فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
، واللام في قوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
، وفي قوله تعالى :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا
، وفي قوله تعالى :
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
، والألف والواو والياء في مواضع كما هي عند علماء الرسم .
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
إلخ ،
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
إلى غير ذلك
من الآيات والأخبار ممّا هو كثير في مثل هذا ، وكتوقّف المشروط على الشرط . فإذا فهمتَ هذا المعنى في الآيات المذكورات وجواب الحُكْمِ على العباد بما حَكَمَ الله به عليهم بقوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أيّ وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ لنحكم عليهم بالعبادة ، فمن لم يعبدني منهم عاقبتُه بعذابي، وكذلك ليطاع ، أي وما أرسلنا من رسول إلاّ لنحكم بطاعة الخلق له ، فمن لم يُطِعْهُ فأصنع به ما أردتُ من العقاب وأنواع الهلاك ، وهذا هو المراد من الآيات ، وإنّما الْتبس معناها على مَن صَرَفَهَا عن ظاهرها لعدم التفريق بين الصفتين : صفة الحِكْمَة وصفة المشيئة ، وعدم الفرق بين العلّة التي تجوز والتي لا تجوز . ومَن عرف الفرق بينهما زال عنه الإشكال في ارتباط الأحكام الشرعيّة بعضها ببعض كما قدّمنا ، فعلى المؤمن أن ينظر بعين قلبه إلى أنّ الأشياء بالنسبة لمشيئة الله عارية عن العلل والشروط والاضافات والنِّسب والأسباب كلّها ، وإنّما حَكَمَ الله في أزَله بما اختاره ، حَكَمَ على هذا سعيدا وهذا شقيّا وهذا غنيا وهذا فقيرا من غير علّة ولا غرض ، وينظر بعين قلبه لِمَا أظهره الله في حكمته من الارتباطات بين الأمور ، ويرى في الظاهر أنّه إذا فعَل كذا من الخير أعطاه الله كذا من الثواب بمحض الفضل ، وإذا فعَل كذا من الشرّ عاقبه بمحض العدل ، لأنّه له الحكم والاختيار إنْ شاء فعَل وإنْ شاء ترَك ، في مملكته لا يُسأل عمّا يفعل . ثمّ قال الشيخ رضي الله عنه :
الم
،
حم عسق
،
كهيعص
،
طس
،
ق
،
ن
، الخ الحروف ، فكلّها قديمة بِقِدَمِ الذات وليس قِدَمُهَا ما يوجد في ألفاظنا ويُكْتَبُ ببناننا ويتصوّر في خيالنا ، فليستْ هي الحروف التي نقول ولكن الحروف القدسيّة ما كانت هذه الأمور دالّة عليها فقط . فالحروف اللفظية والبنانية والخيالية هي دالّة على تلك الحروف القدسيّة التي بها كلامُ الحقّ ، إذْ لولا صورة الحروف القدسيّة ما عُرِفَتْ صورةُ الكلام ولا تميّز بعضه من بعض ولا عُرِفَتْ معانيه ، فإنّ التمييز فيه بالحروف . فإنّ قوله سبحانه وتعالى :
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
مخالفٌ لقوْله سبحانه وتعالى :
يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
، فالفرق بين إبليس وعيسى تَمَيَّزَ بالحروف ولولا الحروف لكان كلّ منهما يمدّ الآخر ، فالحروف القدسيّة عنها وُجِدَتْ الأسماء الإلهيّة كلّها ، وعنها برز الأمر الإلهيّ بقوله :
كُنْ
. فبالحروف ظهرت الأسماء الإلهيّة ما في الوجود كلّه إلاّ ما قال له الحقّ سبحانه وتعالى :
كُنْ
، والوجود كلّه كلمات الحقّ ، فَزَيْدٌ مثلا وبكر وخالد وعمر وكلّها كلمات الحقّ وعن كلمة الحقّ وُجِدت الموجودات كلّها ، فما فيها خارجٌ عن هذا الميدان . فأسماء المُسَمَّيَات من الوضْع الإلهيّ وكذا وَضْع اللغات وأساميها هي أوضاعٌ إلهيّةٌ وضَعَهَا الحقّ وأجراها على الألْسنة ، فلو اتّفق الوجود كلّه على أن يضعوا اسماً أو لُغَةً لعجزوا ، ولكن الحقّ سبحانه هو الواضع لها وسمّاها بأسمائها . وأمّا الكلام الأزليّ فهو بحروف قدسيّة مُنَزَّهَة من الآلات التي يقع النطق بها ، وهي واقعة في كلام الله تعالى ، يعني الحروف ، وأمّا ما قالوا مِنْ أنّ الكلام الأزليّ مِنْ غير حرْف ولا صوت ، أرادوا به طَرْدَ المعتزلة عن قواعدهم ، فإنّ اتّبَاعَهم لتلك القواعد نَفَوْا بها الكلام الأزليّ البارز من الذات المقدّسة وجعلوه سبحانه وتعالى ليس بمتكلِّمٍ ، والقرآن يُكذِّبُهم ، فإنّه أخبر في القرآن بقوله عن موسى عليه السلام :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
، فإنّ الكلام لو برز من ذاتٍ أخرى غير الذات لكانت تلك الذات المتكلّمة هي المعبودة ، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنّه لا يقدر أحدٌ من الموجودات أن يقول
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
إلاّ الذات المقدّسة ، فإنّ هذا صريحٌ في تكذيبهم فيما يدّعُونه من نَفْيِ الكلام الأزليّ عندهم . قبّحهم الله ، إذا أراد الحقّ أن يتكلّم ألقى الكلام في ذاتٍ مِنَ الجمادات مُخبِرة عنه بضميره ، وهذا في غاية البُعْدِ ، فإنّا لو سمِعْنا كلاما من جمادٍ تكلّم وقال :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
لكان ذلك الجماد هو الإله لِإخْبَارِه بضمير المتكلّم وما يقدر أنْ يَفُوهَ به مخلوقٌ إلاّ الذات المقدّسة ، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا . والكلام الأزليّ ليس فيه تقديم ولا تأخير ولا حصْر ولا مادّة ولا كيفيّة إذا برز الكلامُ بعينه ، يعني كلام الحقّ من حيث ما هو هو ، وسمعتَه زالت عنك الألباس كلّها ، وهي القيود ، ورأيتَ الوقت حينئذ ذلك الوقت الذي كان قبل وجود الكائنات أنت فيه الآن وهو الوقت الذي كان في الأبد هو الآن أيضا ، وأمّا الألباس ، وهي القيود التي في الكلام الأزليّ ، فإنّما هي وقتُ الحجاب فقط لا غير . قال ابن العريف رضي الله عنه يقول في الله تعالى : " ليس بينه بين العباد نسب يصطفيهم لأجله أو يعطيهم لأجله ، ليس إلاّ العناية هي المشيئة ، ولا سبب إلاّ الحُكْم ، ولا وقت إلاّ الأزل ، وما بقي فعمى وتلبيس " ، ومعنى الأزل هو الذي فيه وجود الحقّ وحده ليس لشيء فيه نِسْبَةٌ ، قال صلّى الله عليه وسلّم :
«
كان الله ولا شيء معه ففي ذلك الوقت أعطى ما أعطى وفضل ما فضل فلم يبق إلا الرضا والتسليم لمجاري الأقدار
»
. إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
الخ مع قوله :
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ
إلخ الآية .
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
ومن يقتل مؤمنا الخ ذَكَرَ فيها سبحانه وتعالى الوعيد فقط ، والآية الثانية ، وهي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ
الخ الآية ذكر فيها الوعيد والتوبة ، والآيتان محكمتان لا تعارض بينهما إلاّ لقليل الفهم ، يرى المعارضة ولا معارضة ، وتحمل الأولى على هذه ( إلاّ من تاب ) ، والوعيد في تلك الآية ( إن لم يتب ) ، وتوبته تسليم نفسه للقتل فإنْ لم يسلّم نفسه فليس بتائب ، فإنْ قتَله أربابُ الدم ارتفع عنه أحد الوعيدين وبقي أحدهما ، فمَا بينه وبين الله ارتفع وما بينه وبين المقتول بقي ، وهناك أمْر لا يعرفه إلاّ أرباب القلوب فلا يظهر للعامّة وهو أنّ القاتلين مختلفون عند الله تعالى ليسوا على قانون واحد ، منهم طائفة لا تُقبَل لهم توبة وإن تابوا ولا يرتفع الوعيد عنهم بوجه من الوجوه ، فعلى هذا يُحمَل قولُه صلّى الله عليه وسلّم الثابت في صحيح مسلم بقوله :
«
أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة
»
. وطائفة سبق في حُكمه في الأزل أنّه يقبل توبتهم إنْ تابوا بسابق العناية فيهم ويغفر لهم ما ارتكبوه من الجُرم ، وعلى هذا تُحمَل الآية
إِلَّا مَنْ تَابَ
، وظاهر ما في العناية باطنا يظهر إمّا بكوْنِه من الأولياء في الغيب ثمّ يدرك الولاية ، أو يكون له تَعَلَّقَ بوليّ عظيم القدر عند الله تُقبل شفاعته ، والتعلّق بالوليّ إمّا أن يكون خادما له أو صاحباً أو مُحبّاً أو آخِذاً وِرْداً أو غير ذلك من وجوه التعلّقات كصهره أو جاره أو نفعه ببعض المنافع . وأمّا الطائفة الذين لم تقبل لهم توبة وإنْ تابوا إمّا بتمرّدهم على الله تعالى تجبّرا وتكبّرا في الأرض ، وإمّا لإذايته لبعض الأولياء أو للمساكين ، أو لكثرة ارتكابه للزنا أو لكثرة إذايته للمسلمين ، وإمّا لكذبه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقظة أو مناما ، وإمّا لدعواه الكذب بالولاية ، وذكر هذه المعاصي إن تاب منها تُقبل توبته ، وأمّا في القتل فلا تقبل توبته إن كان مرتكبا واحدا من هذه الأمور المذكورة ، والسلام .
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي
الآية .
لَنْ تَرَانِي
، أخبره سبحانك وتعالى بأنّه لا يُطيق ذلك ، ثمّ أراه الآية في ذلك بالجبل من حيث أنّه أشدّ منه قوّة ، ضربه له مثلا فقال له : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه حين أتجلّى عليه فسوف تراني أنت ، فلمّا تجلّى ربه للجبل ، قيل أخرق من الحجاب للجبل مقدار عين الإبرة حتّى طالع الجلال الذاتيّ القدسيّ فتهدّم الجبل من حينه وصار دكاّ من هيْبة الجلال ، فلمّا رأى موسى ذلك صعق من هيبة الجلال ، فلمّا أفاق قال : سبحانك تبت إليك يعني من هذا وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى . وقيل لمّا كلّم الله موسى عليه السلام فقيل له كيف سمعت كلام الحقّ تعالى ؟ قال : لم يكن لموسى شعور بموسى ، وسمع كلام الحقّ بعشرة آلاف لسان ، يعني سمع الكلام الأزلي فَهِمَ منه عشرة آلاف لسان ولم يسمع إلاّ معنى واحدا لكن المعنى الواحد فهمه الحقّ تبارك و تعالى في ذلك المعنى الواحد كلّ لغة وما تسمّيه به ، كالنار مثلا تسمى بكلّ لغة بلغتها فاختلفت اللغة بتسمية الشيء الواحد المتّحد ، وسمع الكلام الأزليّ من كل جهة فسألوه عن هيبة الكلام كيف كان ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : إذا قدّرتَ نفسك واقفا في محلٍّ والصواعق العظيمة مترادفة عليك فعند ذلك يتحقّق الهلاك ، فهكذا يسمع كلام الربّ سبحانه وتعالى ، وسألوه عن اللذّة ، فقال أشدّ اللذات الوقاع ، ويزيد عليها بأضعاف مضاعفة ، والسلام . انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ
.
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
فإنّه أوّل ما نزل عليه ، لم ينزل عليه قبلها شيء من القرآن ، فليس فيها إلاّ النبوّة فقط دون الأمر بالرسالة ، ثمّ أُنزل عليه في مبدأ الرسالة :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
فخصّ عشيرته بالتبليغ دون غيرهم ، فأوّليّة هذه الآية من كونها أوّل آية نزلت بالأمر بالرسالة الخاصّة دون العامّة ، ثمّ أُنزِل عليه بعد ذلك :
يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
الآية ، فهي أوّل أية نزلت بالرسالة العامّة . وأمّا هو صلّى الله عليه وسلّم فما طرأ عليه حجاب ولا جهل ، بل كان عارفا بالله بالمعرفة الكشفيّة العيانيّة من بطن أمّه ، وكذا كلّ النبيّين عليهم الصلاة والسلام على هذا المهيع ، ما طرأ عليهم حجاب قطّ ، لم يزالوا في مرتبة الصدّيقية من بطون أمّهاتهم إلى الآباد عليهم من الله أفضل الصلوات وأزكى التحيّات . انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
الآية .
قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
انتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا
، وفي قَتْلِ الغلامِ :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا
، إذْ لو كان نبيّا ما جهله موسى عليه الصلاة والسلام لأنّه تامّ العلم فكيف يجهل قدْر نبيّ حاضرٍ معه يظنّه ليس بنبيّ ؟ هذا يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لوجوب الإيمان به علينا لو كان نبيّا ، ويستحيل أن يكون جاهلا بمرتبةٍ في الإيمان واجبةٍ مع كوْنه يعلم أنْ لوْ كان نبيّا لعلِم أنّ النبوّة معصومة يستحيل عليها متابعة الهوى والسير في الأمور بمخالفة أمرِ الله تعالى ، فهذا مستحيل على النبوّة . فلو عَلِمَ موسى أنّه نبيّ ما تجرّأ عليه بقوله :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا
و
شَيْئًا نُكْرًا
لأنّه يعلم أنّ هذا مستحيل على النبوّة لا يتأتّى ولا يُتَصَوَّرُ منها لثبوت العصمة . فهذا أكبر دليل على أنّه ليس بنبيّ . وقد روى إبراهيم التيمي رضي الله عنه ، وكان أحد الأبدال ، في قصّة تَلَقِّيهِ المسبعات العشر من الخضر إلى أنْ أخبره بأمْرها ، قال له : سمعتُها من جبريل حين لقّنها للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، وذَكَرَ أنّه رأى لتاليها خيرات كثيرة في الجنّة ، ورأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم ، ورؤياه حقّ ، فسألته عمّا ذكر لا يدخل رؤياه باطل ولا فساد قال ، قال : رأيتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم لأنه كان من العارفين الخضر عنه فقال : صدق الخضر ، إلى أنْ قال له في آخر الحديث : هو سيّد الأولياء ، فهذا أدلّ دليل على عدم نبوّته .
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
وهذا منه ، فليس ما ترتّب في قلوب العلماء من استحالة زيادة غير النبيّ على التبي في العلم يلزم أن يُحكَمَ به على الله تعالى إذ هو من باب التحجير عليه والإحاطة بعلمه وليس للعلماء شيء من هذا إنّما هي قاعدة مُحْكَمَة في قلوبهم لم يَقُمْ عليها دليل لا من الكتاب ولا من السُّنَّةِ . قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه : آتاني الله عِلْمًا لم يعلم به آدم فمَن دونه . ويريد بهم النبيّين والمرسلين .
وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
فالجواب : أنّ الله تعالى أمَرَهُ بذلك في سرّه بِعِلْمٍ قطعيّ يَعْلَمُهُ من الله تعالى لا واسطة بينه وبينه كما قال في حقّه سبحانه تعالى :
آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا
، وهذا أكبر دليل على أنّه ليس بنبيّ إذ لو كان نبيّا ما قال فيه هذا الوصف ولكن يكفي فيه أن يقول :
وَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا
يقول مكانها وجد بعض أنبيائنا لأنّ مرتبة النبوّة هي كافيّة في أخذ العلم عن الله بلا واسطة ، فلمّا لم يكن نبيّا قال له :
وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا
، فلذا قال :
وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
، أخبر أنّ
الله تعالى أمَره بذلك في باطن سرّه من وجهٍ قطعيّ عنده لا يشكّ أنّه مِنَ الحقّ سبحانه وتعالى ، كما قال جلّ جلاله في حقّ النحل ، وهي بكماء وصورتها كأنّها لا تعقل ، قال :
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا
الآية ، أخبر سبحانه و تعالى أنّ النحل آتاها علما من لدنه فما شكّت أنّ الأمر من عنده فيما تفعله ، وكذلك الخضر عليه السلام . وأمّا تجرّؤه على قتْل الغلام بلا قتْل نفس ولا ظهور كفْر محرّم بإجماع الشرائع من جميع النبيّين المرسلين لتطابق جميع النبوّات على هذا في جميع شرائعها ، فكوْن الله سبحانه وتعالى يبيحه للخضر بلا نبوّة مُحال لأنّ الحُكم المقرّر في الشرائع من الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يَنْحَلُّ عِقْدُهُ إلاّ بنبوّة ، وأمّا الولاية فليس في وِقتِهَا هذا ، وهو أنْ يُحْدِثَ الله فيها حُكْمًا قرّره في الشرائع والنبوّة بدون نبوّة فلا يتأتّى هذا ، لكن ذكرْنا الدليل على عدم نبوّته وذكرْنا وجه استحالة رفع الحكم المقرّر في الشرائع والنبوّة في رتبة الولاية بدون نبوّة ، فلزم حينئذ أنّه تلقّى ذلك الحُكم من نبيّ لمْ يَعْلَمْهُ موسى عليه الصلاة والسلام .
الصفحة الثامنة >>