نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الخامس - الفصل الأوّل - الصفحة السابعة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الخامس > الصفحة السابعة


وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن بعض حروفٍ منَ القرآن قال فيها علماء المعقول إنّها زائدة وبعضها مستعارة لحروف غيرها هروبا ممّا يُعطيه ظاهر اللفظ من العلّة ، والزائد في اللغة هو الذي لا معنى له ، وحاشا أن يوجد في القرآن حرفٌ لا معنى له . منها قوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، واللام في قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وفي قوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ، وفي قوله تعالى : لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، والألف والواو والياء في مواضع كما هي عند علماء الرسم .
فأجاب رضي الله عنه : إعلم أنّ العلّة المستحيلة في حقّه تعالى هي أنْ لو قدّرنا شيئا يعود النفع منه على الله أو الضرّ - تعالى الله عن هذا علوّا كبيرا - فهذه هي العلّة المستحيلة في حقّه تعالى ، وأمّا العلّة التي يعود نفعها أو ضررها على العباد فهذه جائزة لا شيء فيها لأنّ حكمة الله التي هي شرائع أنبيائه أظهر فيها سبحانه وتعالى الارتباط بين الأشياء من النِّسَبِ والاضافات كالسبب بمسببه والعلّة بمعلولها ، كقوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ إلخ ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا إلى غير ذلك من الآيات والأخبار ممّا هو كثير في مثل هذا ، وكتوقّف المشروط على الشرط . فإذا فهمتَ هذا المعنى في الآيات المذكورات وجواب الحُكْمِ على العباد بما حَكَمَ الله به عليهم بقوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أيّ وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ لنحكم عليهم بالعبادة ، فمن لم يعبدني منهم عاقبتُه بعذابي، وكذلك ليطاع ، أي وما أرسلنا من رسول إلاّ لنحكم بطاعة الخلق له ، فمن لم يُطِعْهُ فأصنع به ما أردتُ من العقاب وأنواع الهلاك ، وهذا هو المراد من الآيات ، وإنّما الْتبس معناها على مَن صَرَفَهَا عن ظاهرها لعدم التفريق بين الصفتين : صفة الحِكْمَة وصفة المشيئة ، وعدم الفرق بين العلّة التي تجوز والتي لا تجوز . ومَن عرف الفرق بينهما زال عنه الإشكال في ارتباط الأحكام الشرعيّة بعضها ببعض كما قدّمنا ، فعلى المؤمن أن ينظر بعين قلبه إلى أنّ الأشياء بالنسبة لمشيئة الله عارية عن العلل والشروط والاضافات والنِّسب والأسباب كلّها ، وإنّما حَكَمَ الله في أزَله بما اختاره ، حَكَمَ على هذا سعيدا وهذا شقيّا وهذا غنيا وهذا فقيرا من غير علّة ولا غرض ، وينظر بعين قلبه لِمَا أظهره الله في حكمته من الارتباطات بين الأمور ، ويرى في الظاهر أنّه إذا فعَل كذا من الخير أعطاه الله كذا من الثواب بمحض الفضل ، وإذا فعَل كذا من الشرّ عاقبه بمحض العدل ، لأنّه له الحكم والاختيار إنْ شاء فعَل وإنْ شاء ترَك ، في مملكته لا يُسأل عمّا يفعل . ثمّ قال الشيخ رضي الله عنه :
وحروف القرآن ليس فيها زائد ، ولكن إذا كان المعنى يُؤَدَّى بحرفٍ واحدٍ وركّبَه في بعض المواضع مع غيره لذلك المعنى بعينه فيكون الحرفان معاً لذلك المعنى وليس الأخير منهما زائدا ، بل الأوّل والثاني لذلك المعنى المُصْدَر بِهِمَا ، ولذلك قال صاحب الإبريز عن شيخه رضي الله عنه : " إذا زِيدَ حرفٌ في كلمةٍ ولم يُزَدْ فيها في موضعٍ آخر والكلمة هي بعينها في الموضعيْن أو المواضع لفظا ومعنى ، كالألف والواو والياء الزائدات في بعض الكلمات ، فالموضع الذي زِيدَتْ فيه لِسِرٍّ آخر لم يكن في التي لم تُزَدْ فيه ، هكذا قال رضي الله عنه " . إنتهى من إملائه على محبّنا في الله سيّدي محمّد بن المشري حفظه الله بمنّه ، آمين .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن معنى الحروف اللفظيّة والحروف الرقميّة والحروف الفكريّة ، ماذا يوجد عن كلّ واحد منهم ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الحروف اللفظيّة يوجد منها عالم الأرواح ، معناها أنّ كلّ كلمةِ ّ تَلَفَّظَ بها خُلِقَ منها مَلَكٌ يسبّح الله تعالى ، فإنْ تكلّم بكلمة من الخير خُلِقَ منها مَلَكُ رَحْمَةٍ ، وإنْ تكلّم بكلمة شرّ خُلق منها ملَكُ عذابٍ وكان من جملة ملائكة العذاب ، فإنْ قدّر الله وتاب من تلك القَوْلَةِ خُلِعَتْ على الملَك الذي خُلِقَ منها خلعةً وانقلب بها ملَكَ رحمةٍ . والحروف اللفظيّة لا ظهور لها في عالم الحسّ . وأمّا الحروف الرقميّة يوجد منه عالم الحسّ ، معناه هو الحروف التي تُدْرَكُ بالبصر . وأمّا الحروف الفكريّة يُوجَدُ منه عالم العقل في الخيال ، معناه يوجد فيها ما يوجد عن حُكْمِ التخيّل .
أمّا تخيّل العامّة فلا يوجد منه شيء ، ويُقال فيه تمنّي ، وأمّا تخيّل العارف فكلّ ما تَخَيَّلَهُ يوجد في الحين ، ومثاله ما وقع للجوهريّ رضي الله تعالى عنه . قال : كان عليه جنابة ، كان بِمِصْرَ ، خرج يغتسل في النيل وحمَل خبزَ داره لِفُرْنٍ ، فأعطى خبزه للفرّان وذهب للنيل ليغتسل ، فلمّا وقع في وسط النيل واغتسل بعضا من الغسل وقع عليه شبه السِّنَة قليلة فرأى نفسه دخل بغداد وتزوّج بها امرأةً بقي معها ستّ سنين وولد له منها أولاد غاب عن عددهم ، ثمّ سرى عنه فوجد نفسه قائما في النيل يغتسل ، فكمّل غُسْلَه بانيًا على الذي تقدّم ، ثمّ جاء إلى الفرن ووجد الخبز كما أخرجه صاحب الفرن ، فأخذ خبزه ورجع إلى داره ، ثمّ أخبر زوجته بالقضيّة التي وقعتْ وأخبرها بالقضيّة كما هي ، فمكثت شهرين ثمّ جاءت المرأة التي تزوّجها ببغداد تسأل عنه حتّى وصلتْ إلى حارته ، فسألتْ عن داره فقال لها أهل الحارة : مِن أين تعرفيه ؟ فقالت لهم أنا زوجته وهؤلاء أولاده ، فقالوا لها ما خرج من ههنا ، فضربتْ عليه الباب فخرج فعرفها ، فما أنكرها ، فسأله أهل الحارة ماذا تقوله هذه المرأة ، فقال لهم إنّها زوجتي وهؤلاء أولادي منها ، ثمّ دخل على زوجته وقال لها : المرأة التي ذكرتُ لك ها هي قد جاءت بأولادها ، ودخل بها لداره .
وأمّا العارفون فلهم تصرّف بالحروف الرقميّة ولهم تصرّف بالحروف اللفظيّة ولهم تصرّف بالحروف الخيالية ، والتصرّف الرابع يسمّونه التصرّف بالجانب الأحمى ، ولا يعلم هذا التصريف إلاّ الرسل دون الأنبياء ، جعله الله محلّ أسراره وهو موضع النسب الإلهيّة ، وكلّ رسول بُعِثَ إلى قومه أطلعه الله تعالى على بواطنهم من الطبع وما دارت عليه جبلاّتهم فعاملهم بحسب طباعهم ليدوم قيامهم بالتكليف ، فإنّه لو لم يكن جَرْيُهُ على طباعهم لبطلتْ رسالته من أوّل وهلة ، فما في عِلْمِ كلّ رسول إلاّ معرفة طباع الأمّة التي أُرسِل إليها فقط ، ولا عِلْمَ له بطباع غيرهم ، فلذا لم تعمّ رسالتهم ، إلاّ ما كان من نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم فإنّه أطلعه الله سبحانه على طباع الوجود كلّه ، فهو يعامل كلّ طائفة على حسب طبيعتها ، يشير إلى هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم : « حدث النّاس بما يفهمون اتريدون أن يكذب الله ورسوله » ، والحديث الآخر قوله صلّى الله عليه وسلّم : « يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا » ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « الخير عادة وعودا كل بدن ما اعتاده » .
وأسماء الله تعالى إنّما قامت بالحروف ، والحروف كلّها قدسيّة في كلامه تعالى وفي صورة عِلْمِهِ ، وكلّها قديمة أزليّة لأنّها وُجِدَتْ في كلامه وفي عِلْمِهِ وتكلّم بها الحقّ جلّ جلاله بقوله : الم ، حم عسق ، كهيعص ، طس ، ق ، ن ، الخ الحروف ، فكلّها قديمة بِقِدَمِ الذات وليس قِدَمُهَا ما يوجد في ألفاظنا ويُكْتَبُ ببناننا ويتصوّر في خيالنا ، فليستْ هي الحروف التي نقول ولكن الحروف القدسيّة ما كانت هذه الأمور دالّة عليها فقط . فالحروف اللفظية والبنانية والخيالية هي دالّة على تلك الحروف القدسيّة التي بها كلامُ الحقّ ، إذْ لولا صورة الحروف القدسيّة ما عُرِفَتْ صورةُ الكلام ولا تميّز بعضه من بعض ولا عُرِفَتْ معانيه ، فإنّ التمييز فيه بالحروف . فإنّ قوله سبحانه وتعالى : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مخالفٌ لقوْله سبحانه وتعالى : يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ، فالفرق بين إبليس وعيسى تَمَيَّزَ بالحروف ولولا الحروف لكان كلّ منهما يمدّ الآخر ، فالحروف القدسيّة عنها وُجِدَتْ الأسماء الإلهيّة كلّها ، وعنها برز الأمر الإلهيّ بقوله : كُنْ . فبالحروف ظهرت الأسماء الإلهيّة ما في الوجود كلّه إلاّ ما قال له الحقّ سبحانه وتعالى : كُنْ ، والوجود كلّه كلمات الحقّ ، فَزَيْدٌ مثلا وبكر وخالد وعمر وكلّها كلمات الحقّ وعن كلمة الحقّ وُجِدت الموجودات كلّها ، فما فيها خارجٌ عن هذا الميدان . فأسماء المُسَمَّيَات من الوضْع الإلهيّ وكذا وَضْع اللغات وأساميها هي أوضاعٌ إلهيّةٌ وضَعَهَا الحقّ وأجراها على الألْسنة ، فلو اتّفق الوجود كلّه على أن يضعوا اسماً أو لُغَةً لعجزوا ، ولكن الحقّ سبحانه هو الواضع لها وسمّاها بأسمائها . وأمّا الكلام الأزليّ فهو بحروف قدسيّة مُنَزَّهَة من الآلات التي يقع النطق بها ، وهي واقعة في كلام الله تعالى ، يعني الحروف ، وأمّا ما قالوا مِنْ أنّ الكلام الأزليّ مِنْ غير حرْف ولا صوت ، أرادوا به طَرْدَ المعتزلة عن قواعدهم ، فإنّ اتّبَاعَهم لتلك القواعد نَفَوْا بها الكلام الأزليّ البارز من الذات المقدّسة وجعلوه سبحانه وتعالى ليس بمتكلِّمٍ ، والقرآن يُكذِّبُهم ، فإنّه أخبر في القرآن بقوله عن موسى عليه السلام : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ، فإنّ الكلام لو برز من ذاتٍ أخرى غير الذات لكانت تلك الذات المتكلّمة هي المعبودة ، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنّه لا يقدر أحدٌ من الموجودات أن يقول إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي إلاّ الذات المقدّسة ، فإنّ هذا صريحٌ في تكذيبهم فيما يدّعُونه من نَفْيِ الكلام الأزليّ عندهم . قبّحهم الله ، إذا أراد الحقّ أن يتكلّم ألقى الكلام في ذاتٍ مِنَ الجمادات مُخبِرة عنه بضميره ، وهذا في غاية البُعْدِ ، فإنّا لو سمِعْنا كلاما من جمادٍ تكلّم وقال : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي لكان ذلك الجماد هو الإله لِإخْبَارِه بضمير المتكلّم وما يقدر أنْ يَفُوهَ به مخلوقٌ إلاّ الذات المقدّسة ، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا . والكلام الأزليّ ليس فيه تقديم ولا تأخير ولا حصْر ولا مادّة ولا كيفيّة إذا برز الكلامُ بعينه ، يعني كلام الحقّ من حيث ما هو هو ، وسمعتَه زالت عنك الألباس كلّها ، وهي القيود ، ورأيتَ الوقت حينئذ ذلك الوقت الذي كان قبل وجود الكائنات أنت فيه الآن وهو الوقت الذي كان في الأبد هو الآن أيضا ، وأمّا الألباس ، وهي القيود التي في الكلام الأزليّ ، فإنّما هي وقتُ الحجاب فقط لا غير . قال ابن العريف رضي الله عنه يقول في الله تعالى : " ليس بينه بين العباد نسب يصطفيهم لأجله أو يعطيهم لأجله ، ليس إلاّ العناية هي المشيئة ، ولا سبب إلاّ الحُكْم ، ولا وقت إلاّ الأزل ، وما بقي فعمى وتلبيس " ، ومعنى الأزل هو الذي فيه وجود الحقّ وحده ليس لشيء فيه نِسْبَةٌ ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « كان الله ولا شيء معه ففي ذلك الوقت أعطى ما أعطى وفضل ما فضل فلم يبق إلا الرضا والتسليم لمجاري الأقدار » . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه في محبّة الذات العليّة قال رضي الله عنه : محبّة الذات صعبة المرام ولا تكون إلاّ للعارف الكامل ، وفي ذلك قال بعضهم :
تُجَرِّعُهم كأسا لو ابتُلِيَتْ لَظَى      بتجْرِيعِه طارت كأسرع ذاهـب
قال الشاذلي رضي الله عنه في هذا المعنى ، حين كوشف بالحضرة العليّة ، قال : يا ربّ لا طاقة لي بهذا فاحجبني عنك ، فقيل له : لو سألتَه بما سأله به موسى كليمه وعيسى روحه ومحمّد صلّى الله عليه وسلّم صَفِيُّهُ أنْ يحجبَك عنه ما حَجَبَكَ ، ولكن اسألْهُ أنْ يقوِّيك ، فسألتُه فقوّاني ، فعند ذلك لو احتجب عنّي طرفة عيْن لَمِتُّ مِنَ الْبَيْنِ .
ثمّ قال رضي الله عنه : والناس في هذا على أربعة أقسام : الطائفة الأولى شغلهم اهتمام السابقة ، والطائفة الثانية شغلهم اهتمام الخاتمة ، والطائفة الثالثة شغلهم اهتمام الوقت ، ينظر ما يتوجّه عليه في كلّ وقت ، والطائفة الرابعة غرقوا في بحر شهود الوجود المطلق فلا يَلِمُّ بقلوبهم ذِكْرُ السابقة ولا ذِكْر الخاتمة ولا ذِكْر الوقت ولا يلتفتون لِسِوَى ما هُمْ فيه ، وفي هذا يقول سَرِيّ السقطيّ رضي الله عنه : أنا الموقت الوقت ، ثمّ ينشد :
لسـتُ أدري أطـال ليْلِي أم لا      كيـف يدري بذاك من  يَتَقَلّـى
إنّ  للعاشقين عن قِصَرِ  الليـ      ـل وعن طُولِهِ في الحبّ  شغلا
لوْ تفرَّغْـتُ لِاسْتِطَالَـةِ ليْلِـي      وَلِرَعْـيِ النجـومِ كنتُ مُخِـلاّ
وصاحب هذا المقام هو صاحب المراقبة العظمى ، هو ارتقابه للحضرة الإلهيّة وما يبرز منها من التجلّيات على اختلافها ويعطي كلّ تَجَلٍّ منها ما يستحقّه من الخدمة والآداب ، لا يفرّط في شيء منها ولا يفوته شيء منها ، وصاحب هذا الحال لا يعلم الوقت ولا مروره ، والسلام . وصاحب هذا الحال أيضا هو الغريب ، والغربة هي شدّة التغرب في طلب الحقّ ، فليس معه مساكنة الأكوان ولا ملاحظتها بشيء جواهرا وأعراضا ، فلا تخطر بباله ، وفيها يُقال : ' حرام عليك الإتصال بالمحبوب ويبقى لك في العالمين مصحوب ' ، وصاحب هذا لشدّة تغرّبه لو تُسْأَلُ الأيّامُ عنه لَمَا علِمَتْ به ولا عرفتْ أين هو ولا عرفتْ مكانه ، وفيه يقول بعض الأكابر :
تستَّـرْتُ عن دهري بِظِلِّ جنابـهِ      فصرْتُ أرى دهري وليس يراني
فلو تُسألُ الأيّامُ ما اسمي  ما دَرَتْ      وأين مكانـي ما عرفن مكانـي
وإلى هذا الإشارةُ بِمَا ذَكَرَ ذو النون المصريّ عن الشخص الذي لقيَهُ بمكّة قال : رأيت فتى يبكي بفناء الكعبة فقلت : ما الذي أبكاك ؟ فقال لي : أنا الغريب المطلوب ، فما لبث أن خرجتْ روحُه ، قال فتركتُه هناك في محلٍّ وذهبتُ أنظر في جهازه وكفَنِهِ لأُغَسِّلَه وأدفنَه ، فلمّا رجعتُ لم أجِدْ له أثراً ولا وقفتُ له على خَبَرٍ ، قال : ثمّ تأسّفتُ وقلتُ : يا ربّ مَن سبقني بثوابه ، فقيل : لي هيهات قد طلبَه إبليس في الدنيا فلم يَرَهُ ، وطلباه منكر ونكير فلم يَرَيَاهُ ، وطلبه رضوان خازن الجنان فلم يره ، فقلتُ فأين هو ؟ فقيل لي : هو في مقعد صِدْقٍ عند مليك مقتدر . إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا الخ مع قوله : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إلخ الآية .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الله تعالى ذَكَرَ في الآية الأولى وهي قوله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ومن يقتل مؤمنا الخ ذَكَرَ فيها سبحانه وتعالى الوعيد فقط ، والآية الثانية ، وهي قوله تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ الخ الآية ذكر فيها الوعيد والتوبة ، والآيتان محكمتان لا تعارض بينهما إلاّ لقليل الفهم ، يرى المعارضة ولا معارضة ، وتحمل الأولى على هذه ( إلاّ من تاب ) ، والوعيد في تلك الآية ( إن لم يتب ) ، وتوبته تسليم نفسه للقتل فإنْ لم يسلّم نفسه فليس بتائب ، فإنْ قتَله أربابُ الدم ارتفع عنه أحد الوعيدين وبقي أحدهما ، فمَا بينه وبين الله ارتفع وما بينه وبين المقتول بقي ، وهناك أمْر لا يعرفه إلاّ أرباب القلوب فلا يظهر للعامّة وهو أنّ القاتلين مختلفون عند الله تعالى ليسوا على قانون واحد ، منهم طائفة لا تُقبَل لهم توبة وإن تابوا ولا يرتفع الوعيد عنهم بوجه من الوجوه ، فعلى هذا يُحمَل قولُه صلّى الله عليه وسلّم الثابت في صحيح مسلم بقوله : « أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة » . وطائفة سبق في حُكمه في الأزل أنّه يقبل توبتهم إنْ تابوا بسابق العناية فيهم ويغفر لهم ما ارتكبوه من الجُرم ، وعلى هذا تُحمَل الآية إِلَّا مَنْ تَابَ ، وظاهر ما في العناية باطنا يظهر إمّا بكوْنِه من الأولياء في الغيب ثمّ يدرك الولاية ، أو يكون له تَعَلَّقَ بوليّ عظيم القدر عند الله تُقبل شفاعته ، والتعلّق بالوليّ إمّا أن يكون خادما له أو صاحباً أو مُحبّاً أو آخِذاً وِرْداً أو غير ذلك من وجوه التعلّقات كصهره أو جاره أو نفعه ببعض المنافع . وأمّا الطائفة الذين لم تقبل لهم توبة وإنْ تابوا إمّا بتمرّدهم على الله تعالى تجبّرا وتكبّرا في الأرض ، وإمّا لإذايته لبعض الأولياء أو للمساكين ، أو لكثرة ارتكابه للزنا أو لكثرة إذايته للمسلمين ، وإمّا لكذبه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقظة أو مناما ، وإمّا لدعواه الكذب بالولاية ، وذكر هذه المعاصي إن تاب منها تُقبل توبته ، وأمّا في القتل فلا تقبل توبته إن كان مرتكبا واحدا من هذه الأمور المذكورة ، والسلام .
ثمّ قال رضي الله عنه : وأما ولد الزنا لا حسنة له أصلا ولا دخولا له للجنّة أصلا ولو فَعَلَ ما فَعَلَ لأنّه لم يتكوّن من نكاح شرعيّ ، إلاّ إنْ صَحِبَ أحدا من هؤلاء العارفين وهُمْ مفاتيح الكنوز الأربعة والأفراد الأربعة والقطب والخليفة والإمامان ، فمَنْ صحبَ واحدا منهم واحتمى به طهّره الله وأدخله الجنّة إذا خدَم واحدا من هؤلاء المذكورين أو تحابّ معه أو صحِبه أو أكلَ معه أو صلّى خلْفه أو تصرّف له في حاجة قضاها له ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي الآية .
فأجاب رضي الله عنه : معنى الآية أنّ سيّدنا موسى عليه السلام طلب رؤية الله وهو التجلّي الذي اختصّ الله به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم فطلبه من الله ، قال : لَنْ تَرَانِي ، أخبره سبحانك وتعالى بأنّه لا يُطيق ذلك ، ثمّ أراه الآية في ذلك بالجبل من حيث أنّه أشدّ منه قوّة ، ضربه له مثلا فقال له : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه حين أتجلّى عليه فسوف تراني أنت ، فلمّا تجلّى ربه للجبل ، قيل أخرق من الحجاب للجبل مقدار عين الإبرة حتّى طالع الجلال الذاتيّ القدسيّ فتهدّم الجبل من حينه وصار دكاّ من هيْبة الجلال ، فلمّا رأى موسى ذلك صعق من هيبة الجلال ، فلمّا أفاق قال : سبحانك تبت إليك يعني من هذا وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى . وقيل لمّا كلّم الله موسى عليه السلام فقيل له كيف سمعت كلام الحقّ تعالى ؟ قال : لم يكن لموسى شعور بموسى ، وسمع كلام الحقّ بعشرة آلاف لسان ، يعني سمع الكلام الأزلي فَهِمَ منه عشرة آلاف لسان ولم يسمع إلاّ معنى واحدا لكن المعنى الواحد فهمه الحقّ تبارك و تعالى في ذلك المعنى الواحد كلّ لغة وما تسمّيه به ، كالنار مثلا تسمى بكلّ لغة بلغتها فاختلفت اللغة بتسمية الشيء الواحد المتّحد ، وسمع الكلام الأزليّ من كل جهة فسألوه عن هيبة الكلام كيف كان ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : إذا قدّرتَ نفسك واقفا في محلٍّ والصواعق العظيمة مترادفة عليك فعند ذلك يتحقّق الهلاك ، فهكذا يسمع كلام الربّ سبحانه وتعالى ، وسألوه عن اللذّة ، فقال أشدّ اللذات الوقاع ، ويزيد عليها بأضعاف مضاعفة ، والسلام . انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : السبع المثاني هي السبع صفات التي هي حقيقة باطنه صلّى الله عليه وسلّم ، وهي الروح والآدميّة والعلم والنبوّة والرسالة والقبض والبسط ، ومعنى قد آتيناك شيئا هو السبع المثاني وهو القرآن العظيم ، يقول الشيخ الأكبر : إنّ القرآن والسبع المثاني الخ وهذان اسمان متغايران ، كقولك زيد الطويل السمين ، اسمان متغايران . انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن أوّل ما نزل من القرآن .
فأجاب بقوله: أوّل ما نزل من القرآن هي : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فإنّه أوّل ما نزل عليه ، لم ينزل عليه قبلها شيء من القرآن ، فليس فيها إلاّ النبوّة فقط دون الأمر بالرسالة ، ثمّ أُنزل عليه في مبدأ الرسالة : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فخصّ عشيرته بالتبليغ دون غيرهم ، فأوّليّة هذه الآية من كونها أوّل آية نزلت بالأمر بالرسالة الخاصّة دون العامّة ، ثمّ أُنزِل عليه بعد ذلك : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الآية ، فهي أوّل أية نزلت بالرسالة العامّة . وأمّا هو صلّى الله عليه وسلّم فما طرأ عليه حجاب ولا جهل ، بل كان عارفا بالله بالمعرفة الكشفيّة العيانيّة من بطن أمّه ، وكذا كلّ النبيّين عليهم الصلاة والسلام على هذا المهيع ، ما طرأ عليهم حجاب قطّ ، لم يزالوا في مرتبة الصدّيقية من بطون أمّهاتهم إلى الآباد عليهم من الله أفضل الصلوات وأزكى التحيّات . انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ الآية .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : العداوة بين الأربعة : آدم وحواء وإبليس والحيّة . فأمّا العداوة فأصلها اختلاف الأعراض واختلاف الأغراض ، سَارٍ في جميع سكّان أهل الأرض ، عاقلُها وغيرُ عاقلها . فأمّا العداوة بين إبليس وغيره من الحيّة فظاهرة لأنّه أخرجَها من الجنّة لمّا طُرِدَ هو من الجنّة بسبب آدم . وأمّا بين آدم وحوّاء فسببه ما ذَكَرَهُ الله في القرآن مِنْ أَكْلِهِ من الشجرة ، والعداوة بين الرجل والمرأة فهو اختلاف الأغراض ، فالمودّة بينهما أصليّة ، لقوله تعالى : قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسئل رضي الله عنه عن سيّدنا الخضر عليه السلام هل هو نبيّ أمْ لا ؟ وهل يجوز في نفس الأمر زيادة غير النبيّ على النبيّ في العلم ؟ .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : إعلم أنّ الخضر عليه السلام وليّ فقط وليس بنبيّ عند الجمهور ، وقال الشيخ الأكبر رضي الله عنه : " الخلاف فيه - يعني في نبوّته - عند أهل الظاهر لا عندنا " ، فإنّه عنده مقطوع به من الأولياء لا من النبيّين ، وكذا غيره من الأكابر ، وإنْ كان غير الجمهور يقول بنبوّته . قال الشيخ زرّوق رضي الله عنه ، وقد حكى قولَ بعض العلماء ، قال ذلك العالم : إنّ الخضر عليه السلام رسولٌ من رُسُلِ الله أرسل إلى طائفة في البحر ، فمَنْ لم يُقِرّ برسالته فقد كَفَرَ . قال الشيخ زرّوق مجيبا عن هذا القول : سلّمنا صحّة ما يدّعيه ولا نسلّم القول بكفر من لم يعتقده لأنّ تلك زيادة عقيدة في الإيمان وإلزام لها وهي لم تجمع الأمّة عليها . ودليل عدم نبوّته قوْل سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام له ، حيث قال له في خرق السفينة : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، وفي قَتْلِ الغلامِ : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، إذْ لو كان نبيّا ما جهله موسى عليه الصلاة والسلام لأنّه تامّ العلم فكيف يجهل قدْر نبيّ حاضرٍ معه يظنّه ليس بنبيّ ؟ هذا يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لوجوب الإيمان به علينا لو كان نبيّا ، ويستحيل أن يكون جاهلا بمرتبةٍ في الإيمان واجبةٍ مع كوْنه يعلم أنْ لوْ كان نبيّا لعلِم أنّ النبوّة معصومة يستحيل عليها متابعة الهوى والسير في الأمور بمخالفة أمرِ الله تعالى ، فهذا مستحيل على النبوّة . فلو عَلِمَ موسى أنّه نبيّ ما تجرّأ عليه بقوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا و شَيْئًا نُكْرًا لأنّه يعلم أنّ هذا مستحيل على النبوّة لا يتأتّى ولا يُتَصَوَّرُ منها لثبوت العصمة . فهذا أكبر دليل على أنّه ليس بنبيّ . وقد روى إبراهيم التيمي رضي الله عنه ، وكان أحد الأبدال ، في قصّة تَلَقِّيهِ المسبعات العشر من الخضر إلى أنْ أخبره بأمْرها ، قال له : سمعتُها من جبريل حين لقّنها للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وذَكَرَ أنّه رأى لتاليها خيرات كثيرة في الجنّة ، ورأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم ، ورؤياه حقّ ، فسألته عمّا ذكر لا يدخل رؤياه باطل ولا فساد قال ، قال : رأيتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم لأنه كان من العارفين الخضر عنه فقال : صدق الخضر ، إلى أنْ قال له في آخر الحديث : هو سيّد الأولياء ، فهذا أدلّ دليل على عدم نبوّته .
وأما السؤال الثاني : هل يتأتّي زيادة غير الأنبياء على الأنبياء في العلم أم لا ؟ والجواب ، والله أعلم ، إنّ زيادة غير الأنبياء في العلم جائزة في نفس الأمر لا إحالة فيه ولا يزري ذلك بمرتبة النبيّ ، إلاّ أنّ هناك فرقا . أمّا في العلم بالله وصفاته وأسمائه وتجلّياته وما تشتمل عليه من المنح والمواهب والفيوض فلا مطمع لغير النبيّ أن يزيد على النبيّ في هذا الميدان ، فإنّ النبوّة أكبر علما و أوسع دائرة وأعظم إدراكا فيما ذكرنا ، إذ لو كان غير النبيّ في هذا الميدان يلحق درجة النبيّ أو يزيد عليها لساواه في الفضل أو كان أفضل منه . وأمّا فيما دون تلك المرتبة من العلم بمراتب الكون وما يقع فيه جملة وتفصيلا وتقلّبات أطواره وانكشاف ما سيقع فيه في المستقبل قبل وقته ، وهو كشْف الغيوب الكونيّة ، فإنّ غير النبيّ قد يزيد على النبيّ في هذا الميدان ، وهي قضيّة الخضر بعينها . وحقيقة ذلك أنّ بصائر النبيّين والمرسلين أبدًا تنظر إلى جناب الحقّ شديدة العكوف والدُّؤُبِ عليه ، فقلوبهم أبدًا تنظر إلى الله لا الْتِفَاتَ لها إلى الأكوان ، وكان شدّة نظرها إلى الله أبدًا مشتغلةً بتجلّياته لا تلمح بطرفها لغيره ، فكلّ واحد منهم لا هِمّة له ولا عناية إلاّ بما يبرز من الحضرة الإلهيّة في كلّ حين وأوان من التجلّيات والمنح والمواهب والواردات لتعطي كلّ شيء ممّا ذَكَرْنَا حقّها من الآداب ووظائف الخدمة لا تفتر عن ذلك حتّى لحظة واحدة . فلأجل هذا الاستغراق لا يَلْتَفِتُونَ إلى الأكوان ولا يعلمون ما وقع فيها . وأعظم من ذلك الاشتغال بمحادثة الحقّ لهم في حضرة قدُسه . فلا شكّ أنّ مَن ذاق ذلك لم يقدر أن يلتفت إلى غير الله تعالى حتّى لحظة واحدة . فلأجل هذا لا يعلمون ما وقع في الكون ولا ما تقلّب فيه لاشتغالهم عنه بالله تعالى . وغير الأنبياء لا طاقة لهم على الداوم على هذا الحال ، إنّما لهُمْ فيه أحوال ، تارة وتارة ، فلأجل ذلك يكثُر كشْفُهم للكون وأموره إذ لا قدرة لهم على الاستغراق على ما فيه الأنبياء .
فإذا عرفتَ هذا عرفتَ وجه اختصاص الخضر بكشف الغيوب دون موسى عليه الصلاة والسلام لأنّها غيوبٌ كونيّةٌ فلا ينتفي زيادة الخضر فيها على موسى لأنّ موسى شَغَلَهُ عنها ما ذُكِرناَ والخضر لا يقدر على ذلك أيّ على استغراق موسى في حضرة القدُس . ومع هذا فلا حجْر على الله في مُلْكِه ولا في حُكمه أن يزيد غير النبيّ في العلم على درجة النبيّ فإنّه لا تحجير عليه في هذا ، يَهَبُ ما يشاء لمن يشاء كيف يشاء ، وله الاختيار التامّ والمشيئة النافذة ، لا تأخذه القيود ولا الضوابط ولا يحيط بعلمه محيط ، قال سبحانه وتعالى : وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وهذا منه ، فليس ما ترتّب في قلوب العلماء من استحالة زيادة غير النبيّ على التبي في العلم يلزم أن يُحكَمَ به على الله تعالى إذ هو من باب التحجير عليه والإحاطة بعلمه وليس للعلماء شيء من هذا إنّما هي قاعدة مُحْكَمَة في قلوبهم لم يَقُمْ عليها دليل لا من الكتاب ولا من السُّنَّةِ . قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه : آتاني الله عِلْمًا لم يعلم به آدم فمَن دونه . ويريد بهم النبيّين والمرسلين .
وأمّا قوله تبارك وتعالى حاكيا عن الخضر في قوله : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فالجواب : أنّ الله تعالى أمَرَهُ بذلك في سرّه بِعِلْمٍ قطعيّ يَعْلَمُهُ من الله تعالى لا واسطة بينه وبينه كما قال في حقّه سبحانه تعالى : آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ، وهذا أكبر دليل على أنّه ليس بنبيّ إذ لو كان نبيّا ما قال فيه هذا الوصف ولكن يكفي فيه أن يقول : وَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا يقول مكانها وجد بعض أنبيائنا لأنّ مرتبة النبوّة هي كافيّة في أخذ العلم عن الله بلا واسطة ، فلمّا لم يكن نبيّا قال له : وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ، فلذا قال : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، أخبر أنّ الله تعالى أمَره بذلك في باطن سرّه من وجهٍ قطعيّ عنده لا يشكّ أنّه مِنَ الحقّ سبحانه وتعالى ، كما قال جلّ جلاله في حقّ النحل ، وهي بكماء وصورتها كأنّها لا تعقل ، قال : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا الآية ، أخبر سبحانه و تعالى أنّ النحل آتاها علما من لدنه فما شكّت أنّ الأمر من عنده فيما تفعله ، وكذلك الخضر عليه السلام . وأمّا تجرّؤه على قتْل الغلام بلا قتْل نفس ولا ظهور كفْر محرّم بإجماع الشرائع من جميع النبيّين المرسلين لتطابق جميع النبوّات على هذا في جميع شرائعها ، فكوْن الله سبحانه وتعالى يبيحه للخضر بلا نبوّة مُحال لأنّ الحُكم المقرّر في الشرائع من الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يَنْحَلُّ عِقْدُهُ إلاّ بنبوّة ، وأمّا الولاية فليس في وِقتِهَا هذا ، وهو أنْ يُحْدِثَ الله فيها حُكْمًا قرّره في الشرائع والنبوّة بدون نبوّة فلا يتأتّى هذا ، لكن ذكرْنا الدليل على عدم نبوّته وذكرْنا وجه استحالة رفع الحكم المقرّر في الشرائع والنبوّة في رتبة الولاية بدون نبوّة ، فلزم حينئذ أنّه تلقّى ذلك الحُكم من نبيّ لمْ يَعْلَمْهُ موسى عليه الصلاة والسلام .
وأمّا قولنا يستحيل على موسى أن يكون نبيّا حاضرا معه في مكانه لا يعلم أنّه نبيّ مستحيل هذا في حقّه ، وأمّا إنْ كان نبيّا آخر غائبا عنه وهو في زمانه فلا يستحيل أن يكون لا يعلمه ، فلا يحيط محيط بعلم الله تعالى ، والسلام . إنتهى ما املائه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة السادسة     الصفحة الثامنة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس