نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثاني - الصفحة الأولى :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثانـي > الصفحة الأولـى


في الأحاديث النبويّة وعلومه الاختصاصيّة المصطفويّة - الصفحة الأولى .
في الحديث القدسي ، مخبرا عن الله تعالى ، يقول الله سبحانه وتعالى : « أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » إنتهى . وقد سألته عن معني هذا الحديث الكريم ، وما انطوى من السرّ العميم .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناه أنّ العنديّة هنا هي من إطلاقات الكناية الإلهيّة ، وذلك علم اختصّت به الرسل ، يعني علم الكناية الإلهيّة . وفي وعلم الكناية وقعت على الحقّ عبارات استحال ظاهرها من النزول ، والدنوّ والتدلّي ، والمعيّة والعنديّة ، والمجيء والضحك والعجب ، وأمثالها كثيرة في الشرع ، وظواهرها مستحيلة على الحقّ سبحانه وتعالى ، إلاّ أنّ تلك العبارات وقعت من الرسل عن معان غيبيّة لا تعرف حقائقها في حقّ الله سبحانه وتعالى ، وعبّروا عنها لكن عبّروا للخلق ، فمن كان من الصدّيقين عرف معاني تلك الألفاظ ، ومن لم يكن منهم لا يعلم منها شيئا ، ومن جملتها العنديّة في قوله : « أنا عند ظنّ عبدي بي » . فالعدنية اقتضت الحلول معه في المكان ، لأنّ العبد في المكان مستكن ، وذلك مستحيل على الله تعالى ، إذ يستحيل عليه الحلول في الأمكنة والخروج عنها . معنى العنديّة هنا إسعافه للعبد بمطلبه فيما ظنّ به فيه . فمن ظنّ بربّه خيرا وجد من ربّه خيرا ، ومن ظنّ غير ذلك وجد منه غير ذلك . قالت الجلود للمشركين ، حين شهدت عليهم بين يديّ الله تعالى حين قال المشركون لجلودهم : لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ، قالت الجلود في الجواب : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ إلى قوله تعالى : وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ، وقال سبحانه وتعالى في وصف المنافقين : يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ الآية ، ذكرها في ذمّهم . وورد في بعض الأخبار أنّ الله سبحانه وتعالى يوقف العبد بين يديه فيقول له : « ما الذي جرّأك على معصيتي حتّى خالفت أمري ؟ ، أو ما هذا معناه ، فيقول العبد : ربّ ظننت أنّك تغفر لي ، فيغفر له لحُسْن ظنّه » . وقد روي أنّ يحي بن أكثم ، وكانت حالته معروفة ، قال بعض من رآه في النوم وسأله : ما فعل الله به ، فقال : غفر لي ، قال قلت له : بماذا ؟ قال : قال لي سبحانه وتعالى فعلتَ وفعلتَ وفعلتَ ، قال قلت : إلهي ما بهذا حُدِّثْتُ عنك ، قال : وبماذا حدّثتَ عنّي ؟ قال قلت : حدّثني فلان عن فلان ، وذكرت الرواة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، أنّه صلّى الله عليه وسلّم يقول : « إنّ الله يستحي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه » أو ما معناه هذا ، قال فقال: صدق فلان وفلان ، وذكر الرواية ، ثمّ قال لي : إذهب فقد غفرت لك . وهذا حسن الظنّ بالله تعالى ، فمن ظنّ به خيرا عامله بخير ، ومن ظنّ به شرّا عامله بظنّه . فمن ظنّ بالله أن ليس له منه إلاّ العقوبة والعذاب عامله الله بذلك ، ومن ظنّ به العفو عامله الله بذلك . قال صلّى الله عليه وسلّم حين سأله الأعرابيّ : « من يلي حساب الخلق يوم القيامة قال له صلّى الله عليه وسلّم الله يعني الله يتولّى الله حساب الخلق يوم القيامة ، قال له الأعرابيّ : بذاته ؟ قال له : بذاته ، فضحك الأعرابيّ ضحكا شديدا . فقال له صلّى الله عليه وسلّم ممّ ضحكت يا أعرابيّ ، قال الأعرابيّ إنّ الكريم إذا حاسب سمح وإذا قدر عفا » فسكت صلّى الله عليه وسلّم وتركه مع حسن ظنّه و لم يزعجه عنه .
ثمّ إنّ حسن الظنّ بالله تعالى ، وإن كان صاحبه منهمكا ، وكان ذلك غريزة قلبه ، يفيده ذلك مع الله تعالى ، و لا يخرج حسن ظنّه بالله تعالى باطلا ، لكن في بساط الشرع يطرد عن ذلك، ويزجر إلى الخوف من الله والتخويف ، ويُسَمّونَ حقيقته اغترارا بالله تعالى . قال أبو نواس ، الشاعر المشهور وكانت حالته معروفة ، قال بعض الصالحين : رأيته في النوم بعد موته في حالة حسنة محمودة ، قال قلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي ، قلت له : بماذا ؟ قال لي : بأبيات قلتُها عند موتي : قال قلت له : ما هي ؟ قال لي : هي عند رأسي في الوسادة . قال : فأتيت إليها فوجدتها أربعة أبيات هي :
يا ربّ إنْ عظُمتْ ذنوبي كثرة      فلقد علمـتُ بأنّ عفوك  أعظـم
أدعوك ربّ كما أمرت  تضرّعا      فـإذا رددت يدي فمن ذا يرحـم
إنْ كان لا يرجوك إلاّ مُحسـن      فمن الذي يرجو المسيءُ المجرمُ
ما لي إليك وسيلة إلاّ  الرجـا      وجميـل ظنّـي ثمّ أنّي  مسلـمُ
غفر الله له بهنّ .
وبالجملة ، فالمعوّل عليه في بساط التحقيق أنّ من لقي الله يحسن الظنّ به في العفو عن ذنوبه ، وإن كان من أكبر المنهمكين ، لقي من ربّه عفوا ، ومن لم يكن كذلك فأمْرُه إلى الله ، ولاسيما إن كان يكثر التضرّع من ذنوبه في أوقاتٍ من أيّامه بطلب العفو وترْك المؤاخذة ، فما خرجت حالته من الله باطلة . ومن أراد هذا الحال فعليه بملازمة حزب التضرّع والابتهال ... الخ ، فلْيُطالعْهُ . وقد روي عن بعض العامّة أنّه كانت حالته معروفة فيما لا يرتضي ، فمات ورؤي بعد موته في حالة حسنة ، فقال له الرائي : ما فعل الله بك ؟ قال له : فعل بي ، وفعل بي من الخيرات ، قال له : بماذا ؟ قال له : بدعاء كنت أتضرّع به قال : ما هو ؟ قال كنت أقول : اللهمّ يا سيّدي حبستَ من حبستَ عن خدمتك ، وأطلقتَ لها من أحببتَ من خلقك ، غير ظالم ولا مسؤول عن فعلك ، وقد تقدّمتْ لي فيك آمال ، فلا تجمع على المنع من الطاعة مع خيبة الآمال فيك يا كريم . إنتهى .
قوله : « وأنا معه إذا ذكرني » ، معناه أنّ المعيّة ههنا من اطلاقات الكناية الإلهيّة ، إلاّ أنّها غير قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ فإنّ تلك هي له صفة ذاتيّة ، وهذه المعيّة هنا هي معيّة العناية والمحبّة ، فإنّه مع الذاكر بعنايته ومحبّته له ، كما أنّ معيّته مع الصابر في الجهاد بالنصر والتأييد ، كقوله تعالى : وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ هنا بالنصر والتأييد ، بعد المحبّة والعناية فإنّه مع الصابر في الجهاد بالعناية والمحبّة والنصر والتأييد ، وكقوله في الحديث : « إن الله مع الدائن حتى يقضيه » ، فإنّ المعيّة ههنا بالمعونة والتيسير ، حتّى كان عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، مع كونه من أكابر الأغنياء ، لم يُرِدْ أن يخلو من ديْن . قيل له : ليست بك حاجة إلى هذا ، فأشار إلى الحديث وقال : أريد أن يكون الله معي . فهذه المعيّة هنا هي معيّة الصفات ، فهي مع الذاكر بالمحبّة والعناية ، ومع الصابر في الجهاد بالمحبّة والعناية والنصر والتأييد ، ومع الدائن بالمعونة والتيسير .
وهكذا فالمعيّة في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ، فهي معية الذات، فهو مع كلّ شيء بذاته وتلك لا تقبل انفصالا ، يعني الانفصال عن تلك المرتبة ، فهو في تلك المرتبة مع كلّ شيء ، لا بحلول ولا اتّصال ولا انفصال ولا مسافة ولا قرب ولا بعد ، إذ تلك صفاته الذاتيّة ، وهي المعيّة ، يعني معيّة الصفات مقيّدة بالشروط التي هي معها ، فمع الذاكر بالمحبّة والعناية إذا كان ذِكْراً ، وتنعدم إذا انعدم الذاكر ، يعني إذا انقطع انقطاعا كليّا عن الذكر بلا عودة له ، وأمّا إذا كان لاستراحة أوقاته بين أذكاره فمعيّة الله لا تنقطع عنه ، فهو معه بالمحبّة والعناية ، فإنّه يقول في الحديث القدسيّ : « إذا اطّلعت على قلب عبدي فرأيت الغالب عليه ذكري ملأته بحبّي » ، وحبّ الله هو غاية المطالب . ومن حلّ فيه حبّ الله تعالى سعد السعادة الأبديّة ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم يوما جلد رجلا في الخمر ، وكان قد أتوا به إليه مرّات وقع في الخمر وجَلَده صلّى الله عليه وسلّم ، فقال له بعض الصحابة : لعنك الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم : « لا تلعنْه فإنّه يحبّ الله ورسوله » فما ذنبه أخرجه من حرمة محبّته لله تعالى . وهو يقول في الحديث : « لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه ... الخ » . وأعظم النوافل تقرّبا الذكر ، وكذلك الصلاة يتعاهدها بالحضور القلبيّ لأنّها مثل الذكر ، لا يزال العبد مرّة يذكر ومرّة يستريح حتّى إذا رأى الحقّ منه ذلك صبّ في قلبه من مواهبه أنوارا إلهيّة شغلت القلب عن غير الله تعالى ، وملأته بذكر الله تعالى ، وصار القلب بسبب ذلك مطمئنّا بذكر الله ، ومن الطمأنينة ينتقل إلى المراقبة ، وهي حالة عزيزة ما نالها إلاّ الأفراد ، يعني أفراد السالكين ، فإنّها إن دامت للعبد ، وتمكّن أمرها من القلب ، خرجت به إلى الذهول عن الأكوان ، ثمّ إلى السكر عنها ، وهو أعلى من الذهول ، ثمّ إلى الفناء عن الأكوان مع شعوره بفنائه ، ثمّ إلى الفناء عن الفناء ، فإذا وصل إلى هذا الحدّ انمحق الغير والغيريّة بهدم جميع الرسوم و الأطلال ، وانمحق جميع الآثار ، فلم يبق إلاّ الحقّ بالحقّ عن الحقّ ، وهو باب المدخل إلى محبّة الذات للذات ، وهي غاية الغايات ، فإذا وصل العبد إليها ارتفع الحجاب له عن الحضرة القدسيّة ، وطلعت به شمس المعارف ، فرفعت له الأستار عمّا في الحضرة الإلهيّة من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال العليّة والأخلاق السنيّة الكريمة، والتوحيد والتجريد والتفريد والحكم والحقائق والعجائب التي لا تعرف ولا تذكر ، وهي غاية الغايات . وأكثر ما يوصل إليها من النوافل الذكر بملازمته ومعانقته له ، فإنّ الذكر هو الذي يأتي بالمواهب .
قوله : « فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » ، معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم ، مخبرا عن الله عزّ وجلّ ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، فإنّ هذا المحلّ من إطلاقات الكناية الإلهيّة ، فإنّه في حقيقة الأمر ما أخرج موجود عن ذِكْره مطلقا لأنّ الموجودات مرتسمة في حقيقة العلم الإلهيّ ، ولا تسقط عن العلم الإلهيّ ولو لحظة واحدة ، فإنّ حقيقة الذكر في نفسه سبحانه وتعالى هو حقيقة علمه بالموجودات . فإذا علم هذا دلّ الحديث على أنّ هذا الذكر ذكر خاصّ ليس الذكر الأصليّ الذي هو في حقيقة العلم الإلهيّ لأنّ هذا الذكر الخاصّ جعله جزاء سبحانه وتعالى لذكر العبد حيث قال سبحانه وتعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، والمراد به بسط الثواب على الذاكر فقط ، ثمّ أنّه إذا ذكره العبد في نفسه أعطاه من الثواب ما لا تطيقه العقول ، وجعله مكتوما عن خلقه ، لا يظهره له إلاّ إذا أدخله الجنّة ، يقول له : هذا ثواب ما ذكرتني به ، ولا تطّلع عليه الملائكة حتّى الحفظة .
« وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه » . يريد إذا أظهر ذكري في ملأ من النّاس ، واطّلعوا عليه ، ذكرته في ملأ خير منه ، لقوله سبحانه وتعالى : أشهدكم أني أعطيت فلانا بذكره في كذا و كذا وكذا من الخيرات ، فإنّ هذا الذكر الذي أظهره الله للملائكة جمع الثناء على العبد والعطاء له .
وقوله : « خير منه » ، المراد به من الملائكة أهل الملأ الأعلى ، وذكرهم هنا بالخيرية على بني آدم . وهذا محلّ الخلاف بين العلماء في تفضيل الآدمي على الملك على الإطلاق إلاّ الرسل ، يعني من الملائكة ، فإنّهم أفضل قطعا لأنّهم رسل ، وفي تفضيل الملك على الآدمي مطلقا إلاّ النبيّون والمرسلون . قلنا : اختلف العلماء فيما عدا رسل الملائكة من الملائكة ، وفيما عدا الأنبياء من البشر . فذهبت طائفة إلى تفضيل الملك مطلقا ، محتجّين بهذا الحديث « ذكرته في ملأ خير منه » ، وذهبت طائفة إلى تفضيل البشر على الملائكة ما عدا الكفار ، محتجّين بقوله سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ ، والملائكة من جملة البرية ، وبقوله له صلّى الله عليه وسلّم : « إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه اختار منهم بني آدم » ، الحديث . قلنا : هو محلّ الخلاف بين العلماء ولكلّ واحد حجّة تقتضي قوله . وقد ذكر الشيخ الأكبر أنّه رأى في بعض وقائعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن هذه المسألة أيّهما أفضل البشر أم الملائكة ؟ فقال له صلّى الله عليه وسلّم الملائكة: أفضل . قال قلت له : يا رسول الله العلماء ينازعونني في هذه المسألة ، فما الذي أحتجّ به عليهم ؟ قال فقال لي صلّى الله عليه وسلّم بقولي في الحديث : « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » . ثمّ إنّهم بعد الخلاف ، الملائكة أفضل والبشر أكمل . ونعني بالبشر ههنا العارفين بالله ، فإنّ العارفين بالله في هذا الميدان أكمل من الملائكة ، فإنّ العارف يتجلّى الله تعالى عليه في ذاته بجميع أسمائه وصفاته التي اقتضاها ظهور الكون على العموم و الإطلاق ، وليس للملك إلاّ اسم واحد تجلّى الله به عليه لا غير ، وليس في جميع الموجودات ، من الملائكة وغيرهم ، أن يتجلّى الله فيهم في ذات واحدة باسمين فأكثر ، ليس إلاّ واحد في كلّ موجود . وذات الآدميّ محيطة بجميع الموجودات ، فإنّ في حقيقة كلّ عارف الإحاطة بجميع الملائكة وبجميع الموجودات من العرش إلى الفرش ، يراها في ذاته كلّها فردا فردا حتّى أنه إذا أراد أن يطالع غيبا في اللوح ينظر إليه في ذاته ويفتّش فيه ، وليس هذا الكمال إلاّ للآدميّ . ولهذا جُعلتْ الخلافة العامّة المطلقة عن الله فيه لأجل هذه الإحاطة . قد رُويَ في الخبر أنّ الملائكة رأت ما أعدّ الله سبحانه وتعالى لبني آدم في الجنّة بما لا يكيّف ولا تحيط به العقول ولا تنتهي إليه الأفكار قالوا : ربّنا اجعل لنا قسطا ممّا جعلته لهم ، فأجابهم ربّنا سبحانه وتعالى بقوله : لا أجعل ذريّةَ مَن خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان ، فسكتوا وأيسوا ، ما عدا الروح الأعظم ، فإنّه خارج عن هذه القاعدة . والعلماء الذين يقولون إنّه صلّى الله عليه وسلّم رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى البشر والجنّ يشيرون إلى هذا ، ، فإنّ الروح الأعظم هو الذي يسمع كلام الربّ سبحانه وتعالى ، ويتلقّى عنه الأمر والنهي ويلقيه إلى الملائكة ، فهو الواسطة بين الله وبين الملائكة ، فليس لملك أن يتلقّى الأمر من الله ، إلاّ من الروح الأعظم . فبهذا الاعتبار كان رسولا إلى الملائكة . وقد قلنا إنّ الروح الأعظم مظهر من مظاهر الحقيقة المحمّديّة ، وهي باطنه صلّى الله عليه وسلّم ، وهو واحد من مائة ألف ذات وأربعة وعشرين ألف ذات .
إنتهى الحديث . وفي حديث آخر ، يعني حديثا قدسيّا : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا... الخ » . التقرّب هنا من الله للعبد هو من علم الكناية التي عبّرت بها الرسل عن الله تعالى ، وذِكْر التقرّب والهرولة كلاهما مستحيلا على الله تعالى ، والمراد بها ههنا ، يعني « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ، وله مطلبان ، المطلب الأوّل : في مقام الشريعة ، والثاني : في مرتبة السلوك والحقيقة . ففي الشريعة من تقرّب إليّ بيسير من أعماله أعطيته ضعفها أضعافا مضاعفة من الثواب ، كقوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ، وكقوله في الإنفاق في الجهاد : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ، أخبر هناك أنّ الحسنة بسبعمائة أمثالها ، وهكذا . فهذا معنى « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » . « وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا » . ومعنى الباع فيه خطوتان في كلّ خطوة ذراع ونصف ، وقلنا الشبر هو إشارة إلى أقلّ قليل من العمل يتقرّب به العبد إلى الله تعالى فيعطيه ضعفه أضعافا مضاعفة ، وهو معنى الذراع ، كما ورد في الخبر أنّ اللفظة الواحدة من الذكر يعطي الله عليها بكلّ حرف عشر حسنات ، وهكذا على طوله وامتداده والقلّة والكثرة ، وهذا لعامّة الناس فقط . و أمّا أهل التخصيص فلا يعرف قدرهم ، أيّ ما يعطيهم من الثواب ، حتّى أنّ الواحد من أهل التخصيص إذا نطق بالكلمة الواحدة منهم عدلت أعمال الثقلين ، وهكذا ، وهذا معنى الباع ، كلّما تقرّب العبد إلى الله تعالى بالعمل ضاعف له أضعافا مضاعفة ، ومثاله في كلمة الإخلاص : لا إله إلاّ الله ، فإنّها خمسة عشر حرفا ، وإذا ذكرها مثلا ألف مرّة كان ثوابها مائة ألف وخمسين ألف حسنة . فهذا معنى الذراع والباع . وفي الصلاة صلّى الله عليه وسلّم كقوله : اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد ، تحسب حروفها بكلّ حرف عشر حسنات ، ووراء ذلك أو كل ملك في الكون يصلّي عليه عشر مرّات ، وصلاة الملك ليست كصلاة الإنسان ، فإنّ كلّ حرف في صلاة الملك بمائة حسنة ، والحسنة من الملك ليست كالحسنة من الآدميّ ، فإنّ حسنة الآدميّ منها كالحبوب وكالأواقي وكالأرطال وكالقناطير وكالجبال على قدر قلوبهم ، فالعدد واحد والميزان مفترق ، وحسنات الملك هي على قدر الجبل الذي طوله مسيرة عشرين سنة وعرضه كذلك وعلوّه كذلك ، فإذا كتبت في صلاة الملك مائة بكلّ حرف فليس بحسب ثواب هذا العمل ، لكثرة عدد الملائكة ، فإنّ عددهم لا يحيط به محيط إلاّ الله جلّ جلاله ، فانظر ماذا بلغت الصلاة على الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأذكار ، فلا نسبة بينها وبين الأذكار .
و قوله : « وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » ، يريد إذا استغرق أوقاته في ذكري أعطيته ما لا يحيط به العقول من الثواب ، ولا تنتهي إليه الأفكار ، فإنّه سبحانه وتعالى يقول : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ، قوله صلّى الله عليه وسلّم : هذا حمدان جبل كان يسير عليه صلّى الله عليه وسلّم سيروا « سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون القيامة خفافا » فهذا معنى الهرولة من الله تعالى ، وهو إعطاؤه من الثواب ما لا تطيقه العقولة ، ولا تنتهي إليه الأفكار ، فلا يعلمه إلاّ هو سبحانه وتعالى ، كما قال في الآية : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، وكقوله في الحديث مخبرا عن الله تعالى : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » ، ، فإنّه يعطيه تعالى بلا حدّ ولا حساب ، فهذا معنى الهرولة في حقّه سبحانه وتعالى .
وأمّا مطلب الحقيقة والسلوك ، فإنّ حدّها هو الرجوع إلى الله تعالى من طبائع النفوس ، فإنّ العبد خلق مطبوعا على الإدبار عن الله والاشتغال عنه باشتغاله بمقتضيات طبعه وهواه ، والشرع أوجب الرجوع إلى الله تعالى ممّا هو فيه على حدّ قوله سبحانه و تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، يعني من مقتضيات طبعكم وهواكم ، وكقوله سبحانه وتعالى : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ، والإنابة إلى الشيء هي الرجوع من ضدّه ، والإنابة إلى الله تعالى هي الرجوع عن متابعة النفس والهوى ، فإنّ هذا المسلك هو مسلك جميع الصدّيقين ، فإنّهم سلكوا إلى الله تعالى، بالرجوع من نفوسهم وهواهم إلى الاشتغال بالله تعالى ، و الدؤوب على خدمته والأدب بين يده ، فإنّ العبد أبدا هو بين يدي الله تعالى علِمَ ذلك أم جهله . ومقتضى الحديث على هذا ، « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ، يعني إنْ تقرّب إليّ من متابعة نفسه وهواه بالرجوع إليّ ، تقرّبت إليه ذراعا ، وتقرُّبُ الله للعبد في هذه المرتبة هو إعطاؤه قسطا من مناسبة الحضرة الإلهيّة ، فإنّ نسبة الحضرة الإلهيّة نسيان جميع الأكوان وذهابه من عقل الإنسان لبروز ما هناك من العلوم والمعارف والأسرار التي لا تذكر ولا تعرف ، والعجائب التي تعجز العقول عن ذكرها . فإنِ الإنسان ألقي في الحضرة ذهبت عنه نسب جميع الأكوان ، وهو غاية القرب من الله تعالى وغاية قرب الربّ من عبده ، ومحطّ الإنسان هو في غاية البعد عن الله تعالى لاشتباك حقائق الوجود في عقله ، وتعلّق شهواته بها تمتّعا وتلذّذا واكتسابا ، فلهذا بعدت نسبته للحضرة الإلهيّة . فإذا أخذ في التقرّب إلى الله تعالى بمفارقة الأكوان وعدم الاشتغال بها ، إنْ أخذ في ذلك بيسير عن العمل ، فهو معنى الشبر ، تقرّب إليه سبحانه وتعالى ذراعا ، فإنّه يذيقه سبحانه وتعالى من لذة الاشتغال به ، ولذّة إقبال العبد عليه ، ونسيانه في وقتها لجميع الأكوان ، يذيقه في هذا أكثر ممّا تقرّب به ، فهو قسط من مناسبة الحضرة الالهيّة ، والذكر في نفسه ، أيّ ذكر الله ، هو نسب الحضرة الالهيّة . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه : " الذكر منشور الولاية ومنار الوصلة فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور " ، يريد بجلوسه على بساط الولاية ، فإنّه يقول في الحديث القدسيّ : « أنا جليس من ذكرني » ، وهو معنى القرب .
وقوله : « وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا » ، يريد إذا فارق كثيرا من مقتضيات طبعه ، عملا بما يناسب الحضرة الإلهيّة من الأذكار ، والعبادة ، تقرّب الله إليه باعا ، والباع هو ما يظهره الله سبحانه وتعالى للذاكر من المؤانسة في نومه أو يقظته ، وربّما أظهر له خرق العادة حتّى يشاهد الأنوار طالعة ونازلة ، ثمّ ينتهي بها حتّى يراها تحوم حول قلبه داخلة في صدره ، ثمّ ينتهي إلى أن يراها حلّت في قلبه وجالت فيه . فإذا وقعت فيه هكذا أكسبته من العلوم أمرا عظيما حتّى يعبّر عمّا يعجز عنه أهل الدراسة ، ولا يعلم من أين دخلت عليه تلك العلوم لأنّها تنصبّ في قلبه بالوضع الإلهيّ ، فهو معنى التقرّب بالباع . ثمّ ينتقل بعدها إلى أنواع من خوارق العادات بدوام مخالفته لهواه وطبعه ، كالمشي على الماء ، والمشي في الهواء وهو أعلى ، وتكثير القليل ، ونبع المياه في الأرض حيث أراها بلا سبب ، وتكوين الدراهم والأموال والأرزاق إذا احتاج إليها بلا سبب ، وكعلمه بالغيبيات قبل أن تكون ، وهو معنى التقرّب بالباع من الله تعالى للعبد .
وقوله : « إن أتاني يمشي أتيته هرولة » ، المشي ههنا هو وقوع العبد في آخر مراتب السلوك ، فإنّه في البداية كان مقيّدا بمقتضيات طبعه فلا يقدر على المشي ، لكن يترك من مقتضيات طبعه أمورا قلائل ، ثمّ إذا دام عليها ، سهل عليه ترك ما بعدها من مقتضيات الهوى ، فبدايتها هو القرب بالشبر بعدما يترك منها كثيرا ، بعد ترك القليل هو التقرّب بالذراع ، فإن دام أمدّه الله تعالى بالقوّة الإلهيّة حتّى يترك جميع مقتضيات طبعه حتّى يبلغ إلى حالة أن يرى نفسه قد انسلخت عنه بجميع هواها ، وينظر في روحه فيراها تخلّصت من جميع تباعات الهوى ، فحينئذ يكمل سيره إلى الله تعالى بكليّته سيرا لا يثبّطه فيه شيء من متابعة الهوى ، وأقبل على الله إقبالا كليّا حيث لم تبق فيه بقية لغيره ، فحينئذ يرفع الله عنه الحجب ، ويدخله حضرة القدس ، فيكون من الصدّيقين . فهذا معنى الهرولة من الله تعالى ، وهذا كلّه كناية في العلم الإلهيّ الذي تعلّمه الرسل عليهم الصلاة والسلام دون غيرهم ، وبالله التوفيق .
إنتهى ما أملاه رضي الله عنه .


الصفحة الثانية >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس