نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثاني - الصفحة الثالثة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثانـي > الصفحة الثالثـة


في الأحاديث النبويّة وعلومه الاختصاصيّة المصطفويّة - الصفحة الثالثة .
قوله : « وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » ، هذه إحدى المسائل التي هي من الصفات السمعيّة التي تستحيل ظواهرها على الحقّ ، وهي التردّد عن نفس المؤمن ، هل يقبضها أم لا ، والأسف في قوله تعالى : فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، والعجب في قوله صلّى الله عليه وسلّم : « عجب ربّك من قوم يُقادون إلى الجنّة بالسلاسل » ، وبقوله في الحديث : « يعجب ربّك من شاب ليست له صبوة » ، وكذلك النظر الوارد في بعض الأحاديث ، حيث يقول صلّى الله عليه وسلّم : « إذا قال العبد لا اله إلاّ الله فتق اللهالسموات حتّى ينظر إلى قائلها » الحديث ، ويقول محمّد بن الحنفيّة رضي الله عنه : إنّ لله في خلقه في كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة ، ولم يقلها إلاّ من الحديث لا من تلقاء نفسه ، فإنّه لا يقدر على ذلك ، وبقوله في الحديث « إنّ إسرافيل جاءه يوما قال له قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم قال له صلّى الله عليه وسلّم ما ثواب من قال هذه الكلمات قال له إسرافيل من قالها مرّة واحدة كتب له ستّ خصال أوّلها كتب من الذاكرين الله كثيرا وكانت له غرسا في الجنّة وتحاتت عنه ذنوبه كالورق اليابس عن الشجرة ونظر الله إليه ومن نظر الله إليه لم يعذّبه وكانت أفضل من ذكره بالليل والنهار » ، قلنا ، وجه الشاهد في هذا أنّ نظر الله إليه ومن نظر إليه لم يعذّبه ، ونظر الله دائما إلى الموجودات في كلّ فرد فرد ، وهذا النظر هو نظر خاصّ غير النظر المتقدّم ، يقول أهل الحقائق : النظر الأصلي هو عين الصفة ، يقولون : إنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وهذا النظر المذكور في الحديث هو بعين الإضافة لا بعين الصفة ، وكقوله سبحانه وتعالى في الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا إلى قوله : وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فإنّ هذا النظر ليس هو عين الصفة ، وإنّما هو عين الإضافة ، وكذا الضحك وارد في حقّه سبحانه وتعالى في قوله في الحديث الطويل للأعرابيّ الذي كان يسأله فأخبره عن شدّة القحط والجدب ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « يشرف عليهم أزلين يظلّ يضحك » ، يعني من قنوطهم ، « يعلم أنّ خيره قريب » ، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الآخر ، في الرجل الذي هو آخر من يخرج من النار جهينة أو هنا . ويقول في الحديث : « يستغيث الرجل من النار في آخر أمره يقول ربّ قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فأخرجني من النار برحمتك فيقول الربّ تعالى أرأيت إن أخرجتك منها أتسأل غيرها فيقول لا فيطلبه ربّه بالعهود والمواثيق أن لا يسأل غير الخروج من النار فإذا أخرجه منها وأجلسه قريبا منها يشتكى إلى الله ضررها و حرّها فيقول ربّ أبعدني عنها فيقول الربّ سبحانه وتعالى ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الخروج منها فيعتذر بضررها بقربها فيقول الربّ سبحانه وتعالى أرأيت إن أبعدتك عنها أتسأل غير ذلك فيقول لا أسأل فيطلبه ربّه بإعطاء العهود والمواثيق أن لا يسأل غير البعد عنها فيبعده الله عنها بحيث أن لا يراها ولا يسمعها ولا يشمّ ريحها ، فتكون الجنّة بادية له من بعد فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول ربّ قرّبني من الجنّة فيقول الربّ جلّ جلاله ألم تعط عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير البعد عن النار ، فيقول أي ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يقول الربّ أرأيت إن قرّبتك من الجنّة أتسأل غيرها فيقول لا فيأخذ عليه العهود والمواثيق فيقرّبه الله إلى الجنّة فإذا نظر إليها واتّضح إليه أمرها وشمّ روائحها سكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ قال ربّ قرّبني إلى باب الجنّة فيقول الربّ جلّ جلاله ويحك ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير القرب منها فيقول أي ربّي لا أكون أشقى خلقك فيقرّبه الله إلى باب الجنّة فيرى أهل الجنّة وما هم فيه يرى ذلك تحقيقا فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول ربّي أدخلني الجنّة فيقول الربّ سبحانه وتعالى ويحك ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير القرب من بابها فيقول ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يدخله الجنّة فإذا رأى الخلق يتنعمون في أملاكهم ولا نصيب له فيها أخذه ما يأخذ أمثاله من التضرّر برؤية ذلك حيث يقول يا ربّ أرزقني منها شيئا فيقول ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير الدخول إليها فيقول ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ سبحانه وتعالى ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يقول له الربّ سبحانه وتعالى ما تريد منها فيذكر له ما يريد من تمتّع أمثاله فيقول له سبحانه وتعالى تمنّ فيها ما تريد فلا يزال يتمنّى حتّى تنقطع به الأماني ثمّ يقول هذا غاية ما أتمنّى فيقول له سبحانه وتعالى لك هذا وعشرة أمثاله فلا يطمئنّ قلبه لذلك فيقول أتهزأ بي وأنت الملك فيضحك الله منه ثمّ يظهر ذلك كلّه ويقول له هذا الذي تمنّيت وعشرة أمثاله » . ووجه الشاهد في هذا هو الضحك منه سبحانه وتعالى ، وبقوله في الخبر : في الجنّة التجلّي حيث يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا ، وظواهر هذه كلّها مستحيلة على الله تعالى وإنّما هي من الكناية الالهيّة ، وكذلك الغضب والسخط ، وكذلك المحبّة منه سبحانه وتعالى ، الذي يستحيل ظاهرها على الله تعالى ، وإنّما هي عبارات تنبئ عن أمور مكتومة في جانب الحقّ سبحانه وتعالى لا تعرف ، ليس فيها إلاّ التسليم لما يسمع . وافترق الناس فيها على فِرَقٍ ، فطائفة خاضوها بالتأويل بعد صرف ظواهرها عن الله تعالى ، وطائفة من أهل العلم أحالوا ظواهرها وفوّضوا أمرها إلى الله تعالى وسلّموا الأمر إلى الله تعالى في حقائقها فلم يخوضوا فيها بشيء ، وبعض أهل العلم تكلّموا في حقائقها ، ولكن بإشارة دون تصريح . قال العارفون بالله : من دخل منهم أرض السمسمة انكشفت لهم حقائق تلك الصفات المشكلة ، ونظروها عيانا ، فلم يبق لهم إشكال بعدها ، لكن لم يتكلّموا بها ، لأنّ تلك الأرض من جبلها ارتفع التلبيس عن جميع الإشكالات في أيّ علم كان .
ثمّ نرجع إلى الكلام على الصفات ، أمّا التردّد الذي ذكر في الحديث فإنّ ظاهره مستحيل على الله تعالى لأنّ التردّد يوهم أنّ الله عند قبض نفس المؤمن يتردّد بالجزم بقبض روحه لتعلّق مشيئته ونفوذ حكمه وبين ترْكه للقبض كراهة لمساءة عبده ، فإنّ هذا لا يتأتّى في حقّ الحقّ سبحانه وتعالى لأنّه نفذ حكمه ونفذ قضاؤه بأنّ كلّ نفس ذائقة للموت ، وأنّ أجل الحيّ الذي يقبض فيه معيّن عند الله في سابق العلم ، يستحيل تقدّمه أو تأخّره عن الوقت الذي عيّنه في سابق العلم لاستحالة تخلّف مطلوب العلم الإلهيّ ، فإذا كان الأمر هكذا ، فكيف يصحّ منه التردّد سبحانه وتعالى . والحديث ثابت صحيح ، وهو من إطلاق الكناية الإلهيّة ، فإنّها يعبّر بها عن أمر ليس هو ظاهر لفظه ، وتحقيقه أنّه أخبرنا سبحانه وتعالى أنّ هذا أمر موجب للتردّد لو كان من غيره . فإنّا نقدّر لو كان الواحد منّا معشر البشر ، لو كان له حبيب في غاية ما يكون من المحبّة عنده، حتّى أنّه لا يصبر على مفارقته حتّى لحظة واحدة ، ثمّ إنّه ظهر له في علمه أنّ محبوبه الذي يحبّه لا يصل إلى ما يرومه من الخيرات العظيمة إلاّ بقتله له وإلاّ بقي محروما منها إلى الأبد ، فيبقى هذا البشر متردّدا ، إن قتل محبوبه كان من أصعب الأمور عليه لكونه محبوبه يكره ذلك ، وإنْ تركه بلا قتل بقي محروما من الخيرات ، فهو يتردّد في ذلك لأجل هذا في القتل وعدمه ، فإنّ قتْلَ محبوبِه أصعب الأمور عليه وعلى محبوبه ، وحرمانه من الخير الدائم أصعب وأصعب ، فهو يتردّد لأجل هذا ، وقد حتّم الأمر أنّه إن لم يقتله لم يصل إلى شيء وبقي محروما . كأنّه يقول : لو كان هذا منكم لتردّدتم فيه غاية التردّد ، ولم تجزموا بشيء . فهذا غاية ما في هذه الصفة ، وهو التردّد المذكور في الحديث عن الحقّ سبحانه وتعالى .
وأمّا الضحك ، فحقيقته معروفة في حقّ البشر ، وتلك الحالة مستحيلة على ذات الحقّ سبحانه وتعالى لأنّه انتقال من حال إلى حال ، ولأنّه كان ساكنا أو ساكتا قبل الضحك وفي حالة الضحك وقع به حال نقله عمّا كان عليه من السكون أو السكوت وانتقل إلى الضحك ، وحالة الضحك غير الحالة الأولى ، يعلم هذا كلّ أحد بالضرورة . لكن الضحك المعهود في حقّ البشر مستحيل على الله تعالى ، لا يتأتّى في ذاته العليّة ، إلاّ أنّ هناك أمرا يلزم معرفته، والتنبيه عليه لذوي الألباب . إنّ المخاطب في البشر لرجل عظيم الشأن والسلطان ، ضخم المملكة عظيم الخزائن من الأموال ، شديد السطوة والصولة ، فلا شك أنّ من كان بهذه المثابة ترتّعب النفوس منه عند رؤيته ، فمخاطبه يخاطبه ، وجليسه يخاطبه ، وهو في غاية ما يكون من الوجل والخوف والذعر والهيبة ، فإذا رآه ضحك له لأجل فرح ذلك المخاطب وتأنّس ، وزال خوفه وذعره لأجل ضحك الملك الذي ضحك له وخاطبه ، فالضحك من ذوي الهيبة والسلطان الشديد السطوة مؤنس لجليسه مفرح له . فإذا عرفت هذا فالربّ سبحانه وتعالى عظيم العظمة والكبرياء ، عظيم العزّ والغنى عن العالمين ، عظيم العلوّ والجلال ، ما عاين أحد جلاله إلاّ نسي نفسه وتلف عنه وجود لعظمة الجلال والكبرياء ، فلا شكّ أنّ في هذا الميدان من حلّ بين يديه يخاطبه كان في غاية الدهش والذعر والتلف عن نفسه أشدّ من الرجل الذي وضع لضرب عنقه خوفا من سطوته وجلاله . كما ورد في الحديث ، أنّ الله إذا أوقف العبد بين يديه يعرض عليه أعماله عرق من الهيبة، حتّى لو ورد عرقه سبعون جملا عطشا لأرواهم عرقه . هذا السعيد . فإذا كان الحقّ سبحانه تعالى هذا وصْفه ، فمن ضحك له سبحانه وتعالى بنفس ما يرى الضحك أخبره في ضحكه أنّ الله أنجاه من جميع موجبات الخوف ، بشّره في ضحكه أنّه من الفائزين بخيراته ورضاه . فالضحك منه سبحانه وتعالى أُنس لمخاطبه ، وأمان من عذابه ، وبشارة له بالفوز بخيراته ، فهذا هو الضحك منه سبحانه وتعالى ، ثمّ قرّروه بعبارات غير موفيّة بالمقصود ، والتحقيق فيها أنّه لله سبحانه وتعالى صفة من صفات كمالاته الذاتية كالمجد والكرم والعفو ، وكذا الضحك ، ثمّ إنّه ضرب الحجب دون صفة الضحك سبحانه وتعالى وقلنا هي صفة من صفات كمالاته لائقة بجلال عظمته وكبريائه ، جعلها محجوبة عن خلقه ، لا يظهرها لهم . فمن رضي عنه سبحانه وتعالى رفع له الحجب عن تلك الصفة الكاملة وأظهرها له فبنفس ما يراها الناظر يمتلئ فرحا وسرورا ، ويذهب عنه الخوف والوجل ، فهذا هو اللائق بصفة الضحك منه سبحانه وتعالى لا الصفة المعهودة في حقّ البشر . ولهذا قال في الخبر في جنّة التجلّي ، حيث تجلّى لأوليائه ، قال : يتجلّى فيها ضاحكا ليؤنس أوليائه ويفرحهم ، ويذهب عنهم جميع الروع من سطوة العظمة والكبرياء . ولذا قال الشيخ الكامل مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : من ألِف البهاء من الله تعالى لم يطالع إلاّ صفات الجمال من الحقّ تعالى ، لا يثبت لبدوّ العظمة والكبرياء . إنتهى . ومعنى لا يثبت لبدوّ العظمة والكبرياء ، معناه أنّه لا يثبت لها إلاّ الأكابر من الرجال لا العارفون ، فإنّ أكملهم ، وهو القطب الكامل ، لا تتجلّى له حقيقة الكبرياء إلاّ بعد بلوغه للرتبة العليا من القطبانيّة ، وذلك المقام يسمّونه ختم المقامات ، ولم يرتقه من الأقطاب إلاّ قليل لبُعد مراده ، فإذا ارتقاه القطب ووصله ، هناك يتجلّى بالكبرياء الذاتيّ ، ولا يزال مرتقيا فيها إلى الأبد ، ولو تجلّى بذلك الكبرياء بمقدار ذرّة منه لجميع العارفين والصدّيقين لصاروا هباء منثورا في أسرع من طرفة العين ، ولا يقدر عليه إلاّ القطب الفرد الجامع ، لكن بعد بلوغه مقام الختم ، وقبل بلوغه لا قدرة له عليه . قال عليّ كرّم الله وجهه : المعرفة كشف سبحات الجلال ، وغايتها الدهش في كبرياء الله . أراد بـ" غايتها " مقام الختم في القطبانيّة ، فهو غاية الغايات . إنتهى .
وأمّا العجب في حقّه سبحانه وتعالى ، فقد ورد في الخبر بقوله صلّى الله عليه وسلّم : « عجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل » ، وحقيقة العجب في نفسه إنّ المتعجّب يتعجّب من الشيء لغرابته وخفاء أسبابه ، كخرق العوائد الذي يقع للأولياء ، والحقّ سبحانه وتعالى لا غرابة له في فعله ولا عجب عنده ، إذ لا تخفى عليه أسباب الأشياء ، فإنّ أسباب الأشياء الواقعة كلّها هو القضاء والقدر ، والقضاء والقدر بيده ، فمنه منشؤه واليه مرجعه ، إلاّ أنّ القضاء والقدر يقعان في كلّ واقع في الكون ، فالقضاء هو صدور الحكم بوقوع الشيء ، وهو بارز عن صفتين : تعلّق المشيئة ، وبروز الكلمة بقوله : كن ، فهذا هو القضاء ، وتعلّقه قديم أزليّ ، لا في المشيئة ولا في الكلمة . وأمّا القدر فبروز الشيء الذي نفذ بالمشيئة والكلمة ، برز بالقدرة . فكيف يتعجّب من شيء وهو محيط به علما وليس عليه سبب من الأسباب ؟ وليس فيه إلاّ إخبارنا بأنّ ذلك عجب لأنّا نتعجب منه لانتقاص صورته المعروفة المعلومة عندنا ، وبيان ذلك أنّ الجنّة واضحة البيان باستقراء أخبارها في الكتب المنزلة وأخبار الرسل صارت بحيث أن لا يجهل أمرها لا عامّ ولا خاصّ ، وكلّ بني آدم يحبّ السير إليها والتمتّع بها لما احتوت عليه من كمال الشهوات جميعها . ثمّ إنّه أخبرنا أنّ قوما يساقون إليها بالسلاسل ، يعني أنّهم فارّون منها ، وهم يقادون إليها بالسلاسل قهرا ، فهذا غاية العجب . والمراد بهذه الطائفة ، التي عجب منها ربّنا، هم أصحاب المصائب والبلايا في الدنيا ، فإنّ البلايا والمصائب تطهّرهم من جميع الذنوب بالمغفرة ، فإنّ العوائق التي تعوق العبد عن الجنّة هي الذنوب ، ولولا ذنوبه لقام من قبره إلى قصره ، والبلايا والمصائب تمحق جميع ذنوب العبد ، وتعطيه من الثواب ما لا يعرف له قدر و لا كيفيّة . قال سبحانه وتعالى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وصاحب البلايا والمحن يريد الجنّة بغير تشويش ولا تعويق ، ومقتضى الأمر في هذا أن يكون العبد هو الذي يطلب البلايا والمحن لما ذكرنا فيها ، فكيف يفرّ منها إذا وردت عليه ؟ فهذا غاية العجب .
وأمّا النظر منه سبحانه وتعالى الوارد في قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي هو : « سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله... » الخ ، قال في فضله : « ونظر الله إليه ومن نظر الله إليه لم يعذّبه » ، وحقيقة النظر ههنا ليس هي صفة البصر ، فإنّ تلك الصفة قال فيها لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، المراد بالنظر ههنا هو النظر الخاصّ بحكم العناية والمحبّة . قال محمّد بن عليّ بن الحنفيّة رضي الله عنه : إنّ لله في خلقه في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة ، والمراد بهذه النظرات هي فيوض الرحمة الإلهيّة التي يفيضها على خلقه من سوابغ فضله فيصيب بها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء ، فهذا هو النظر ، والمراد به نظر العناية والمحبّة لمن شاء من عبيده ، فمن أصابته نظرة من هذه النظرات فقد سعد ، فهذا هو النظر . وكقوله في الحديث الآخر : « ما قال عبد لا إله إلاّ الله إلاّ فتق الله السموات حتّى ينظر إلى قائلها » ، فهذا هو الحديث ، وتعالى الله أن تحجبه السموات عن النظر إلى العبد ، وإنّما هذا النظر هو فيض الرحمة الإلهيّة على العبد ، وهو رحمة خاصّة من عنده لخواصّ عباده تخرق السموات وتنزل إلى صاحبها ثمّ يدّخر له ثوابها . والنظر ههنا قلنا هو نظر الرحمة والعناية لا نظر الصفة ، فإنّ بصر الحقّ سبحانه وتعالى كلّ الخلائق منكشفة لبصره لا يخفى عليه شيء ، وهذا النظر الذي قلنا وفسّرنا به الحديث هو المنفيّ في الآية بقوله سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ إلى قوله : وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الآيـة . والنظر ههنا نعني به هنا نظر رحمة منه سبحانه رفعه عن هذه الطائفة المذكورة في الآية ، فلا ينظر إليهم نظر الرحمة ، كنّى بذلك عن شدّة غضبه وشدّة عقابه بقوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . لكن نفيَنا نظر الرحمة يعارضنا قوله سبحانه : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فتلك الرحمة العامّة هي للمعذّب وغيره حتّى لأهل النار ، وهذه الرحمة الخاصّة التي ينظر بها لخلقه فهي المقيّدة بقوله : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الآية ، فإنّ صاحب هذه النظرة لا يناله عذاب من النار ، ولا تفضح مساويه في موقف القيامة ، بل يكون من الطائفة الذين إذا عرض أعمالهم عليهم استحيا العبد من ذلك يقول له سبحانه وتعالى : أنا سترتها عليك في الدنيا فلا أؤاخذك بها اليوم ، إذهب فقد غفرت لك . أو كما يقول ممّا هذا معناه . فهؤلاء هم الذين نظر الله إليهم في الدنيا بنظر الرحمة والمحبّة والعناية ، جعلنا الله منهم جميعا بمحض فضله وكرمه . فهذا هو النظر المذكور في الحديث . وقد قال في حديث التسبيح : « ومن نظر الله اليه لم يعذّبه » . اهـ .
ورد في الحديث ، قال عليه الصلاة والسلام : « ما من قلب إلاّ وهو بين إصبعيْن من أصابع الرحمن يقلّبه كيف يشاء » ، والكلام ههنا على الإصبع وعلى اسم الرحمن ، فالرحمن هو من أسماء المرتبة ، وهي مرتبة الألوهيّة ، ليس من أسماء الذات كالعظيم والكبير والجليل ، فإنّ أسماء الذات لا تعلّق بها للخلق ، وأسماء المرتبة كلّها متعلّقة بالمخلوقات لأنّ الألوهيّة اقتضت وجود المخلوقات من غير حاجة بالإله لهم ، وإنّما المخلوقات اقتضاهم كمال الألوهيّة لكونهم أبدا يعبدون الله تعالى ويسجدون له ويسبّحونه ، وهي مرتبة الألوهيّة . فالألوهيّة هي مرتبة الإله المعبود بحقّ ، ومن أكبرها اسمه الرحمن ، فإنّه محيط بجميع أسماء الوجود . وفي الحديث : « إنمّا قام الوجود كلّه بأسماء الله تعالى الظاهرة والباطنة » ، وجميع الأسماء التي يطلبها الكون بتمامها وكمالها داخلة تحت حيطة اسمه الرحمن لأنّ هذا الاسم منه الفيض على جميع الوجود ، وبهذه الحيثيّة قارب الاسم الأعظم إلاّ أنه ليس هو ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « بسم الله الرحمن الرحيم ما بينها وبين الاسم الأكبر إلاّ كما بين بياض العين وسوادها » . قلنا ، فالرحمن هو من أكبر أسماء الألوهيّة لكون أسماء الوجود كلّها تحت حيطته ، فليس شيء في الوجود يخرج عن حيطة الرحمة الإلهيّة ، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، ولهذا الأمر وقع الاستواء بهذا الاسم على العرش ، لقوله تعالى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، كما أنّه سبحانه وتعالى استوى على حقيقة الإنسان باسمه الله ، فكان الإنسان هو عرش الله لاستوائه باسمه الله ، وليس في الوجود موجود يستوي عليه سبحانه وتعالى بهذا الاسم الشريف إلاّ هذا الانسان ، وهو الذي أطاق حمله ، وليس في الوجود من يطيق حمل التجلّي بهذا الاسم إلاّ الإنسان . كما أنّه سبحانه وتعالى استوى على الحقيقة المحمّديّة بالاسم الأعظم الكبير الذي لا تعرف له كيفيّة ولا يطيق حمله في ذلك إلاّ هو صلّى الله عليه وسلّم ، فهو محلّ استوائه صلّى الله عليه وسلّم . قلنا ، الرحمن هو محيط بكليّات الوجود ، و به استوى على العرش لأنّ في العرش نسب جميع الموجودات ، فلذا استوى عليه باسمه الرحمن ، ونسبة العرش بين الموجودات ، لشرفه ، كنسبة القطب بين العالم . وقد ورد أنّ العرش سأل الله تعالى ، قال : يا ربّ لماذا خلقتني ؟ قال الله سبحانه وتعالى : لتقي عبادي من نور الحجب . اهـ .
وأمّا معنى الإصبع ، فهو في اللغة جزء من أجزاء اليد ، نؤمن أنّ لله أصابع ، لكن نقول أنّ الأصابع هي متعلّقات المشيئة ، فالمشيئة بمنزلة اليد ومتعلّقاتها بمنزلة الأصابع ، وكذا القدرة بمنزلة اليد ومتعلّقاتها بمنزلة الأصابع . والتثنية في الأصابع ، حيث يقول : « بين أصبعين من أصابع الرحمن » ، معناه أنّ كلّ قلب هو مقام بين أمرين إلهيّيْن ، أمرٌ من متعلّقات المشيئة وأمر من متعلّقات القدرة ، فكلّ قلب حينئذ بين أمرين ، أمر ممّا اقتضته المشيئة الإلهيّة وأمر ممّا اقتضته القدرة الإلهيّة ، هذا معنى الأصابع في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام .
قال : « لا تزال النار تقول هل من مزيد حتّى يضع الجبّار فيها قدمه فتقول قَطٍ قَطٍ » ، بمعنى حسبي حسبي امتلأتُ . ولهذا الحديث معنيان كلاهما صحيحان ، المعنى الأوّل أنّ القدم ههنا هي المخلوقات التي يخلقها سبحانه وتعالى بعد استقرار الخلائق في الجنّة والنار يوم القيامة ، يخلق خلقا يملأ بهم الجنّة فهو القدم الأوّل ، والقدم الثاني يخلق خلقا يملأ بهم النار يوم القيامة حتّى تقول قط قط حسبي حسبي ، هؤلاء أقدام الجبّار ، يعني هُمْ آخر خلق يخلقهم ، لذا استعير لهم لفظ القدم لأنّهم آخر خلق يخلقهم الله ، فلا خلق بعدهم أبدا ، فهذا المعنى الأوّل . وأمّا المعنى الثاني فالقدم مستعار لها من اسمه الجبّار ، وهو القهر والسطوة والجبر ، والمراد به هنا لا تزال بقوّة صولتها على الحقّ ، وبقوّة إحراقها وعذابها ، حتّى يضع الجبّار فيها قدمه ، معناه يتجلّى عليها باسمه الجبّار فيدكّها دكّا من هيبة الجلال فتخضع وتذلّ وتقول : قط قط ، وبهذه السطوة ينقضي عذابها .
وأمّا الفرح الوارد في الحديث في حقّه سبحانه وتعالى فحقيقته كحقيقة الضحك ، لأنّ الضحك صفة محجوبة إذا أراد الضحك سبحانه وتعالى رفع الحجب عن تلك الصفة ، فبنفس ما يراها المتجلّى عليه يعلم إفاضة خيره عليه والأمن من عذابه ، وكذا الفرح عند التوبة ، فلو رآها التائب لأيقن بجميع وجود الخيرات والأمن من جميع عذابه بحسب وعده الصادق أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . و لا يصعب عليك احتجاب الصفات ، فإنّ الربّ سبحانه وتعالى جعل الحجب دون صفاته كلّها ، فاذا رفع الحجاب عن صفة من صفاته حجب غيرها من الصفات ، فإنّه إذا تجلّى بصفة الرحمة الإلهيّة على العبد ، غطّى عليه صفة الانتقام والقهر ، وضرب الحجب دونها لما فيها من الانزعاج والخوف ، وهكذا عكسه ، وهكذا جميع الصفات كلّما تجلّى بصفة من صفاته ضرب الحجب دون الصفات الأخرى ، فلا يتجلّى بجميع صفاته التي اتّصفت بها ذاته في الآن الواحد ، فلا يتأتّى ، متى تجلّى بصفة من صفاته غطّى غيرها من الصفات ، وكذلك من طلع الترقّي من الرجال في كلّ مقدار طرفة عين يكشف له عن صفاته وأسمائه ما لا حدّ له ولا غاية ، والباقي في حجاب ، وهكذا في عمر الآخرة الأبدي يرفع له الحجب عن صفاته وأسمائه والباقية محجوبة ، وهكذا فما في الوجود كلّه مخلوق يطيق حمل تجلّيه بجميع صفاته وأسمائه في الآن الواحد ، فلا يطيقها مخلوق أصلا ، فإذا عرفت هذا عرفت أنّ صفتيّ الضحك والفرح من الله كانتا محتجبتين بالحجب ، فإذا أراد التجلّي بهما رفع الحجب عنهما وتجلّى بهما الفرح أو الضحك ، والمراد بهما أن يبذل عند التجلّي ، بواحدة منهما ، ما لا حدّ له ولا غاية من الخيرات ، ويمنع من الشرور والمضارّ ما لا حدّ له ولا غاية ، فهذا غاية التجلّي بهما . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . اهـ . من إملائه علينا من حفظه ولفظه والسلام ، وبالله التوفيق .


<< الصفحة الثانية     الصفحة الرابعة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس