
قوله :
«
ولسانه الذي ينطق به
»
، فإنّه ينطق ههنا بنطق الحقّ سبحانه وتعالى ، ويقدر في هذا الحال أن يقرأ مائة ألف ختمة، في مقدار ما يقرأ القارئ سورة الإخلاص ، قلنا لأنّه متّصف بأنوار صفات الحقّ فلا يعجز عن شيء ، فإذا سرى فيه نور القدرة الإلهيّة عمل في الوجود ما لا تحيط به العقول ، حتّى أنّه يقدر في مقدار ساعة فلكيّة في محلّ ويعمل في محلّ آخر ، أو يتزوّج امرأة يولد له منها عشرون ولدا مثلا ، وهكذا ، وقد وقع كثيرا للأولياء هذا ، فإنّ الله لا يعجزه شيء في الموجودات ولا يتقيّد بالعادات ، ففي غيبه ما لا تحيط به العقول . إنتهى .
قوله :
«
ولئن استعادني لأعيذنّه
» ،
لأنّه لمّا وصل إلى غاية القرب من ربّه كان مجابا في جميع مقاصده ، إن استعاذ بالله من شيء خاف منه أعاذه ، وإن سأل من الله شيئا أراده أعطاه له في الحين ، وهكذا . ثمّ هذا القرب الذي اجتمعت عليه الطائفة ، المصرّح به في الكتاب والسُّنّة في غير ما موضع ، ليس هو قرب المسافة و لا قرب الاتصال ، وإنّما هو قرب النسبة فقط ، فإنّ العبد وُضِع أوّلا في غاية البعد عن نسبة الحضرة الالهيّة ، فإنّ نسبة الحضرة الإلهيّة تقتضي أن لا وجود لشيء مع الله تعالى ، ولا حكم لغير الله تعالى ، ولا التفات لغير الله تعالى ، ولا تعويل على غير الله تعالى ، وحدها أن لا يكون في قلب المقرّب إلاّ الله لا غير . والعبد وضع في وضعه الأوّل حيث خرج من بطن أمّه وحيث أفاق من غيبته ، وهو في غاية البعد عن الله تعالى لكونه مشغولا بحظوظه و شهواته ، دائم العكوف على تحصيل أوطاره من حال دنياه ، لا يلتفت إلى الله ولا يلمّ به . فهذا هو البعد عن نسبته إلى الله تعالى ، وليس البعد ههنا بعد المسافة ، فإنّ الذات العليّة جلّت وتقدّست أن يكون بينها وبين شيء خلقته مسافة تقتضي الانفصال . وكذا جلّت وتقدّست أن يكون لها اتّصال بشيء ، بل الوجود كلّه في قبضته بين يديه سبحانه وتعالى، من نشأته الأولى إلى الأبد ، وكلّ واحد من الخلق ، ويعني به أهل البعد عن الله تعالى المشغولين بشهواتهم وأغراضهم ، فَهُمْ في جميع تقلّباتهم بين يدي الخالق سبحانه وتعالى ، مَن مشى منهم مشى بين يدي الحقّ حيثما مشى ، ومن سعى منهم كذلك ، ومن جلس منهم
كذلك جلس بين يدي الحقّ حيث ما جلس ، ومن رقد منهم رقد بين يدي الحقّ كيفما رقد ، والحاصل منهم أنّ من تحرّك تحرّك بين يدي الحقّ ، ومن سكن منهم سكن بين يدي الحقّ ، وإنّما هُمْ عمون عن هذا .
وفي هذا الميدان الكافر والمسلم ، والمؤمن والصدّيق ، والقطب والرسول ، والنبيّ والملَك ، كلّهم على حدّ سواء في هذا الميدان ، ليس أحد بأخصّ من الآخر إلاّ مَن كان مِن الصدّيقين ومَن ورائهم انكشف لهم ذلك فرأوه عيانا فأعطوا جميع هذا المشهد حقّه ، والعامّة عموا عن هذا وجهلوه فأدبروا عن الله تعالى بمعانقة أغراضهم وشهواتهم بمتابعة هواهم ، لكن لهم عذر في هذا ، فإنّ الصفوة العليا ، من الصدّيقين إلى الرسل ، أعرى عنهم الحجاب فتجلّى الله لهم عيانا ، فإن تجلّى الله له حتّى رآه لم يقدر أن يلتفت إلى غيره ، ولم يقدر أن ينصرف عنه بشيء ، وطهّره ذلك من جميع حظوظه وشهواته . ويقال في الإشارة عنه سبحانه وتعالى : من كشفت له عن صفاتي ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن ذاتي ألزمته العطب ، وهو الاستهلاك . قالوا : إنّ هذا العطب هو غاية الأرب ومطلب العبيد ، فإنّه عين الوصول . وأمّا العوام فإنّهم أرخى عليهم الحجاب فلم يروا ربّهم ولا عرفوه ، فاشتغلوا بهواهم وشهواتهم مع كونهم بين يديه إذ لا يرونه ، لكن موضع التحقيق أنّ كلّ واحد منهم ومن النبيّين والصدّيقين ومن بعدهم ، كلّ ذلك مراد الله منهم ، ليس منهم واحد هو في ذلك بنفسه بل كلّ واحد منهم هو بإقامة الله له في ذلك الحال . ثمّ إنّ ذات العارف تبلغ أن تكون هي العاملة في الأشياء بلا دعاء ولا ذكر ، تبلغ حتّى أنّه لو اجتمع عليه ألف رجل يقتلونه في محلّ ليس فيه غيره ، حيث تعجز إغاثته ، ثمّ نطق في ضميره أن يعجزوا ، أو تحرّك ضميره لعجزهم ،عجزوا عنه في الحين ، إنْ شاء تفريق شملهم وقع القتال بينهم في الحين وعجزوا عنه ، وإن شاء أن تنزل عليهم العلّة ، المعروفة عند العامّة بالنقطة ـ وهي السبات ـ ، نزلت عليهم في الحين وتعطّلت الحركة منهم فلم يقدروا دون أن يستعيذوا بالله تعالى لأنّه يفعل الأشياء بالله .
ولو تحرّك عليه العطش الشديد المهلك ، وكان في بريّة قفرا ، وشاء بضميره أن ينزل عليه المطر في الحين ، نزل بلا دعاء ، ولو شاء أن يفجر الماء في ألأرض تفجّر في حينه أسرع من طرفة عين ، لكن إذا وقع للرجال هذا لم يتركوه ، دائما إذا شرب أو توضّأ أو قضى حاجته طمسه في الحين . والحاصل ، أيّ شيء أراده في ضميره وقع في الحين .
قال بعض الرجال : كنت أخدم شيخا من الشيوخ العارفين ، وقد سافرت معه إلى الحجّ أخدمه ، وكان في أقصى العراق ، فكان وقع به الطلق في الطريق ، قال : فكان أكربني في كلّ لحظة نعطيه يقضي الحاجة ، ثمّ نعطيه إناء الوضوء فيتوضّأ ، فشقّ عليّ ذلك حتّى وصل إلى مدينة نزلوا بساحتها . قلت له : إنّ بهذه المدينة دار السبيل قد أعدّوا فيها جميع الأدوية لذوي العاهات ، فقلت له : إنّي أريد الدخول إليها لآتيك منها بدواء يمسك البطن ، قال : فقال لي أدخل إن شئت ، لكثرة ما رأى منّي من كثرة الاحتراق والحرص على ذلك الأمر . قال : فلمّا دخلت قلت أذهب إلى الأمير ليقضي مرادي ، قال : فلمّا دخلت على الأمير ، فبنفس ما رآني ، قام وعانقني وفرح بي وبشّ بي وكأنّي كنت له صديقا ملاطفا منذ سنين ، ثمّ رحّب ترحيبا عظيما وقال : وما هذا الذي حرّكك حتّى سعيت إلينا ؟ قال : رأيت منه عجبا في الإكرام و البرور مع كونه ما فعل ذلك مع أحد قطّ ، ثمّ قال لي : ما تريد ؟ فذكرت له الحاجة والأمر الذي أريده من الدواء لامساك البطن . فقال : حُبّا وكرامة ، ثمّ قال لحرسه : عليّ به الآن ، فجاؤوا به في دار السبيل وأعطاه لي ، وانصرفت مكرّما من عنده .
فلمّا دخلت على الشيخ أعطيته الدواء ، فذكرت له ما فعل الأمير معي من الفرح والتعظيم والإكرام بحال لم يكن معتادا منه ، قال : فقال الشيخ له أنا فعلت ذلك كلّه لمّا رأيت حرصك وشوقك واحتراقك على الدواء وذهبتَ عنده خفتُ عليك أن يسوء حالك عنده لعدم معرفته بك فتستوحش من ذلك فانتقلت من ههنا بروحي ، نقلت روحي من جسدي وسبقتك إليه ودخلت في جسده حتّى لبستُ روحه وجسده ، فلمّا دخلتَ أنا الذي قمتُ إليك ، فإنّي كنت حاكما عليه لا يقدر على التخلّف عنّي لأنّي أنا الروح وهو الجسد ، ففعلت بك ما رأيتَ ، فأنا الذي أكرمتك ليس منه شيء . فلمّا خرجتَ وسرْتَ خرجتْ روحي منه ورجعت إلى جسدها ، والدواء لا حاجة لي به ولا أريده ولا أفعله .
ووجه الشاهد في هذا أنّ العارف يفعل ما يريد في كلّ شيء ، إلاّ أنّ في هذا المحلّ موضع الحياء والأدب إن دخل الحضرة على أن وصفه الرضا والتسليم والثبوت لمجاري الأقدار ، وترك والمرادات والاختيار ، فلمّا كان وصفه هذا لم يتّأت أن يفعل كلّ ما تعلّقت به بشريّته إلاّ إذا وقع به الإضرار في وقت من الأوقات حرّك سرّه وفعل ما أراد .
وأمّا قولنا أنّ القرب قرب النسبة لا قرب المسافة ، وقلنا أنّ الخلق كلّه بالنسبة إلى الله في قربه منها كلّها على حدّ سواء ، فالكافر والرسول على نسبة واحدة ، والحقّ في ذلك كلّه لا متّصل ولا منفصل ، فهو قريب في غاية القرب وأبعد من كلّ بعيد ، وتلك الصفة تتبع حقيقة وجوده ، ولا يعرف الوجود المطلق ولا يصل إليه عالم ولا غيره . وأمّا النسبة المذكورة للرجال فإنّها قرب النسبة ، فإنّ الحضرة القدسيّة في غاية الصفاء ، لا تقبل التلويث بوجه من الوجوه ، فإنْ دخلها غاب عنه الوجود كلّه ، فلم يبق إلاّ الألوهيّة المحضة ، حتّى نفسه تغيب عنه . ففي هذا الحال لا نطق للعبد ، و لا عقل ووهم وحركة ، ولا سكون ورسم ، ولا كيف ولا أين ، و لا حدّ ولا علم . فلو نطق العبد في هذا الحال لقال : لا إله إلاّ أنا سبحاني ما أعظم شأني ، لأنّه مترجم عن الله عزّ وجلّ .
وفي هذا الميدان قال أبو يزيد قولته التي قال في وسط أصحابه وهُمْ دائرون به ، قال : سبحاني ما أعظم شأني ، فهابوا أن يكلّموه وعرفوا أنّه غائب ، فلمّا صحا من سكرته ، وتحقّقوا منه الصحو ، أخبروه بما سمعوه منه ، فقال : ما علمت بشيء ، وهلاّ قتلتموني في تلك الحالة ، فإنّكم لو قتلتموني لكنتم غزاة في سبيل الله وكنت شهيدا ، قالوا له : لم نقدر على ذلك .
وقد قلنا أنّ الحضرة في غاية الصفاء لا تقبل الغير والغيريّة . إنّ الله تعالى إذا تجلّى بكمال جلاله للعبد أماته عن جميع الأكوان فلم يعقل لا غيرا ولا غيريّة ، فهذا غاية الصفاء .
قال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، مخبرا عن ليلة الإسراء حيث أخبر عن رؤيته لربّه :
«
ولم أر عند رؤية ربّي أحدا من خلقه حتّى ظننت أنّ من في السموات والأرض كلّهم قد ماتوا
» ،
فهذا هو الصفاء والقرب ، ومعنى القرب هو نسيان الغير والغيريّة ، وكان الوجود في محطّه الأوّل هو في غاية البعد عن الحضرة الإلهيّة إلاّ من رفع الحجاب منهم يعني من الموجودات فرأى القرب بعينه ، والباقي كلّهم مشتغلون عن الله تعالى ، فإنّ ذواتهم لمّا ظهرت لهم أنستهم الخالق سبحانه وتعالى فانعطفت ذواتهم على طلب مصالحها ، والسعي في دفع مضارّها ، فبهذا الحدّ بعدوا عن الله تعالى .
قال ابن عبّاس رضي الله عنه : إنّما اشتغل الخلق عن الله تعالى تدبيرهم لأنفسهم ، فلو أنّهم تركوا التدبير لأنفسهم وخرجوا عنه لنظروا كلّهم إلى الله عيانا ، فهذا هو البعد عن الله تعالى ، يعني بُعد النسبة ، لأنّ صاحبه لا نسبة بينه و بين الله تعالى ، لأنّ الله تعالى في عظمته وجلاله من تجلّى له بالعظمة والجلال أذهب الخلق عنه من باله فلم ير لا غيرا ولا غيريّة ، ولم ير إلاّ الله وحده فناسب الحضرة الإلهيّة في حالته هذه لكون الحضرة لا تقبل الاشتغال بالغير .
قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه : حيث قال في الطاغوت الذي أمر الله تعالى بالكفر به ، حيث قال :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ

الآية ، قال رضي الله عنه : كلّ ما شغل عن الله طاغوت ولو لحظة من الدهر . قلنا : هذا نسبة الحضرة الالهيّة لأنّها لا تقبل الاشتغال بالغير حتّى لحظة واحدة ، فإنّ العارف بالله تعالى لو أشار إلى غير الله لحظة واحدة لطرد أو سلب أو عوقب عقوبة عظيمة إن كان ذا عناية . قال بعض الرجال : كنّا عند الجريري يوما فجاء رجل يبكي ، فقال له : كنت على بساط الأنس فزللت زلّة حجبت عن مقامي ، دُلَّنِي على الرجوع إلى ما كنت عليه والوصول . فقال له الجريري ، وعقد النقرة بين سبابته وإبهامه ، ثمّ قال له : يا أخي الكلّ في قهر هذه اللحظة . أشار له إلى أنا و أنت كلّنا في قبضة الله . ثمّ قال له : لكنّي أنشدك أبياتا تجد فيها جوابك :
قـف بالديـار فهذه آثـارهـم
تبكـي الأحبّـة حسـرة وتشوّقـا
كم ذا وقفـت بربعها مستخبـرا
عن أهلهـا أو سائلا أو مشفقـا
فأجابني داعي الهوى من ربعها
فارقـت من تهـوى فعز الملتقـى
ثمّ قام يبكي وذهب . فلمّا ذهب قال أصحاب الجريري للجريري : ما شأنه ؟ قال لهم : إنبسط مع الحقّ بغير إذن فطرد عن مقامه . لأنّ انبساطه بغير إذن فيه اشتغال عن الله تعالى ، والعارف أبدا على بساط الأدب . قال بعض أصحاب الجنيد : كنّا ليلة مارّين معه بأزقّة بغداد ، فسمع منشدا ينشد ويبكي ويتنحب وهو يقول :
منازلا كنت أهواها ونألفها
أيام كنت على الأيام منصورا
فبكى الجنيد رضي الله عنه ، ثمّ قال : ما أطيب الألفة والمؤانسة ، يعني بالله تعالى ، وما أوحش الوحشة والمفارقة . ثمّ قال : لا أزال أحنّ إلى بدء إرادتي وركوب الأهوال طمعا في الوصال ، أتأسّف على الأيّام الماضية . إنتهى .