وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
. ولتحقيق العصمة للنبيّين عليهم الصلاة السلام وعدم تأتّي المخالفة منهم قال سبحانه وتعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وقال سبحانه وتعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ
إلى غير ذلك . وأمّا ما في قضيّة آدم عليه الصلاة والسلام فهي وإنْ كانت صُورَتُهَا صورة المخالفة ظاهرا فهي مِن أعظم الكرامة له باطنا ، وأوحى إليه فيها مِنْ كمال العلم والمعرفة بالله وبما عليه الحضرة من الشؤون والاعتبارات وبما عليه العبوديّة من الذلّ والمسكنة وإن علمت رتبتها . فأمّا الكرامة فيها فإنّه لمّا سعى إبليس لعنه الله في إيقاع آدم في الذنب ليُطرد عن الله كما طُرِدَ فأبلغ في ذلك غاية جهده فأوقعه الله في المخالفة ليعلم إبليس بشفوف رُتْبَتِهِ عليه ، كأنّه يقول له سبحانه وتعالى بلسان الحال : إنْ كنتَ تروم طَرْدَهُ عن جنابنا وتريد ذلّه بإبعادنا فهيهات ، إنّما هو صَفْوَتُنَا من جميع خليقتنا ولأجله أوجدْنا العوالم كلّها ولولا هو ما خلقناها ولا لنا مُراد في وجودها ، فالعوالم كلّها ، وإنْ ظهر في بعضها شَرَفٌ عليها كالملائكة ، فإنّ الجميع خدّام له ، وإنّما هو جوهرة الأكوان والكون كلّه صَدَفٌ له ، وإنّ السرّ الذي أوْدَعْنَاهُ في حقيقته والكنز المكنوز الذي وضعناه في ضميره لو عصانا
بعصية جميع العوالم ما طردناه ولا أبعدناه ولا أبغضناه ، فإنّما هو بنا لذاتنا على أيّ حالة كان ، أطاع أم عصى ، فإنّه وإنْ وقع منه ما وقع فلا عيب فيه ولنا في ذلك سِرٌّ مصون . ولأجل هذا قال :
فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ
الآية ، ولأجل السرّ المصون المستكن في باطنه الذي فضّله الله به على جميع العوالم حيث وقع منه الذنب وتناءت منه جميع أحوال الجنّة حتّى فرّ منه جميع ثيابه وطارت عنه ، ورأى إحاطة البلاء به ، فما زاغ عن موقف العبوديّة ، بل رجع بالذلّ والاستكانة إلى عظمة الربوبيّة وتصاغر لجلال الله واعتراف بنقص نفسه ، فخاطب ربّه سبحانه وتعالى معترفا بنفسه بقوله :
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
الآية ، ولم يكن مثل عدوّ الله إبليس حيث لم يكن له السرّ المصون لمّا طرَده ربّه من جنابه وحكَم عليه بلعْنه وإبعاده فما ذَلّ ولا استكان لجلال الله وعظمته ، بل رجع اللعين معظّما لنفسه غضبان على ربّه وأظهر كفْره بالله تعالى حيث قال مغاضبا لربّه :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
، وقال أيضا :
فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
الآية ، وهذا غاية الكفر بالله تعالى ، فما في جميع العوالم كلّها مَن خاطب الله تعالى بهذا الخطاب ولا تجاسر عليه أحد بمثل هذا العتاب ، وبروز ذلك ممّا جعله الله تعالى في حقيقته حيث جعله جلّ جلاله مظهر الشرّ والخذلان والطرد واللعن الحرمان ، وجعله إماما متّبَعا لكلّ مَن طرده الله عن بابه وأبعده عن قربه و جنابه ، فكان جوابه ما ذكره الله سبحانه وتعالى بقوله :
اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ
. فهذا وجه الكرامة في وقوع ما وقع من آدم عليه الصلاة والسلام .
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
، وهذا النفخ أُعْطِيَ فيه أيضا كمال القوّة الإلهيّة . وأمّا جسده الشريف فاكتسب القوّة أيضا من موضعيْن ، الموضع الأوّل : من التراب ، ثمّ إنّ التراب سمع كلام الباري جلّ جلاله وعزّ كماله حيث قال للسموات والأرض
اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
، والموضع الثاني : من الماء ، ثمّ أنّ الماء سمع كلام الباري جلّ جلاله وعزّ كماله ، وذلك حين أراد خلق السموات والأرض أمَر الله الماء فاضطربت أمواجه ألف حِقْبٍ ، في كلّ حقب ألف قرن ، في كلّ قرن ألف سنة ، في كلّ سنة ألف شهر ، في كلّ شهر ألف يوم ، في كل يوم ألف ساعة ، كلّ ساعة مثل عمر الدنيا سبعين ألف مرّة ، ثمّ اجتمع من اضطرابه في هذه المدّة كُومٌ من الزبد فوق الماء فكان مجموعا في موضع الكعبة اليوم ، ثمّ مدّ سبحانه وتعالى ذلك الزبد على وجه الماء وقلبه ترابا ، وهو الدحو الذي ذَكَرَهُ الله تعالى بقوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
، أيّ بسطها على وجه الماء ، وأثار سبحانه وتعالى من الزبد دخانا فكوّن منها السموات ، فبسماع كلام الله تعالى للماء اكتسب هذه القوّة الإلهيّة ، ودام اضطرابه في المدّة المذكورة فما ضعف وما كَلَّ وما سئم ، فهاتان القوّتان تَرَكَّبَ منهما جسم آدم فكانت له أربع قوّى إلهيّه ، اثنان في روحه واثنان في جسده ، وبهذه القوّى اكتسب عليه الصلاة والسلام الكمالات الإلهيّة ، فحفظ آداب الحضرة الإلهيّة وقوي على حمل أعبائها في موطن النبوّة وفي موطن الخلافة .
مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
أجاب اللعين بقوله معظّما لنفسه ناسيا للأدب مع ربّه :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
، فخرج به من الحضرة الإلهيّة ،
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
إذ كلّ منهما صار بسيرة أصله ، فآدم عليه الصلاة والسلام أصله الطين وهو الماء والتراب ، فالتراب أخْتُصَّ من الله تعالى بأخلاق الكرم حيث ترى عليه شدّة الإذاية من الخلق بما يقذفون عليه من النجاسات وبما يوقعون عليه من الفجور وسوء الأدب مع الله تعالى بالتعظيم لأنفسهم والاستكبار ، وكان مقتضى ذلك من الحكمة أن يرميهم عن ظهره سخطا لجرأتهم على الله تعالى أو يخسف بهم الأرض أو تهتزّ بهم هزّة تهلكهم عن آخرهم ، فلا يقع منه شيء في ذلك ، بل يُنبِت لهم الأرزاق العظيمة والنِّعَم الجسيمة والخيرات الوافرة المواهب المتواترة التي لا يقدر أحد على إحصائها ولم يقابلهم بأفعالهم ، وتلك صفة الكرم . وأمّا الماء فإنّه به حياة العالم وبه أصل وجوده إذ الموجودات التي في هذا العالم السفلِي كلّها تكوّنت من الماء وبه أمدّت حياتها فكان كلّ شيء منها حيّا بالماء ، و به تقوم الخيرات التي في التراب لأنّ الماء والتراب مِن أثر الرحمة الإلهيّة بما ذُكِرَ فيها .
هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
، فنسيتْ الأدب ورجعتْ إلى طلب الإهلاك للخلق بقولها :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
تريد إهلاك الخلق ، فكان جوابها كما في الحديث :
«
لا تزال تقول هل من مزيد هل من مزيد حتّى يضع الجبّار فيها قَدَمَهُ فتقول قَطٍ قَطٍ
»
. واستعار لفْظ القَدَمِ لهذا التجلّي لكونه آخر تجلّي يتجلّى فيه سبحانه وتعالى بسطوة جبروته وقهره ولم يبق بعده إلاّ الرحمة المحضة ، فإنّ النار حينئذ تذلّ وتخضع حيث قابلها بسطوة الجلال ، ووراء هذا من العلم ما لا يَِحِلُّ كشْفه إذ هو من العلم المكتوم الذي لا يتأتّى كشْفه لمن علِمَه . ولمّا كان اللّعِينُ أصله خُلِقَ من هذه البنية وهي النار حيث كانت مسلوبة من الرحمة الإلهيّة إلاّ ذلك النزر القليل فيها كذلك هذا اللعين سلبَه أحكام الأدب مع الله تعالى فرجع لتعظيم نفسه كما هو أصله وهو النار ، فكان جوابه كما خرج جواب النار بقوله له :
اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
الآية ، كذلك فيه نزر قليل من أثَر الرحمة الإلهيّة كما في أصله حيث يحمل الناس على الرجوع إلى باب الله تعالى بالتضرّع والاستكانة بين يديه سبحانه وتعالى ، فإنّ العقلاء وأرباب
البصائر كلّما أحسّوا بشيء من شرّه ووسوسته فزعوا إلى الله تعالى بالتضرّع والابتهال والاستعاذة بالله من شرّه ، وهذا أمْر عظيم في الخير لأنّ الوقوف بباب الله تعالى من أعظم الخيرات ، وكان السبب في ذلك هو اللعين حيث ساقهم إلى باب الله تعالى مِن وجهٍ لا يريده ، كذلك النار ما انتفع بها الخلق من الطبخ والاصطلاء إلاّ مِن وجهٍ لا تريده لأنّ مُرادها في اشتعالها الإهلاك ، فهَيّأَ سبحانه وتعالى سببا لانتفاع الخلق بها وهو الاصطلاء والطبخ ، فهذا الجزء فيها مِن أثر الرحمة وهو يسير جدّا فظهر حينئذ ذلّه وإهانته ولم يبق له تعظيم ، فكان تجلّيهِ بسطوة جبروته وقهره كما وقع بأصله وهو النار .
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ
الآية . ولأجل القوّة الإلهيّة التي أوْدَعَهَا في جميع الذكور فلذلك كانت لجميع الذكور قوّة على تحمّل أعباء الحضرة الإلهيّة ومُقاساة الشدائد ومعاناة الأمور الصعاب والصبر و التحمّل على البلايا في إدراك المطالب والمراتب ، ومقاساة الشدائد أيضا في تحمّل مؤنة النفقات على مَن تحت حُكْمِهِمْ من النساء والصبيان ، ومن ذلك أيضا ترتيب المملكة في الأرض وتحمّل أعبائها وثِقَلِ مؤنتها وملاقاة البأساء والقتال وتجرع المرارات إلى غير ذلك ممّا لا قدرة للنساء عليه . فما في الوجود كلّه إلا الحضرة الإلهيّة في ظاهر الكون وباطنه ، فالكون كلّه حضرة الحقّ ، وأعباء الحضرة الإلهيّة ما ذكرناه من مقاساة الرجال له مع دوام صبرهم على ذلك وعدم السآمة إلى أنْ ينزل الموت بأحدهم ، والنساء في غاية العجز عن مقاساة هذه الأمور ، ولذلك ترى الرجال صامتين ساكتين مع قذفهم في بحور الأخطار لا يصيحون ولا يئنّون ولا يتكلّمون بشيء ، والنساء ترى منهنّ لأقلّ قليل من الهمّ ثوران البكاء والصياح والجزع . فقد عرفتَ الفرق بينهما ، ولذا قال آدم عليه الصلاة والسلام ، لمّا أخبر حوّاء بموت ولده هابيل حين قتله قابيل ، قال لها : مات هابيل ، قالت له : ما معنى مات ؟ قال لها : لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرّك ، أو كما قال لها ، فصاحتْ حينئذ صياحا شديدا لِحَرِّ المصيبة لمّا لم تكن لها قوّةٌ على تحمّلها ، قال لها عليه الصلاة والسلام : عليكِ وعلى بناتك ، وأنا وأولادي منه برآء ، لَِمَا عُلِمَ في الذكوريّة والأنثويّة ما ذكرنا من وجود القوّة وفقدها ، فإنّه علم موت هابيل قبلها فما جزع ولا صاح ولا اضطرب ، فظهرت قوّة الذكوريّة على الأنوثيّة .
وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ،
وقوله سبحانه وتعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
، وقوله :
الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا
، قلنا الجواب عن هذا : إعلم أنّ ما ذكره الله تعالى من الضعف لا ينافي القوّة . ثمّ إنّ الضعف الذي ذَكَرَهُ الله تعالى إنّما طرأ على الجسد ، الذي هو ظاهر الإنسان فقط ، فما ذكر الله سبحانه و تعالى في خلق الإنسان إلا جسده فقط ، ، وما ذَكَرَ خلْق روحِه إلاّ رمز لها بقوله سبحانه وتعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
. وقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ
الآية ، والمراد بذلك جسده لا روحه ، وقوله :
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ
والمراد به الجسد ، وقوله :
فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
الآية ، كلّ ذلك يُراد به الجسد ، فإنّه ، وإنْ كانت له قوّة الماء
والتراب ، فليسا دائميْن لأنّهما ينهدّمان يوم القيامة ، فقوّتهما ليست دائمة ، كذلك جسد الإنسان قوّته التي هي من الماء والتراب ليست دائمة ، ولذا ترى جسد الإنسان يتلاشى في حياته وينتقل في الأطوار والتغيّرات من الصبا إلى الطفولية إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة إلى أرذل العمر ، نعوذ بالله من ذلك ، فإنّ قوّته ليست دائمة كما كانت قوّة الماء والتراب .
وأمّا روحه فإنّها من صفاء صفوة النور الإلهيّ الذي هو خالص الحضرة الإلهيّة ، فلها من القوّة ما لا غاية له فلذا بقيت للأبد لا يدركها الفناء .
وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
، وعِلْمُهُ بهذه الأسماء فَرْعٌ عن الصدّيقيّة ولكن الفرع هنا أعلى من المتفرّع عنه ، والصدّيقيّة لا تكون إلاّ عن أحكام التكليف وأدبه وإنْ كان العقل يجوّزها بدونه ، ولكن الحكمة الظاهرة لا تكون الصدّيقيّة إلاّ عن أحكام التكليف ، والأحكام التكليفيّة لا تكون ناشئة إلاّ عن أخبار النبوّة وأخبار النبوة لا تكون إلاّ من الله لبعض أنبيائه أو من نبيّ لبعض أتباعه ، وسيّدنا آدم ثبت له جميع ما ذُكِرَ من الخلافة والصدّيقيّة وليس قبله نبيّ ، فثبت أنّه نبيّ عليه الصلاة والسلام ، وكذلك قوله عزّ وجلّ :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى
بعد قوله :
اهْبِطُوا
، فإنّ الهداية لا تكون إلاّ من الله لمن أراد أن يكون هاديا مهديّا ، وهذا لا يكون إلاّ نبيّا أو وارث نبيّ ، وسيّدنا آدم لم يَرِثْ نبيّا فثبت أنّه نبيّ عليه الصلاة والسلام .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
، وهذا الفرقان الذي ذكَره الله تعالى هو نور يُمِدُّ به مَن أحبّه مِن خلْقه فيُظْهِرُ لهم بذلك النور صورة الحقّ والباطل ، وأصحاب هذا إذا أدركتهم العناية الإلهيّة مهما نظر في نازلة بحكم الله تعالى تَبَدَّى له في الباطن كِسْوَتُهَا بأنوار عظيمةِ المقدار فيعْلَم من ذلك النور أنّ تلك المسألة واجبة ، وإنْ ظهر لباس النور عليها ضعيفا عَلِمَ أنّها مستحبّة مندوبة ، وإنْ رأى عليها ظلاما متراكما عَلِمَ أنّها محرّمة ، وإنْ رأى عليها ظلاما خفيفا عَلِمَ أنّها مكروهة ، وإنْ لم ير عليها لا أنوار ولا ظلمة عَلِمَ أنّها مباحة ، وهذا لأرباب الكشف بالغيب لا مطمع فيه لغيرهم . فإذا عرفتَ هذا اجتهاده صلّى الله عليه وسلّم في الأمور ليس كاجتهاد غيره صلّى الله عليه وسلّم حيثما أخذ الحكم والأمر من أي أقسام الوحي كان ، من الأقسام التي ذكرناه ، كان آخذا الحكم عن الله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه صلّى الله عليه وسلّم ، فكيف ما حَكَمَ صلّى الله
عليه وسلّم كان هو حُكْمُ الله تعالى لا يتطرف إليه الغلط ولا السهو ولا الضلال بوجه من الوجوه أصلا ، ولذا قال سبحانه وتعالى :
وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا
، فكلّ أحكامه صلّى الله عليه وسلّم وجميع تصرّفاته كلّها بطريق الوحي ليس فيه شيء من مُخامرة الهوى ولا مِن طباع البشريّة التي تخرج عن الحقّ . وكذا غيره من جميع النبيّين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام على هذا المهيع . ثمّ اعلم أنّه صلّى الله عليه وسلّم حيث كَمُلَ خلوصه إلى أوطان القرب والتمكين من حضرة الله تعالى التي لا مطمع فيها لغيره أنّه قائم فيها بتكميل الأدب وتكميل وظائف الخدمة في كلّ ما برز عن الحضرة من الأسرار والتوقّعات والتجلّيات في ظاهر العالم وباطنه وباطن الحضرة الإلهيّة ، فلا يفتر عن ذلك مقدار طرفة عين ولا يقع منه تفريط في تكميل حقّ من حقوق التجلّيات كلّ ما برز من التجلّيات على غاية كثرتها وعدم نهايتها ، يعطيها حقّها من العبوديّة من غير إخلال و لا ضعف ولا تزحزح عن موقف الكمال ، فإنّ أطوار الوجود بكلّ ما تطوّرت من خير أو شر أو دفع أو جلب أو إعطاء أو منع أو تحريك أو تسكين أو تمكين أو تلوين إلى سائر أقسام التطوّرات ممّا يعرفه العامّة في ظواهر الوجود ، وما يتطور في بوطن الوجود من الإرادات والتخيّلات والتوهّمات والخواطر والأفكار ، كلّ ذلك تجلّيات الحقّ سبحانه وتعالى بآثار صفاته وأسمائه ما ثَمَّ غيره سبحانه وتعالى في كلّ ما سمعتَ ، وهو صلّى الله عليه وسلّم في موقف كماله دائما أبدا سرمدا يعطي جميع التجلّيات حقّها ويوفّي آدابها ، وهو في كلّ ذلك لله وبالله ولذا برّأه الله من الهوى بقوله جلّ عُلاه :
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
، وليس من الوحي عند أرباب الظواهر إلاّ مجيء الملك من عند الله بالخبر للنبيّين عليهم الصلاة والسلام ، ما يعلمون من الوحي غير هذا ، فلذلك تخبّطوا في معاني الآية تخبطا كبيرا لم يقعوا منه على تحقيق ، وإنّما الأمر الذي يكون فيه صلّى الله عليه وسلّم بوحي يوحى إنّما هو ما ذكرناه من أقسام الوحي ، فإنّ من كان موقعه مع الله تعالى في الحضرة بالكمال الذي ذكرناه له صلّى الله عليه وسلّم طهّره الله بسبب ذلك من ما يوجب له نقصا أو شينا أو لوما أو إبعادا أو ذمّا . فبكمال طهارته صلّى الله عليه وسلّم كان لا يتكلّم إلا بوحي عن الله تعالى من كونه يأخذ من أقسام الوحي التي ذكرناها ، وليس وَحْيُ الله تعالى في التحقيق لمَن أوحى إليه إلاّ إعلامه بأمره لمن أوحى إليه بأنّ الأمر كيت و كيت ممّا هو مراد الله تعالى . فهذا هو الوحي ويكون صاحبه لا خروج له عن أمر الله تعالى .
الصفحة العاشرة >>