نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الخامس - الفصل الأوّل - الصفحة السادسة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الخامس > الصفحة السادسة


وممّا سأل به سيّدنا رضي الله عنه بعضُ الفقهاء في مجلسه قال رضي الله عنه: ما معنى قوله تعالى في حقّ سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام بقوله : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ؟ فكيف يستقيم خوف موسى من السحرة وفعْلهم مع كونه لا يخاف غير الله ولا يكترث بهم ، ولم يكن عنده ريب في أنّه مبعوث من عند الله تعالى بحُجّةٍ عيْنِيَّهٍ قاطعةٍ لجميع وجوه الريب ، مع علْمه أنّه منصور بالله للعلم القطْعيّ الذي عنده مِن وَعْدِ الله الصادق الذي لا خَلْف فيه لقوله تعالى : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وبقوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ، فكيف يستقيم الخوف في قلبه مع علمه القطعيّ بهذا الأمر ومع كمال علمه أنّ الباطل لا يثبت لظهور الحقّ كما قيل في المثل السائر : " للحقّ جَوْلة وللباطل صَوْلة ، فإذا جاء الحقّ بجوْلته ذهبَ الباطل بصوْلته " فكيف يتأتّي منه ما ذَكَرَه الله عنه من الخوف مع كمال علْمه بالأمور التي ذكرناها ؟ فأجابوه بما ذَكَرَهُ المفسّرون في الآية .
فقال : ليس ذاك . والجواب عن هذا المحطّ أنّ خوفه عليه الصلاة والسلام لم يكن من وجهٍ من الوجوه التي ذُكِرَتْ . وإنما خوفه مما هو معلوم عند الأكابر العالين من أهل الحضرة الإلهيّة أنّ لله سبحانه تعالى تنزّلات بحُكْمِ القهر لعبيده الخاصّة ، وتلك التنزّلات يذيقهم الله فيها من مرارة قهره وفساحة بأسه على ما هو مضمون عنده في حضرته أنّ للخاصّة العُليَا عنده تنزّلات تشبه في وقائعها شدّة انتقامه مِن الكَفَرَةِ مِن خَلْقِهِ ، وليس ذلك إزراءً بمراتبهم ولا إسقاطاً لعظيمِ وجاهتهم عنده وإنّما حقيقة تلك التوقّعات أنّه لا بدّ لِمَن اصطفاه الله لمحبّة ذاته أنْ يُذيقَه ضربا من المرارة لتكون المرتبة عاليّة عن أنْ يطمع بها ضعفاء السفلة من الناس حتّى لا يظهر بها ولا يتمتّع بها إلاّ مَن هَزّتْهُ صواعق تلك التوقّعات وليعلموا أنّ المرتبة صعبةُ المَدْرَكِ عزيزةُ المنال لا يظفر بها إلاّ مَن ذاق مرارة تلك التوقّعات .
فإذا علمتَ هذا عرفتَ طريق تنزّل البلاء على النبيّين والأولياء ، فهو من هذا المأخذ ، وأنّ موسى عليه الصلاة والسلام كان تامّ العلم بهذه التوقّعات تتراكم فيها صواعق البلاء على الأكابر على قدر مراتبهم ، فلمّا تَبَدَّى له ظهور السحر في صور تلك التخيّلات التي أَرَتْهُ حركات تلك الجمادات ، وهي العِصِى والحبال ، فإنّهم جاؤوا بها في معارضة شمس النبوّة وتغطيتها وكان في نفسه أنّها لا تثبت كما تَقَرَّرَ أنّه لا بقاء للباطل مع الحقّ ، فلمّا رأى ظهورها ظهرتْ بين يديه للعامّ والخاصّ تخوّف في نفسه أنّه تَجَلَّى بظهور البلاء عليه بظهور سطوة الأعداء عليه إذا ظهروا عليه بسلطان سِحْرِهم وعَجْزِهِ عن دفْعِهم كما في قضيّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث ظهر نصْر الأعداء عليه حتّى قذفوه في النار ولا ناصر له ، فخاف أن يكون ذلك الوقت الذي ظهر فيه السحر مثل وقت إبراهيم حيث ظهر سلطان الأعداء عليه حتّى قذفوه في النار ولمْ يجد حيلةً ولا ملجأً ، فخاف من مثل هذا البلاء في وقته ، فإنّهم إذا ظهروا عليه لذلك وغلبوه ظهر عُلوّهم عليه وانخفاضه تحت حُكْمِهم يتصرّفون فيه كيف شاؤوا ، وكما وقع لإبراهيم تصرّف فيه الأعداء كيف شاؤوا ولم يجد نصرة كذلك موسى خاف من ظهور الأعداء عليه وعلوّهم عليه بظهور سلطانهم عليه وعدم قدرته على الانتصار منهم ، فهذا هو خوفه الذي تخوّفه . فسمع خطاب الحقّ عن هذا بقوله : لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ، يعني لا يظهرون بعلوّهم عليك ولا يستشفون بسلطانهم لديك ، ثمّ زاده بقوله سبحانه وتعالى : وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ، فانظر إلى كمال صدق وعد الحقّ سبحانه وتعالى ، قال له: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ، فلمّا وقع من العصا ما وقع أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ، انقشعت سحابة الأعداء وظهر ذلّهم وهوانهم إذ كانوا يرجون العلوّ بظهور السحرة على موسى وإبطال السحرة لمعجزته ، فلمّا وعده الحقّّ سبحانه وتعالى وأخبره أظهر الله ذلّ الكفرة بإيمان السحرة ، وظهر من العصا أمرٌ عظيمٌ فلمّا فرغتْ مِنْ تلقّف السحر قصدتْ فرعون على كرسيّه ، إذ كان يدّعي الألوهيّة وظهور سلطان الغلبة ، فلمّا رأى العصا توجّهتْ بِشَرِّهَا نحوه وتيقّن أنّها تملكه ، مع عجْزه عن نُصرة نفسه ، فَرَّ هاربا وقفز عن كرسيّه ، قالوا ضرط سبعين ضرطة وهو هارب إلى داره فبطُل ما كان يدّعيه من ألوهيّة ، فهذا وَعْدُ الحقّ الذي وَعَدَ به موسى بقوله : لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى .
وقد يورد هنا إيرادٌ وهو أنْ يقول قائلٌ : لا يصحّ ما ذكرْتم من الخوف في نفسه بعد أن سمع كلام الحقّ في وقت الرسالة قاله : وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ، فلا يصحّ ما ذكرتم من الخوف بعد سماعه لهذا الخطاب ، قلنا : الجواب عن هذا أنّ للأكابر علْما ثابتا من وراء العلم الذي ظهر لخلق الله تعالى لا يعلمه غيرهم . إنّهم وإنْ سمعوا الخطاب الله وصِدْقَ وَعْدِهِ فإنّهم يعلمون أنّ في غيب علْم الله تعالى ما لا يتناوله الوعد الذي وَعَدَهُ لكمال علمهم بالله تعالى ، وشاهدُ هذا أنه صلّى الله عليه وسلم ، وَعَدَهُ الله تعالى بظهور سلطانه على قريش وغلَبَتِهِ عليهم ودخولهم تحت حُكْمِهِ بِوَعْدٍ صادقٍ لا خلْف له ثمّ لمّا رآهم يوم بدر تصوّب من كثيب الرمل آتية لبدر قال صلّى الله عليه وسلّم : « اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها تجادل وتكذب رسولك اللهم نصرك الذي وعدتني » ، ثمّ لمّا سوى الصفوف للقتال فانعزل ناحية وحده في العريش يستغيث بالله وينادي : « يا حيّ يا قيّوم اللهمّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا » وأبو بكر قائم على رأسه خوفا أن يميل عليه الكفّار إذا اشتغل المسلمون عنه ، وجعل يقول له : " دَعْ مناشدتك ربّك فإنّ الله مُنْجِز لك ما وعدَك به " ولا يقلع عن مناشدة الله تعالى والاستغاثة به . فيُقال : كيف حصل له هذا الخوف وهو على يقينٍ من وعْد ربّه قلنا : وقع خوفٌ ممّا ذكرنا من كمال علمه بالله تعالى أنّ في دائرة عِلْمِ الله ما لا تحيط به العقول ، فمِن هذا توقّع خوفه صلّى الله عليه وسلّم . وكقوْل شعيب عليه الصلاة والسلام ، حيث طلبه قومه بالرجوع إلى ملّتهم ، قال عليه الصلاة والسلام : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ، قال هذه القولة مع كمال علْمه بالعصمة من الكفر ولكن علْمه بالوجه الآخر من عدم الإحاطة بعلْم الله . فهذا هو الذي أوجب الخوف لموسى والنبي صلّى الله عليه وسلّم . إنتهى ما أملاه علينا من حفظه ولفظه رضي الله عنه .
وكذلك سأل سيّدَنا رضي الله عنه بعضُ الطلبة عن معنى هذه الآية الكريمة في حقّ سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام وهي قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ قائلا ما الحكم في قوله تعالى : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ الآية ، الإشكال فيها من النسيان الذي وقع منه للصلاة حتّى فات وقتها ولا يصحّ للنبيّين عليهم الصلاة والسلام أن يشتغلوا عن أمر الله بغيره ولا تتأتّى لهم الغفلة عن الحضرة الإلهيّة حتّى تفوت حقوقها . والإشكال أيضا من قوله : فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ وذلك فسادٌ في الأرض فلا يتأتّى ظهور الفساد في الأرض على يَدِ نبيّ .
والجواب على الإشكال الأوّل أنّ سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام كان في غايةٍ الرعاية لآداب الحضرة الإلهيّة كما هو شأن النبيّين عليهم الصلاة والسلام ، لا يغفلون عن الله طرفة عين ، وفاتته صلاة العصر لاشتغاله بعرض الجياد عليه وكان هناك في طاعة عظيمة ، إنّما كان مُِعِدًّا لها للجهاد في سبيل الله تعالى ، فكانت تُعرَض عليه وينظر في شؤونها لأجل الجهاد ، والجهاد من أعظم القربات في جميع الشرائع ، فكان في وقت عَرْضِها عليه في طاعةٍ عظيمةٍ فإنّه كان ينظر في شأن الجهاد ، فهو جهاد حقيقيّ وإنْ لم يكن وقع السيوف معه لأنّ نظره في أمر الجهاد واشتغاله به صيّره في جهاد حقيقيّ ، يشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم « لا زال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة » ، وقال صلّى الله عليه وسلّم في من صلّى وجلس في مكانه ينتظر صلاة أخرى في المسجد فهو في صلاة ، قال : « فذلكم الرباط » ، قالها ثلاثا ، والرباط معلومٌ فضلُه في الأخبار ، فظهر من هذا أنّ صورة الطاعة والنظر في تهيئة ما يتقدّمها من الشؤون فيما هي محتاجة إليه أنّ الناظر فيها كالواقع في تلك الطاعة نفسها عينا بعين ، فكان سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام في نظره في شأن الخيل كأنّه واقف في الجهاد في سبيل الله ، والواقف في الجهاد إذا طرأ عليه مِن شدّة السيوف بعض السهو حتّى فوّتَ الصلاة نسيانا لا لوْم عليه شرعا ، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم في يوم الخندق ، حين كان في مواقعه الجهاد وفاتته صلاة العصر ، قال : « شغلونا عن الصلاة الوسطى » ، أراد أنّ ذلك إنْ كان منه نسيانا لشدّة وقْع السيوف فهو في ذلك إنّما هو اشتغالٌ بطاعةٍ عن طاعةٍ واشتغالٌ بما هو لله عمّا هو لله فلا لوم عليه في هذا ، إنّما يقع اللوم عليه لو كان نسيانه لها لاشتغاله بحظوظه وشهوات نفسه يثبت عليه العتاب . اهـ . وهو إنّما كان في الجهاد لله تعالى كقضيّته صلّى الله عليه وسلّم في يوم الخندق سواء .
ثمّ إنّ هناك نكتة لا يتعقّلها إلاّ الأكابر ، وهي أنّ الأكابر لهم صدمات من قوّة التجلّي لسطوة جلاله ، فربّما أفرطتْ بهم تلك الصدمة عن النظر في غير تلك الطاعة التي هم فيها لقوّة التجلّي لأنّ المطلوب منهم في الحضرة مراعاة حقوق الأوقات في كلّ آن ، لا يغفلون عن حقّ من الحقوق ، وقد تقع بهم لمّات من قوّة التجلّي الإلهي فتؤثّر فيهم غفلة عن الطاعة التي تأتي بعد فيمضي وقتها وهُمْ ذاهلون عنها لقوّة ما فيه . ومن هذه القضيّة سَهْوُهُ صلّى الله عليه وسلّم حتى سلم في الرباعية من اثنتين حتّى نبّهه ذو اليدين فقال : « يا رسول الله أقصُرتْ الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله ، قال : لم تقصر ولم أَنْسَ » ، أخبرَه أوّلا عن الحكم الشرعيّ أنّ القصر في الصلاة لم ينزل عليه ولا أُمِرَ به فلذا قال : « لم تقصر » ، وقوله « ولم أَنْسَ » : أخبرَه عن ذهوله عن تمام الحُكم لقوّة سلطان التجلّي وإلاّ فما كان يمكن منه التغافل عن الصلاة لقوّة موقعها في الحضرة الإلهيّة مِنْ كونها آكد الحدود التي تجب مراعاتها وأعظمها اعتناءً .
وأما قوله سبحانه وتعالى : فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ والإشكال في هذا أنّه كان من أكبر المرسلين قدرا فكيف يتأتّي منه قتْل الخيل وتقطيعها من غير ذنْب منها ، يوجب ذلك لكونها غير مكلّفة ولا فاعلة باختيارها لأنّها مسخّرة تحت حُكْمِ غيرها ، فكيف امتدّ به الحال حتّى أخذ في قتلها، وقتلها فسادٌ في الأرض ، وهو رسول الله لا يُتصوَّر منه ذلك .
الجواب عن هذا الإشكال : إعلم أنّ الخيل وجميع الحيوانات والأموال كلّها مسخّرة تحت حُكْم الآدميّ بحُكم الإرادة الإلهيّة له أن يفعل فيها ما يشاء ، إلاّ أنّ قتْلها بغير ذنب لا يحلّ ، ولكن هذا رسول الله وفعْله فيها بالقتل من كونها شغلَته عن أمر الله تعالى بالنظر في أمرها حتّى فاتَهُ حقّ من حقوق الله تعالى نسيانا بسببها مع كونه لا يسعه ترْك ذلك الحق فتوجّه اجتهاده حينئذ أنّ كلّ ما شغل العبد عن أمر الله يجب مَحْقُهُ وإهلاكُه من كونه كان من رجال الغيرة الإلهيّة ، واجتهاده هذا خاصّ بشريعته لأنّه مُشَرِّعٌ وإنْ كان في شرعنا لا يحلّ ، فلا يتعدّى نظرنا في شرعنا إلى إنكار ما فعلَه في شرعه لكونه رسولا مشرّعا ، وقد أثنى عليه ربّنا في الطائفة التي أثنى عليها بالهداية وأمَرَ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بالاقتداء بهم ، قال سبحانه وتعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى آخر ما ذكر من الأنبياء ، ثمّ قال في حقّهم : أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، ثمّ قال بعده في حقّهم : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وكفى بهذا حجّة في تصويب فعْله ، فلا يُعترَض عليه فيما فعَل لكونه مشرّعا والله أثنى عليه بالهداية ، فهذا جواب هذا الإشكال ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه ، ونصّ السؤال : بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما ، ساداتنا رضي الله عنكم وأرضاكم وجعل الجنة متقلّبكم ومثواكم ، وأطال بقاءكم نفْعا للعباد في جميع البلاد ، نصّكم الكافي وجوابكم الشافي بما يشفي الغليل ويبريء العليل ، في معنى المعيّة التي وردتْ في كلام المولى الجليل سبحانه وتعالى في قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ، إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ونظائرهما ، وكذلك معنى القرب في قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، فقد اختلفت أقاويل العلماء لاختلاف فهومهم ، فمنهم من قال : معكم بعلمه ، ومنهم من قال : معكم بذاته ، وكلّ واحد له أدلّةٌ وشواهدٌ ، إلاّ أنّ مَن قال : وهو معكم بعلمه هرب من التحيّز والجهة ، ومَن قال بالذات ألزم له المعارض في زعمه ما يناقض مذهبه . فأردنا من سيّدنا أن يبيّن لنا وجهَ الحقّ بنصٍّ شافٍ وجوابٍ كافٍ ولكم الأجر والمثوبة من الله تعالى ، والسلام على سيّدنا ورحمة الله وبركاته ؟
الجواب ، والله المُوَفِّقُ بمنّه وكرمه للصواب : إعلم أنّ مَعِيَّةَ الله سبحانه وتعالى لكلّ شيء من الوجود وقُرْبَهُ لكلّ شيء من الوجود صفتان نفسيتان ويتبعان ماهية ذاته . كما لا تُعقَل ماهية الذات ولا سبيل للعقل إلى شمّ من روائح الوقوف على حقيقتها كذلك لا سبيل للعقل لإدراك حقيقة معيّة الحقّ لكلّ شيء وقربه لكلّ شيء ، فهو سبحانه وتعالى مع كلّ شيء بذاته وأقرب إلى شيء بذاته من وَجْهٍ لا يدركه العقل في هاتيْن الحقيقتيْن ، فذاته جلّ جلاله متعالية مقدّسه عن جميع حدود الجرم والجسم ولوازمه ومقتضياته ، من دخول وخروج وقرب وبعد واتّصال وانفصال وتحيّز واختصاص بِجِهَةٍ أو إحاطة بالظرفية أو صورة أو لوْنا أو كِبَراً أو صِغَراً ، إلى ما يتبعه ذلك من كونه جامدا أوسيّالا أو متحرّكا أو ساكنا أو مِلْءَ العالم أو في جزْء منه إلى غاية حدود الجسم وهي كثيرة لا نطيل بذكرها ، ولذا لا يقع عليه الوهم والعقل لأنّهما في وقت الفكر لا يخرجان عن قيود الجسم ولوازمه ، فتعيّنت ماهية الذات العليّة من وراء طوْر العقل والحسّ والفكر ، كما قال بعض الأكابر في هذا الحدّ : " لا يتمثّل في النفس ، ولا يتخصّص في الذهن ، ولا يتصوّر في الوهم ، ولا يتكيف في العقل لا تلحقه العقول ولا الأفكار ، ولا تحيط به الجهات ولا الأقطار " . ولمّا كان انحصار العقل والفكر في هذه المدارك لا يخرج عنها طرَدها صلّى الله عليه وسلّم عن الجَوَلاَنِ في هذا الميدان بقوله صلّى الله عليه وسلّم : « تفكروا في خلقه ولا تتفكروا فيه فإنكم لا تقدّرون قدره » . وحيث كان الأمر هكذا في تحقيق ماهيّة الذات فإنّ ، معيّة الحقّ بذاته لكلّ ذرّة منَ الموجودات وقربه لكلّ ذرّة من الموجودات صفتان نفسيّتان يتوقّف تعلّقها على تعقّل ماهيّة الذات ، وحيث كان تعقّل ماهيّة الذات ممنوعا لا سبيل إليه للعقل والفكر كذلك تعقّل هاتيْن الصفتيْن - مَعِيَّةً وقُرْبًا - لكلّ شيء من الموجودات تعقّلهما مِن وراء طوْر العقل والحسّ ، فلا اتّصال ولا انفصال ولا مسافة للقرب والبعد ولا أيْنِيَة ولا حلول ولا مكان ولا دخول ولا خروج ولا تتعدّد الذات بتعدّدها بالمعيّة . ودونكَ وَجْهٌ يُوضح لك شيئا من هذا الميدان إنْ عقلته فهو في الحادث فقط دون القديم ، فإنّ الرجل من أهل الجنّة عنده مثلا من الحور ما يتضاعف على عدد الملائكة بأضعاف مضاعفة و مع ذلك ، يجامعهنّ في الآن الواحد ويدرك لذّة كلّ واحدة بانفرادها على اختصاصها في ذلك الآن الواحد ، ويجامع كلّ واحدة منهنّ جماعا متمكّنا بمحلّه الواحد وذاته الواحدة من غير تعدّدٍ في ذاته ولا في محلّه ولا تعدّدٍ للآن الواحد ولا تأخيرٍ ولا تقديمٍ ولا اشتراك في ذواتهنّ في محلّ واحدٍ ، إلاّ أنّ تعقّل هذا في هذه الدار من وراء طوْر العقل والحسّ ، لكنّه في سعة القدرة الإلهيّة واقعٌ وهذا وإنْ لم يسلمْه أرباب الحدود العقلية ، فقد دلّت عليه الأخبار الصحيحة بما تقرّر في الحديث أنّ معناه أنّ الرجل من أهل الجنّة يجامع جميع نسائه في مقدار يوم من أيّام الدنيا ويمكث في جماع كلّ واحدة مقدار سبعين سنة في اليوم الواحد من أيام الدنيا . فإذا عرفتَ هذا في حقّ الحادث وصحّحتَه فَخُذْهُ سُلَّماً ترتقي به إلى تصحيح القرب والمعيّة في حقّ القديم لكلّ ذرّة من الوجود في كلّ آن من الزمان من غير تقديم ولا تأخير ولا افتراق ولا تعدّد ، وفي هذا القدر كفاية لمن تعقّل الأمْر .
وأمّا ما وقع في السؤال من الاعتراض بأنّه يلزم التعدّد في ذات الحقّ بتعدّد الممكنات وممازجته وملابسته للممكنات الخ ، فالجواب عن هذا : أنّ هذا الخيال الذي يتوهّم به هذا الوهم الفاسد إنّما هو مقام الحسّ والعقل . وقد قلنا : إنّ قُرْبَ الحقّ ومعيّته للموجودات من وراء طور الحسّ والعقل لا مطمع للعقل والحسّ في إدراك حقيقتهما، أعني القرب والمعيّة ، ما لم يدركا حقيقة ماهيّة الذات ، وقد قلنا أنّ إدراك ماهيّة الذات العليّة في غاية البعد عن إدراك الحسّ والعقل ، كذلك هذه المعيّة والقرب بالذات في غاية البعد عن إدراك الحسّ والعقل ، فيبطل هذا الخيال والوهم اللذان يلزم منهما ملابسة الذات وملابستهما للموجودات وتعدّدهما بتعدّد الممكنات لأنّ هذا في مقام إدراك الحسّ والعقل ، وقد قلنا أنّ ماهيّة الذات العليّة وقربها للموجودات من وراء طوْر الحسّ والعقل ، وبذلك بطل ما تخيّله الحسّ والعقل مِن إلزام ما ذُكِرَ .
وأما القول : بأنّه مع الموجودات بالصفات من قدرةٍ وإرادةٍ وعِلْمٍ إلى آخر الصفات ، فالجواب : إنّ هذا القول يستلزم الجهة والتحيّز للذات العليّة وهو باطل ، وبيانه أنّه متى أحلّت معيّة الذات للحوادث يلزم أن تكون خارجة عن جميعها ويلزم من ذلك خروجها عن كورة العالم بأسرها فيلزم إمّا أن تكون محيطة بالكون وهو ظرف لها والكورة في جوفها وهو محال لأنّ هذا من قيود الجسم ، وإن كانت غير محيطة بالكورة فيلزم إمّا تخصيصها بجهة من جهة الكورة ، إمّا فوقا أو تحتا أو يمينا أو شمالا أو خلفا أو أماما ، وهو الذي هرب منه مَن هرب من الجهة فوقع فيها ، لأنّه متى قال القائل بخروج الذات العليّة عن كورة العالم لزم إحاطتها إحاطة الظرف بمظروفه أو تخصيصها بجهة من جهات الكورة ، وكِلاَ الوجهيْن مُحال عقلا ، فلم يبق إلاّ أن تكون مع كلّ شيء من المحدثات على الوصف الذي يليق بجلال الذات العليّة ، تنزّه وتقدّس عمّا يقولون عُلوّا كبيرا . إنتهى .
وأما المعيّة التي وردت في الآيات إنّما بعضها للعصمة كقوله تعالى : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ، وقوله : لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ، وقوله : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ معيّة النصر والعصمة ، وكذا قوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ الآية ، وقوله : وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وقوله : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وكقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الآية . فكلّ المعيّة في هذه الآيات إنّما هي معيّة الاختصاص والعناية والنصر والعصمة . وأمّا معيّة الذات فلا تختصّ بنصر ولا عصمة ، فهو مع كلّ شيء على أيّ حال كان ذلك الشيء ، مع عدوّ أو حبيب أو قريب أو بعيد ، فهو على الحدّ الذي ذُكِرَ فيها سابقا ، والسلام . إنتهى ما أملاه عليه سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه في مجلس واحد أدام الله عُلاَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ ، آمين .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه قال : البلاء على ضرْبيْن ، بلاءٌ يكون امتحانا واختبارا مثل قوله تعالى : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ، ومثل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ . وأمّا البلاء غير الامتحان فهو مجرّد العذاب مثل قوله سبحانه وتعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . وأمّا قوله تعالى : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ فهذا العلم ههنا علْم الظهور لا العلم الأصليّ لأنّ العلم الأصليّ محيط بهم بما يقع منهم وما يصدر منهم وما يؤول إليه أمرهم ، وهذا العلم كامن لا يظهر في الوجود بخلاف علم الظهور ، ومثل علْم الظهور هو الوقع في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فضَحَتهم وأظهرت ما هُمْ عليه ، فهذا هو علم الظهور ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى : وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، هل المراد من تعليم الله لآدم أسماء الله تعالى كلّها إحاطيّا كليّا من أسماء الله الظاهرة والباطنة والتي استأثر الله بها عن جميع المخلوقات حتّى النبي صلّى الله عليه وسلّم أو خاصّا بالأسماء التي يطلبها الكون . فإنْ قلنا خاصّ بأسماء الكائنات فما فائدة قوله كلّها ، وإنْ قلنا بالإحاطة فكيف مع عِلْمِنَا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعلى من آدم وأكمل ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الأسماء التي علّمها الله لآدم هي الأسماء التي يطلبها الكون ، والكُلِّيَّة المذكورة فيها هو إحاطته بجميع مُتَعلّقات الكون حتّى لا يشذّ عليه منها شيء ، يشهد لهذا قوله سبحانه وتعالى في كلّيّة الأسماء حيث عرض صورة الكائنات على الملائكة وقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الآية ، فدلّتْ هذه الآية على أنّها الأسماء التي يطلبها في الكون بدليل قوله أسماء هؤلاء وهي صور الأكوان . وأمّا الأسماء الخارجة عن الكون فلا تُمْكِنُ الإحاطة بها ولا نهاية لها ، قال سبحانه وتعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ، فإنّ العارفين والأقطاب والنبيّين والمرسلين مع فتْحِهم في المعرفة ينكشف لهم في كلّ مقدار طرفة عين من أسماء الله الباطنة أمْرٌ لا حدّ له ، ثمّ يبقون على هذا الحال أبدا سرمدا في طول عمر الدنيا وفي طول عمر البرزخ وفي طول عمر يوم القيامة وفي طول عمر الأبد في الجنّة بلا نهاية ، في كلّ مقدار طرفة عين ينكشف لهم من أسماء الله الباطنة ما لا حدّ له ولا غاية في طول هذه المدّة ، ولا نهاية لانكشاف الأسماء على طول أبد الأبد ، فكيف يُقال أحاط بها كلّها وإنّما الكليّة في الأسماء التي يطلبها الكون فقط ، إنتهى .
وأمّا السبب المُوجِب لسجود الملائكة لآدم فالكلام فيه من وجه التحقيق أنّه غيبٌ لا يُدرَك إلاّ بالنصّ القطعيّ ، ولا نصّ ، فلا مجال في هذا الميدان ، يقول سبحانه وتعالى : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ إلى قوله تعالى : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فإنّ الله لم يُعْلِمْنَا بالسبب الذي وقع السجود به لآدم ، وذلك محجور في حجره سبحانه وتعالى لا مجال فيه للعقول . لا نقول لأجل الخلافة ولا لغيرها بل نسكت حيث لم يُذكَر شيء في سببه .
وأمّا تفضيل المَلَكِ على الآدميِّ أو العكس ؟ الجواب : إعلم أنّ هذا الأمر لا مجال فيه للعقول من طريق النظر والتخمين والقياس ، والحقّ الفصل في ذلك أنّ التفضيل واقع باختيار الله سبحانه وتعالى وحُكْم مشيئته ، يفضّل من يشاء على من يشاء بلا علّة ولا سبب ، أو بعلّة أو سبب ، أو بأيّ شيء يريده أو بلا شيء ، سواء كان المفَضَّلُ عالي الرتبة على المفضول لقوّة كماله أو كان المفضَّل سافل الرتبة على المفضول لقوّة كمال المفضول وجَمْعِهِ للكمالات . وهذا التفصيل بين المَلَكِ والآدميّ ما عدا سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّه أكمل المخلوقات على الإطلاق وأفضلهم عند الله على العموم من غير تخصيص ، وأعلاهم رتبة ومكانة عند ربّه ، وأكرم الخلق على الله ، وأعظمهم زلفى لدى الله تعالى ، فلا يقع عليه هذا الخلاف ، ففضَّلَهُ الله تعالى واصطفاه واختاره ورفَع مكانته على الخلق لا لشيء بل بمحض اختياره ، قال سبحانه وتعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ .
وأمّا الملائكة هل لهم النظر في وجه الله تعالى في الآخرة أم لا ؟ (الجواب عن هذا أنّه لا قطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات لتوقّف ذلك على اختياره سبحانه وتعالى ، فلا علّة له ، إنْ شاء جعلهم يرونه كالآدميّ وإن شاء منَعَهم ، ولا مستند لهذا إلاّ الخبر الصحيح ، والخبر الصحيح لم يقع منه شيء في هذا الباب فلا يُجاب عنه لا بالنفي ولا بإثبات ، يجب الوقف . وهل لهم وجهة واحدة أو وجهات ؟ فإنْ أردتَ التوجّهات الاسمية فليس لكلّ مَلَكٍ إلاّ اسم واحد يكون من ذلك الاسم وجهته للحقّ ، فليس له في هذا الميدان إلا وجهة واحدة . وإنْ أردتَ بالوجهة وجهة التعبّد لله فوجهة الملَك والآدميّ على حدّ السواء إلى الحضرة الإلهيّة . واختُلِف في وصف الملائكة ، هل هُمْ أرواح مجرّدة أو أجرام بسيطة ، فهذه حقيقة الملك عند المتكلّمين ، وجميع سكّان السموات والأرضين وما فيهنّ من الملائكة وغيرهم كلّهم يموتون في نفخة الصور إلاّ من شاء الله .
ثمّ قال بعد هذا رضي الله تعالى عنه : ليس لكلّ موجود إلى الله تعالى من جميع المخلوقات ، جِنّاً و إنْساً ومَلَكاً ، ليس له إلى الله تعالى إلاّ وجهة واحدة ، ما عدا العارف بالله تعالى فلا تُحصى توجّهاته في سائر الأوقات ، وهذا التوجّه يعني في الآن الواحد ، فإنّ توجّهاته لا حدّ لها ولا حصر بحسب ما انكشف له من أسماء الله في باطن حضرته ، فليس توجّهه إلى الله إلاّ على قدْر ما انكشف له من صفات الله وأسمائه ، فله في كلّ اسم وجهة خاصّة لا تشترك مع الاسم الآخر ، فهو في الآن الواحد مثلا ، إنْ كان من الأكابر ، يعبد الله تعالى في الآن الواحد بما لا تستوفيه المخلوقات في سنين متطاولة ، ومن ههنا تعرف حقيقة ما يشير إليه ذو القرنين في قوله : " إذا كان الله غاية الغايات فالمعرفة به أجَلُّ العبادات " ، وشاهد ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم : « ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ولفقيه واحد أشدّ على الشياطين من ألف عابد » إنتهى . ويشهد له أيضا قوله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم في الحديث القدسي : « لم تسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن » فهذه معنى اتّساع التوجّهات إلى الحقّ ، فالعارف يعبد الله في كل آن بما لا حدّ له ولا غاية حتّى قال الجنيد رضي الله عنه : " لو أقبل مُقْبِلٌ على الله ألف سنة ثمّ أعرض عنه لحظة واحدة لكان ما فاته في تلك اللحظة أكثر ممّا أدركه في ألف سنة " ، وهكذا هذا الترقّي دائما للعارف بالله . ومعنى الفقيه المذكور في الحديث هو العارف بالله تعالى ، إنتهى .
واعلم أنّ حضرة الحقّ سبحانه وتعالى متّحدة من حيث الذات والصفات والأسماء والوجوه ، والوجود كلّه بأسره متوجّه إليه بالخضوع والتذلّل والعبادة والخمود تحت سلطان القهر وامتثال الأمر والمحبّة والتعظيم والإجلال ، فمنهم المُتوَجِّهُ إلى صورة الحضرة الإلهيّة نصّا جَلِيّا في مَحْوِ الغَيْرِ والغَيْرِيَّةِ ، ومنهم المتوجِّه إلى الحضرة العليّة من وراء سِتْرٍ كثيف وَهُمْ عَبَدَةُ الأوثان ومَن ضاهاهم ، فإنّهم في توجّههم إلى عبادة الأوثان ما توجّهوا لغير الحقّ سبحانه وتعالى ولا عبدوا غيره ، لكن الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى لهم من وراء تلك الستور بعظمته وجلاله وجذَبَهم بحسب ذلك بحُكْمِ القضاء والقدر الذي لا منازع لهم فيه ، وهذا هو التوجّه إلى الله كَرْهًا ، يقول سبحانه و تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا الآية . فالوجود كلّه مُتَوَجِّهٌ إلى حضرة الحقّ سبحانه وتعالى بِصِفَةِ ما ذَكَرْنَا فرْداً فرْداً ، وإنّ الكفّار والفجرة والمجرمين والظلمة ، فَهُمْ في ذلك التخليط الذي خالفوا فيه نصوص الشرع وصورة الأمر الإلهيّ ، فإنّهم في ذلك ممتثلون لأمر الله تعالى ليسوا بخارجين عن أمره ومُرادِه ، إلاّ أنّهم خرجوا عن صورة الأمر الإلهي ظاهرا وغرقوا فيه باطنا . فإذا عرفتَ هذا فاعلمْ أنّ الكون كلّه ، فردا فردا ، كلّ ذرّةٍ منه مَرْتَبَةً للْحَقِّ يحكم فيها بحُكمٍ خاصٍّ لا يحكم به في غيرها ، ويفعل فيها فعلا خاصّا لا يفعله في غيرها ، ويوجّه إليه تلك الذرّة بتوجّهٍ خاصٍّ إليه لا يوجّه به غيرها فيه ، ويجب الرضا والتسليم له في حكمه . فقد خالفوا أمر الله ظاهرا ووفّوا به باطنا من حيث لا يشعرون ، وما يَرِدُ عليهم بعد ذلك من الثواب والعقاب والجزاء في دار المآب ، عذاباً ونعيماً ، كلّ ذلك بحسب مشيئة لا مَرَدَّ لها ، لا يُسْألُ عمّا يفعل . فإذا عرفتَ هذا وتأمّلتَهُ وجدتَ كلّ ذرّة في الوجود فردا فردا لها توجّه إلى الحقّ خاصّ بها لا يشاركها فيه غيرها . ربّما ماثَلَتْهَا ذرّة أخرى أو ذرّات في صِفَةِ مَا هي فيه مِنَ التوجّه فستُبَايِنُهَا في أمورٍ أخرى ، فأحْكِمْ هذا القانون وسِرْ به في جميع أجزاء الوجود مِنَ المَلَكِ والآدميّ وغيره واعرفْ كيفيّة التوجّه للوجود إلى حضرة الحقّ ، فإذا عرفتَ هذا ومَيَّزْتَهُ حقّ تمْيِيزِهِ اتّسعَ لك ميدانٌ عظيم من المعرفة بالله تعالى واتّساع تجلّياته في الوجود بلا حدّ ولا حصْرٍ . إلاّ أنّه تختلط الشريعة والحقيقة في هذا الميدان ، والقول الفصل فيها : أنّه سبحانه وتعالى هو المحرّك لجميع الوجود والقائم عليهم في كلّ أمْرٍ والمُقِيمُ لهم في كلّ حركة وسكون ، لا يملكون من دونه شيئا وما يملكون من قطمير ، ولا حركةَ لهم ولا حُكمَ ولا تقديم ولا تأخير ، بل هُمْ في قبضته سبحانه وتعالى وتحت حُكْمِ مشيئته يصرّفهم كيف يشاء ويقلّبهم كيف يريد فيما يشاء من خير أو شرّ ، أو نفْع أو ضرّ ، أو طاعة أو معصية ، أو إقبال أو إدبار . ثمّ إنّه من وراء هذه الحقيقة تجلّى سبحانه وتعالى فجعل تلك الحكمة والشريعة منوطة بالشروط والأسباب والضوابط واللوازم والمقتضيات لا انفكاك لشيء في تلك الحكمة عمّا أراد سبحانه وتعالى ، وكلّ ذلك يجري على قانون المشيئة ، ثمّ رتّب في صورة هذه الحكمة ، على وجوه تلك الضوابط والروابط ، أحكاما إلهيّة سمّاها حدودا وعقوبات وثوابا وعقابا وخوفا ورجاء لا خروج لأحد عن تلك الضوابط والقيود ، وله الحكم والاختيار في كلّ ما فعَل في صورة الحقيقة والشريعة لا يُنازَع ولا يُقال له : لِمَ ؟ ولاَ لأيّ شيء ؟ ولا على ماذا ؟ فليس إلاّ مَدُّ العُنُقِ وتغميض العيْن و خضوع القلب تحت سلطان الألوهيّة والجلال ، إنتهى .
وأمّا قولهم لله سبحانه وتعالى : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا الآية ، مع تعليم الله لهم بقوله : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، الآية ؟ الجواب : إعلم أنّهم ما سألوا اعتراضا ولا ردّا للحكم ، لأنّهم من هذا في خوف عظيم لا يتجاسرون على مرتبة جلاله أن يعترضوا عليه ، وإنّما سألوه عن السرّ الموجب لخلق هذا الخليفة وجعله في الأرض ماذا يريد به وقد رأوْا ما كان عليه أهل الأرض قبله من الظلم والفساد وسفْك الدماء وتعدّي بعضهم على بعض ، ورأوْا ذلك في كلّ مَنْ سكن الأرض منذ خُلِقَتْ إلى أنْ قال لهم : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ما رأوْا أمّة في الأرض خرجت عن هذا الميدان فحكموا على الباقي بصورة ذلك وسألوا ماذا يريد بِجَعْلِ هذا الخليفة في الأرض على ما يقع من ذرّيته من الظلم والفساد وسفْك الدماء ، قال سبحانه وتعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ لم يعلموا ما أودع اللهُ في آدمَ من أسراره وخزائن علومه ، وماذا يراد به ومِن ذريّته من ظهور أحكام كمالاته وألوهيّته ، وأنّه يريد منهم عمارة الداريْن بصورة العذاب والنعيم وما يتبع ذلك من الأحكام واللوازم والمقتضيات .
ولِمَ استفهموه وهُمْ يعلمون ما في اللوح المحفوظ ومطّلعون على المُغَيَّبَات ؟ فالجواب : أنّهم ما علموا ما كان في آدم وذريّته ولا اطّلعوا عليه ، قال سبحانه وتعالى : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ، فإنّهم وإنْ علِموا ما في اللوح فما أطلعهم على جميع غيوبه ، إنّه لا يحيط بعلمه غيره . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة الخامسة     الصفحة السابعة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس