وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تبارك وتعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ

الآية ، إلى قوله :
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

،
مع قوله تبارك وتعالى :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ

الآية ، مع قوله تعالى في الآية ألأخرى :
فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ

الآية . فهو اجتماع المدح والذمّ في شيء واحد ، والإزراء بالشيء والتعظيم له في شيء واحد من واحد سبحانه وتعالى محيط بعلم كلّ شيء ، خبير بباطن كلّ شيء ، حكيم ، فهو إشكال عظيم .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الأمرين وَقَعَا في مقاميْن لكلّ مقام نِسْبَةٌ تُخَصُّهُ وحدودٌ تَحُدُّهُ ، فمقام المدح والتعظيم ذَكَرَ فيه سبحانه وتعالى ما صبّ من نِعَمِهِ العظيمة وأسدى من خيراته الجسيمة التي هي من مقتضيا اسمه الرحمن وذا الفضل العظيم فكان إخباره سبحانه وتعالى في ذلك الحدّ تعريفا لعباده بمقادير نِعَمِهِ وما متّع به خلقه من آثار رحمته ، فهو معرف فيها بوجه منّته ، كما قال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

، بعد أن ذَكَرَ منّته التي مَنَّ بها على عباده بحُكم المِنَّةِ ووُفُورِ النعمة وحيث يقول جلّ جلاله :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ

، فهو تعريف لعبادة بنِعَمِهِ إلزاما لهم بحقّ الشكر وليعلموا من ذلك سعة فضله وجوده ورحمته ، فهو تعريف بصفاته وأسمائه وهو من آكد الأمور الشرعيّة ، فهذا المقام هو وجه الذكر في هذه الآيات . وفي الآية الأخرى حيث ذمّ الدنيا وسمّاها متاع الغرور وبقوله :
قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ

نَقَلَهُمْ عن الاشتغال عمّا في المقام الأوّل صورة يعني صورة ما أبرزه من النعم إذْ كان مِنْ مُقتضيَاتها الاشتغال بها عنه واشتغال القلب به عن الانصراف إلى الله تعالى ، فنقَلهم عن هذا المقتضى سبحانه وتعالى ليشتغلوا به عن غيره ، كما قال جلّ مِنْ قائل :
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

، فالمقام الأوّل دلّ فيه على التعريف بنعمه وترادف منّته ليشتغل القلب بشكْر المنعِم عن نعمته ، وفي المقام الثاني دلّ على الانقطاع إليه سبحانه وتعالى وترْك كلّ ما سواه وإنْ عَظُمَ مواقعه في القلب حيث يقول جلّ وعلا :
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

. فلا إشكال بين المقامين إذْ كلّ مقام له مرتبة تخصّه ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسئل رضي الله عنه عن معنى قوله تبارك وتعالى في حكاية سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

.
، فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ ما في هذه الآية هو أنّ الله سبحانه وتعالى ما خفي عليه حال إبراهيم عليه السلام من كونه مؤمنا بأنّ الله قادر على إحياء الموتى ، ولا كان الشكّ من إبراهيم أنّ الله قادر على إحياء الموتى ، ولكنّه عليه الصلاة والسلام أراد الانتقال من عِلْمِ اليقين إلى عَيْنِ اليقين . والأمر الواجب في هذا أنّه ما تجرّأ على هذا السؤال إلاّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لمكان خصوصيته من الله تعالى بين الرسل وإلاّ فما كان يتأتّي لأحد أن يسأل عن مثل هذا ، فإنّه مِنْ كَشْفِ سِرّ القدَر الذي استأثر الله تعالى به عن جميع خلْقه ، فإنّ التجلّيات الإلهيّة البارزة للوجود ليس لخلقه منها إلاّ الشهود صورةً وعَيْنًا ، وأمّا ما في باطنها مِن بوارق الأسرار التي لا مطمع أنْ تنتهي إليها الأفكار ، فإنّ تلك الأسرار انفرد
الحقّ بعلْمها سبحانه وتعالى ، ومَنْ طلب مِن خلْقه أنْ يكشف له عن تلك الأسرار طرَدَه ، إمّا عن قربِه وهو الحجاب نعوذ بالله منه ، وإمّا عن توقّع السؤال وترْك الجواب عنه إن كان مِن ذوي الخصوصيّة ، إمّا بتأديبٍ شديدٍ بنزول عقوبةٍ به لأنّ أسرار القدَر التي هي بواطن التجلّيات الإلهيّة استأثر الحقّ سبحانه وتعالى بعلمها لم يكشفْها لأحد من خلقه ، ولذا أدّب صاحب الخصوصيّة الكبرى وإنْ عَظُمَ مقامه ، وهو سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام ، أدّبه بقوله :
فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ

الآية ، وصَفَحَ عن إبراهيم لمكان خصوصيّته وأراه سِرّ ذلك بعينه وهو الذي طلبه إبراهيم ، وأسعفه بسؤاله . وقوله سبحانه وتعالى :
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ

، فهو استفهام إنكاريّ ، يعني الله عالم بإيمان إبراهيم ولكنه استفهمه استفهاما إنكاريّا مصدره العتاب ، وكأنّه يقول له إنّك مؤمن بأنّي قادر على إحياء الموتى فما وجه سؤالك ؟ إنْ كان لإحياء الموتى فإنّك مؤمن بأنّي قادر على ذلك ، وإنْ كان سؤالك لكشْف سِِّري فأنا لا أكشفه لغيري . وقوله :
وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

، معنى الاطمئنان هو سكون الروع وتَمَكُّنُ السكينة من الروع من وجود الاضطراب والشكّ والوهم والوجل والفَرَقِ ، فهذا هو الاطمئنان ، واطمئنان إبراهيم في هذا عليه السلام بأنّه إذا حدّثه محدث السرّ ، فإنّ لكلّ إنسان محدّثا في سرّه يخيّره أو يسأله أو يوجب له شكّا أو ظنّا أو وَهْمًا وهو المعبّر عنه بالوسواس لقوله سبحانه وتعالى :
وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ

، فإنّ إبراهيم أراد إذا حدّثه مُحَدِّثُ السرّ عن موجب إيمانه بأنّ الله قادر على إحياء الموتى يقول له مثلا : هل رأيته أو لم تره ؟ فمِنْ أين يقع لك به القطعُ بأنّه واقعٌ ؟ فأراد طمأنينة قلبه ليجيب سائل السرّ بأنّه رآه بعينه حقيقة ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسئل رضي الله عنه عن معنى قوله سبحانه وتعالى :
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى

، وعن أقسام الوحي وكيفيّاته .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الله سبحانه وتعالى برّأ رسوله صلّى الله عليه وسلّم من جميع تعلّقات الهوى وأسبابه ، ومعنى الهوى المذموم هو ما ترتكبه النفس لشهوتها وتكميل أغرضها لا زائد ، وقد برّأ لله رسوله صلّى الله عليه وسلّم من هذا ، بل نفسه صلّى الله عليه وسلّم خلصتْ إلى مواطن القرب وتمكّنتْ من صفاء
مشاهدة الحضرة الإلهيّة بحيث أنْ لا تغيب عنها طرفة عين ولا يشغلها شاغل حتّى طرفة عين ، والخلاص إلى مواطن القرب هو وصول العبد إلى رتبة حقّ اليقين ، فما يتخّلص العبد من جميع المشاغل وملابسة النقص إلاّ بالغرق في بحر حقّ عين اليقين ، فإنّ رتبة عين اليقين وإن كانت تُخَلِّصُ النفس من جميع البقايا المناقضة لأمْر الربوبيّة ، لكونها ليس فيها إلاّ الربوبيّة محضا ، فصاحبها ناقص النظر من كونه لا يُعطِي المراتب حقّها ولا يستوفي العلم بخواصّ المراتب الحقيّة والخلْقيّة ، فلذا كان ناقصا . وصاحب مرتبة حقّ اليقين قد استكمل الخلاص من جميع غبش طباع البشريّة لأنّها استهلكّتْ منه في مرتبة عين اليقين ، فلمّا وصل مرتبة حقّ اليقين أَشْهَدَهُ الله تعالى المراتب الحقيّة والخلْقيّة فأعطى كلّ ذي حقّ حقّه ووفّى الوظائف والآداب ، فما يحيفُ و لا يميل ولو لحظة إلى متابعة الهوى .
ثمّ مراتب اليقين أولها علم اليقين وهو في آخر مراتب السلوك للعبد ثم بعده مرتبة عين اليقين وهو استهلاك العبد بالكليّة ، ولم يبق فيه إلاّ حقٌّ بحقٍّ في حقٍّ عن حقٍّ ، فلا عِلْم ولا رسْم ولا أيْن ولا كيْف ، ثمّ بعد هذا مقامُ الصحو والبقاء ، وهو مقام رتبة حقّ اليقين ، ومثال هذه المراتب في الشاهد مثال النار ، العِلْمُ بها عن بُعْدٍ مِنْ كونها مُحرِقة طابخة مُسَخِّنَة ، هذا مثال علْم اليقين ، والمراد بعلْم اليقين هو تَبَدِّي الحقائق مِن وراء سِتْرٍ رقيق . وأمّا عيْن اليقين فهو بمنزلة مَنْ وَصَلَ إلى النار وكُوِيَ بها وذاق حرارتها ، فهو مثال عيْن اليقين ، وعين اليقين هو انكشاف الحقائق من غير حجابٍ ولا خصوصيّة ، فهو عين اليقين . ومثال حقّ اليقين مثال ما أُلْقِيَ في النار برمّته وكانت في غاية القوّة والكثرة والالتهاب ، فصا يحرق فيها ففي زمن حرْقِه لا علْم له بغيرها ولا يلمّ في قلبه غيرها ، كذلك صاحب رتبة حقّ اليقين ليس في نظره إلاّ الحضرة الإلهيّة ، وإنْ نظر إلى متفرّقات الكون فما في الوجود كلّه في نظره إلاّ الله سبحانه وتعالى ، قد محق منه السِّوَى من كلّ وجهٍ وبكلّ اعتبارٍ ، ما عنده إلاّ الله وحده .
وأنّ الله سبحانه وتعالى كان في الأزل في حجاب الكنزيّة العظمى لا يعلمه سواه ، كما قال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث حيث سأله السائل :
«
أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق قال كان في عمى ما فوقه هواء وما تحته هواء
»
الحديث ، وخَوْضُ أهل الظاهر في هذا الحديث بتخيّلات توهّموها لا تعطي من التحقيق شيئا لأنّهم أخذوا لفظ العمى من السحاب لغةً ، فإنّ العرب تسمِّي السحاب عمى لكونها تعمي الشمس عن النظر إليها ، فجعلوا تأويل الحديث أنّه كان متجليّا في سحاب ولم يتفطّنوا أنّ السحاب من جملة الخلق الذي سأل عنه السائل ، وإنّما العمى في هذا الحديث هو احتجاب الربّ
سبحانه وتعالى في حضرة ذاته بما هي متّصفة به من العلوّ الذاتيّ والكبرياء والعظمة الذاتيين والعزّ الذاتيّ ، فلا وجود لشيء معه ، وإليه يشير قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
كان الله ولا شيء معه
»
. وهذه الحضرة الذاتيّة هي حضرة الطمس والعمى ، لا ظهور فيها لاسم ولا صفة إلاّ الذات بالذات في الذات عن الذات ، لا شيء غير ذلك ، إليها يشير في الحديث القدسيّ الوارد عنه سبحانه وتعالى بقوله :
«
كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتعرّفت إليهم فَبِي عرفوني
»
، فالخلق المخلوقون هُمْ ظواهر الأكوان وصورها ، وما تَعَرَّفَ إليهم إلاّ بظاهر الألوهيّة ، والذات في حضرة الطمس والعمى ولا مطمع لأحد في معرفتها ، لا يعلم ذاته في تلك الحضرة إلاّ هو سبحانه وتعالى لا غير. والتعريف للمخلوقات بمرتبة الألوهيّة ، وهي عكوف الوجود على عبادته سبحانه وتعالى بالخضوع تحت كبريائه وعظمته وجلاله ، والتذلّل لكمال عزّه والخمول تحت قهره بتسليم القياد إليه ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا منازع في حكمه .
وهذا التعريف بمنزلة الألوهيّة له ظاهر وباطن ، فالتعريف بظاهر الألوهيّة لأصحاب الحجاب من جميع الأكوان ، فكلّها تُقِرّ له بالألوهيّة وتعترف بأنّهم عبيد مقهورون تحت حكمه ، وهذا الأمر فيهم جِبِلَّة من أصل خلقتهم وتواتر بذلك أوّلهم وآخرهم ، وبِذَا تَعْرِفُ إبطال قوْل مَن قال من العلماء بوجود التقليل في الخلق في معرفة الألوهيّة وظنّوا أنّ معرفة الألوهيّة يُخَاضُ فيها بالبراهين وأنّ في الخلق مَن لا يعرف الإله ، وهو باطل ، فإنّ الرسل التي أُرسِلتْ إلى الخلق ما بُعِثُوا إليهم إلاّ بتوحيد العبادة للإله وخلْع كلّ ما يعبدون من دونه ، فما كذّبهتم الأمم إلاّ في صحّة الرسالة من عند الله تعالى ، وما جحدوا وجود الله تعالى ولا جحدوا ألوهيّته ، قال سبحانه وتعالى مخبرا عنهم :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى

،
وقوله أيضا في الإخبار عنهم في الأوثان
وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ

. فما جحدوا وجود الإله ولا جحدوا ألوهيّته ولكنهم كذّبوا الرسالة في الرسل بكون الله أرسلهم ، وكذّبوا في توحيد العبادة الله تعالى . قال تعالى في حقّ عاد وثمود :
إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً

يريدون لو شاء ربّنا الرسالة إلينا بتوحيد العبادة لأنزل ملائكة ، الآية ، وقول عاد لهود عليه الصلاة والسلام :
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا

الآية ، فأنت تسمع ما جحدوا وجود الإله وإنّما جحدوا توحيد العبادة ، وتحقيق الرسالة منه سبحانه وتعالى . قال سبحانه وتعالى في وصف الكافرين :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ

وقال ربنا سبحانه وتعالى في وصفهم حيث أمر نبيّه
صلّى الله عليه وسلّم بسؤالهم قال :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ

، وقال :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ

، وقال :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
، إلى غير ذلك . فأنت ترى في هذه الآيات أنّهم ما جحدوا وجود الإله ولا جحدوه في مرتبة ألوهيّته وإنّما عبدوها كما قال عنهم ليقربوا بها إلى الله تعالى ، فهذا هو التعريف بظاهر الألوهيّة .
وأمّا التعريف بباطن الألوهيّة فهو للصدّيقين والعارفين ، خرقوا حجاب الظواهر وبلغوا من باطن الألوهيّة إلى رتبة حقّ اليقين ، فما الكون عندهم كلّه إلاّ صفات الله وأسماؤه حقيقة لا اعتقادا ، فتجلى لهم سبحانه وتعالى بباطن أسمائه وصفاته وأفاض عليهم أسرارها فاختُطِفوا عن دائرة البشريّة وصارت جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلّباتهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم بالله محضا ، وحيث كانوا بالله كانوا في جميع أمورهم لله في الله عن الله ، موتى عن جميع ما سواه ، فهذه هي غاية الصدّيقين في التعريف ليس لهم مطمع في الوصول إلى ما وراء هذه المرتبة .
والتعريف للأقطاب والنبيّين وتجلّى عليهم بالسرّ المصون والغيب المكنون الذي تنقطع الأعناق دون ذِكْرِهِ ويُسمّى في الوضع باطن باطن الألوهيّة ، وأسرار هذا الباطن الثاني وعلومه ومنافعه لو تبَدَّى منها لأكابر الصدّيقين مقدار هبئة لذابوا من هيبة الجلال وصاروا محض العدم في أسرع من طرفة العين ، وهذا الباطن الثاني للأقطاب والنبيّين لا مطمع لغيرهم فيه ولو بلغوا ما بلغو ، إلاّ أنّ الأقطاب في أسفل هذه الحضرة ، والنبيّون في أعلاها .
ثمّ الباطن الرابع هي حضرته الخاصّة به صلّى الله عليه وسلّم ، لا مطمع للأقطاب والنبيّين أن يشمّوا منها رائحة ، ولو تبدّى منها مقدار هبئة على أكابر الرسل لذابوا من هيبة الجلال وصاروا محض العدم في أقل من لمح البصر .
ثمّ الوحي من الله لأصحاب هذه المراتب كلٌّ على قدر مرتبته من الوحي . فأمّا أصحاب الرتبة الأولى وهم جميع الخلق المحجوبون فوحي الله إليهم ما يعطيهم في حال المنام يكشف لهم ما شاء من أمور الغيب في وقت مّا لا في جميع الأوقات ، وهُمْ أصحاب ظاهر الألوهيّة ، وأمّا أصحاب باطن الألوهيّة هُمْ الصدّيقون ، فوحُْيه إليهم أو إنْ كشَف لهم أحوال الغيب جهارا وأسمعهم سبحانه وتعالى لذّة مساورته لهم لتبدى حقائق تلك الأسرار ، لكن وإن بلغوا ما بلغوا مِن وحي الله إليهم تَقْصُرُ رتبتهم عن مرتبة الأقطاب ، كما أنّ الأقطاب وإنْ بلغوا مِن وحي الله إليهم تقصُر
رتبتهم عن مراتب النبيّين عليهم الصلاة والسلام ، كما أنّ رتبة الرسل الأكابر وإنْ بلغت في الوحي ما بلغت تقصر رتبتهم عن رتبته صلّى الله عليه وآله وسلّم . فوحي الله إليه صلّى الله وآله وسلم في مرتبته لا يساويه فيها مخلوق ولا يشم احد رائحة وحيه في تلك المرتبة صلّى الله عليه وسلّم . ثم أنّه يسمع السرّ المصون صلّى الله عليه وآله وسلّم جهارا كما رأى بِعَيْنَيْ رأسه صلّى الله عليه وسلّم السرّ المصون جهارا . ثمّ الوحي من حيث ما هو هو تارة يكون بمجيء الملَك يخبره بقول الله تعالى ، وهذا هو القرآن ، وتارة يكون الوحي بسماع السرّ المصون ، وهو الرتبة العليا في الوحي ولا مرتبة فوقها ، وتارة يكون الوحي باللقاء، واللقاء مرتبة مصونة عند أهلها لا تُذْكَرُ يتلقّي الأمر الإلهيّ من الله عزّ وجلّ بلا واسطة ، وتارة يكون الوحي بالإلقاء وهذا الإلقاء هو المُسَمَّى بالنفث ، وإليه يشير قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
«
ألا وإنّ روح القدس قد نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنّكم استبطاء شيء أن تطلبوه بمعصية الله فإنّ الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته
»
الحديث ، وتارة يكون الوحي بالنيابة بحكم المرتبة ، وهذه النيابة لا تذكر وذواقها عزيز الوجود إلى هذه المرتبة في الوحي ، تشير جميع الأحاديث القدسيّة مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم في صبيحة سحاء نزلت :
«
هل تدرون ماذا قال ربّكم قالوا الله تعالى ورسوله أعلم قال قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأمّا من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأمّا من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب
»
ومثل قوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم مخبرا عن الله :
«
أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني
»
الحديث ، والأحاديث القدسيّة كثيرة فهذه مرتبتها .
ثمّ مِن أقسام الوحي ما يكون من فيض المقام الذي تقتضيه المشاهدة ، ومنه ما يكون بالإلقاء الذي هو الإلهام ولا يعلم صاحبه من أين دخل عليه ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه وتعالى :
وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا

،
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ

،
عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

.
فكلّ هذه حقائق لإلقاء بطريق الإلهام . ومنه قوله سبحانه وتعالى :
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ

لكن هذا الفرد منه إلى أم موسى أوضح من الوجه الذي ذكرناه لا يُعرَف إلا بالذوق ، ومن هذا الإلهام قوله سبحانه وتعالى :
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ

إلى غير ذلك