ويبقى اعتراض على ما ذكرنا ، وهو أنْ يُقال إن صحّ ما ذكرتم وكان هذا السرّ هو المانع من ظهور ما في حقيقته المحمّديّة قبل النبوّة فَلِمَ لا يكون رسولا ولا نبيّا من أوّل نشأته حتّى لا يحتجب عنه ما في حقيقته المحمّديّة كما كان حال الغيب قبل وجود جسده الكريم ؟
فالجواب عن هذا الاعتراض : إنّ مَنْعَ الله له من الرسالة والنبوّة قبل بلوغه أربعين سنة أنّ النبوّة والرسالة لا تكون إلاّ عن تجلٍّ إلهيّ لو وُضِعَ أقلّ قليل منه على جميع ما في كورة العالم كلّه لذابت كلّها لِثِقَلِ أعبائه وسطوة سلطانه فلا تقدر الأنبياء على تحمّل أعبائه والثبوت لسطوة سلطانه إلاّ بعد بلوغهم أربعين سنة ، وأمّا قبل بلوغ الأربعين سنة فلا قدرة لأحد على تحمّل أعباء ذلك التجلّي لِمَا فُطِرت عليه البشريّة من شدّة الضعف ، حتّى إذا بلغ الإنسان أربعين سنة وكان في علم الله تعالى نبيّا أو رسولا أفاض على روحه من قوّته ألإلهيّة ما يقدر به على تحمّل أعباء ذلك التجلّي ، فلهذا السرّ لم يتنبّأ أحد إلاّ بعد أربعين سنة ، وهذا هو المانع له من النبوّة قبل ذلك صلّى الله عليه وسلّم ولغيره من النبيّين .
وأمّا سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام كونه نبيّا قبل الأربعين فالجواب : لم يكن بشريّا محضا إنّما كان نصفين نصف بشريّ ونصف روحاني إذ نشأ من نفخة الروح الأمين في فرج أمّه فقوي فيه ضعف البشريّة وزاد بذلك قوّة على النبيّين ، فلذلك بُعِثَ قبل الأربعين للقوّة التي أُعطيها من نفْخ الروح الأمين في فرج أمّه .
فإن قلت : يلزم من هذا أن يكون أقوى منه صلّى الله عليه وسلّم ؟
فالجواب : أنّه لم يكن أقوى منه صلّى الله عليه وسلّم ، ولكن لمّا كان صلّى الله عليه وسلّم كامل البشريّة من جهة أبيه وأمّه كان فيه ضعف البشر وأعطى فيه القوّة الإلهيّة
المُودعة فيه التي تزيد على قوّة عيسى وغيره ، والسلام .
فإن قيل : لا يصحّ ما ذكرتم ولا يتصوّر أن تكون العلوم والمعارف والأسرار مودعة في حقيقته المحمّديّة وهي محتجبة لا يعلمها ؟
فالجواب : إنّ هذا الذي قدّمناه واقع في الإدراك والحسّ لا يحتاج إلى التصوّر ، وشاهدُ ذلك أن الروح الإنسانيّ المدبّر للجسم كان قبل التركيب في الجسم مخلوقا من صفاء صفوة النور الإلهيّ وأوْدَعَ فيه سبحانه وتعالى من أسراره وعلومه ومعارفه ما لا تُدْرَكُ له غاية ولا يوقف له على حدّ ولا نهاية ، وكانت الروح في ذلك الوقت تامّة المعرفة بالله تعالى كاملة الصفاء والتمكين من مطالعة الحضرة الإلهيّة تامّة العلم بما تشتمل عليه الحضرة الإلهيّة من العلوم والمعارف غير جاهلة بشيء منها ، وليس الأرواح في هذا الميدان على منهاج واحد ولا نهايتها في ذلك إلى غاية واحدة ، بل علوم الحضرة الإلهيّة ومعارفها مقسومة على الأرواح بحسب ما فصّلتْه المشيئة الإلهيّة بالفيض للأرواح من تلك الحضرة جَاري على ما سبق من القسمة في المشيئة الإلهيّة فمقلّل ومكثر . ثمّ لمّا تركّبتْ في قارورة الجسم وتلطّختْ بأدرانه وانعكست نسبتها التي هي غاية الصفاء والضوء إلى نسبة الجسم الذي هو في غاية الظلام والكثافة احتجبتْ عنها تلك العلوم والمعارف التي كانت فيها قبل تركيبها في الجسم واستمدّ لها هذا الحجاب من نشأة الجسم دائما ، فإذا أراد الله بالعبد الوصول إلى صفاء المعرفة ثمّ وَصْلَهَا رفع الحجاب بينه وبين ما كان مُودَعًا في حقيقةِ روحه من العلوم والمعارف فعرفَ الأمور على حقيقتها ، ولم تكن تنزّلت فيه بعد المعرفة وإنّما كانت مخزونة في حقيقته ثمّ رفع له الحجاب عنها ، فإذا رفع له الحجاب عنها عرف ما كان في حقيقة روحه من العلوم والمعارف ، وعرف ما يفاض عليه من الحضرة الإلهيّة بعد المعرفة ممّا لم يكن في روحه قبل ، وأدرك الفرق بين الأمرين ، وهذا يعلمه جميع العارفين .
والدليل الثاني على ذلك أيضا : أنّ الإنسان هو عين روحه وماهيته لا غير ، وإنّما هذا الجسد الظاهر لروحه كالثوب الملبوس ، فليس الإنسان إلاّ الروح ، ثمّ هو الآن في حجاب عن درك حقيقة روحه ، لا يعلمها ولا يدركها وهي عينه ، فإذا أراد الله له بلوغ المعرفة وصفاءها رفع له الحجاب عن حقيقة روحه فأدرك حقيقتها إدراكا ذوقيّا وكشفا عينيّا يقينيا وأدرك ما أودع فيها من العلوم والأسرار ، فهي الآن محتجبة عنه وهي عينها ، فهذا أعظم شاهد على ما قلناه في حقّه صلّى الله عليه وسلّم .
ثمّ قال الشيخ رضي الله عنه : الألوهيّة المشهودة لغير الله تعالى قسمان : قسْمٌ متعلّقه الألوهيّة محضا لا تعلّق فيه
للخلق ، وقسْمٌ من الألوهيّة متعلّقه الخلق تُعْرَف تلك المعاني الإلهيّة بالخلق وتُعْرَف المخلوقات بتلك المعاني الإلهيّة ، ولا بدّ لكلّ كامل من شهود الأمرين . ومِنْ أعظم الشواهد على ما ذُكِرَ فيه صلّى الله عليه وسلّم قبل النبوّة مِن كوْن علوم النبوّة والرسالة والكتب والإيمان موجودة مُغطّاة عليه بحجاب كحالة النائم في نومه فإنّ علومه التي كان يعلمها في اليقظة مغطّاة عليه في وقت النوم حتّى إذا استيقظ وزال عنه حجاب النوم تعقّلها ووجدها لم تزل في ذاته ، فهذا حاله صلّى الله عليه وسلّم مِن خَلْقِهِ إلى زمن النبوّة ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ

مع قوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا

، مع قول أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه : " وَتَوَلَّ قبْض أرواحنا بيدك وحُلْ بيننا وبين غيرك " ؟
فأجاب رضي الله عنه قال : إعلم أنّ الله تعالى هو القابض للأرواح أصلا وعينا ووليّ ذلك عزرائيل عليه السلام سجافا وسترا حكميّا غطّى به صرف قدرته ، فإنّ سرّ القدرة الذي هو عين العين لا يظهر سبحانه وتعالى لأحد ظهورا عينيّا وإنّما يظهره سبحانه وتعالى عِلْمًا مُغطّى بسجاف الحكمة ، فهو القابض للأرواح باطنًا وقدرةً صرفاً ، وهو المُوَلِّي لعزرائيل قَبْضَهَا ظاهرا سِتْرًا حِكْمِيًّا ، وقد رفع هذا الستر في بعض الأشخاص فضلا منه وجودا واختصاصا لَمَّا شاء مِن حيث لا حجْر عليه في عموم الاطلاقات فيتولّى قبْض أرواحهم بيده دون تولية عزرائيل عليه السلام ، و لا يلزم من هذا أن يكون الذي يتولّى سبحانه وتعالى قبْض روحه دون تولية عزرائيل عليه السلام أفضل ممّن تولّى قبْض روحه عزرائيل عليه السلام ، فإنّ هذه مزيّة والمزيّة لا تختصّ بالفاضل دون المفضول في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة ، كما نشير إليها فيما يأتي ، ثمّ نقول : إنّ الحقّ لا حجْر عليه كما قدّمنا يفعل في ملكه وتصرّفه ما يشاء سواء كان في عموم الخبر والإطلاق ، فيخصّص بمناقضة عموم الخبر مَن يشاء مِن خلقه لو كان في خصوص الخبر وهو ظاهر فإن المزايا يختصّ الله بها الفاضل في كلّ مرتبة ، وقد يختصّ بها المفضول في بعض المراتب ، فقد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال :
«
إنّ لله عبادا لسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم من الله عز وجل
»
ونعني به يوم القيامة ، فقد بان ذلك أنّ المزيّة يختصّ الله بها المفضول دون الفاضل ، وهذه أعظم المزايا حيث كان النبيّون على جلالة قدرهم وشفوف رتبتهم من حيث أنّ الظنون لا تطرقها علوّا يتمنّون عند الله مقامَ مَن لا يكون نسبته إليهم حتّى نقطة قلم في بحر طوله ألف ألف عام وعرضه كذلك وعمقه كذلك بالنسبة إلى علوّ مقامهم . وكشْف سرّ هذه الحكاية مِن حيث أنّ هذه المزيّة لم تقع لأكابر النبيّين لعلوّ مقامهم عن التدلّي لمثل هذه ، فإنّ هؤلاء المغبوطون بمنزلة الأطفال في حِجْرِ الحقّ يلاطفهم بأنواع التحف لعدم طاقتهم لِحمْل أعباء الحضرة الإلهيّة بما يتجلّى به في ذلك الوقت ، كما قال سبحانه وتعالى :
وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى

. فلمّا عظم الموقع في هذا التجلّي الذي لا طاقة للأرواح به ليلاطف صغار أحبابه بما يغبطهم به الأكابر ، وترويحا لهم من ضغطه الوارد ، ورفقا بضعف مقامهم أن يَعْظُمَ بكاؤهم وأنينهم لصعوبة ما يرون من التجلّي ، وأمّا النبيّون عليهم الصلاة والسلام لقوّة مقامهم على تحمّل أعباء الحضرة الإلهيّة وتلقّي كلّ ما يبرز منها من التجليّات بما يُعطيه الوقت من كمال الأدب ، فَهُمْ ثابتون كالجبال الرواسخ لا تدهشهم التجليّات ولا تزعجهم عواصف المعضلات فلم يحرّك لهم الحقّ هذه الميزة التي استأنس بها صغار الأحباب عِلْمًا من الحقّ سبحانه وتعالى أنّ مقامهم الأعلى ومركزهم الأسمى بما اشتمل عليه من علوّ الأدب
ومعرفتهم بعظمته وجلاله لا يتنازلون إلى توقيع هذه المزية ، فإنّما حاصلها من شهوات النفوس التي هي ملاطفة من الحقّ لضعفاء خلقه ، وأما الأكابر الأعلوْن فلا ترضى منهم ولا ترضى لهم ، كما وقع في بعض الكتب المنزلة أن الله تعالى يقول فيها " ما للأقوياء والشهوات وإنّما أبحتُ الشهوات لضعفة خلقي يستعينون بها على طاعتي " . وشاهد ذلك ، وهو علوّ مقام النبيّين ، ما وقع في قضيّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث زجّ به في المنجنيق مقذوفا إلى النار التي شأنها معروف ، فما أَنَّ ولا استغاثَ ثبوتاً لحكم تجلّيه في تلك الوقت ووفاءً بآداب التجلّي ، فتعرّض له الأمين جبريل عليه السلام في الهواء وقال له : " ألك حاجة يا إبراهيم " ؟ ، فإنّه يعلم أنّ إرسال الأمين إليه ينقذه من وحلته ، إنّما كان من عناية الله به ورفعة مقامه لديه ، وأنّه إن مَالَ إليه في تخليصه لم يكن ذلك منه سوء أدب ولا انحطاط لرتبته لأنّه تلقّى مِنّةَ الحقّ حيث وردت عليه ولكن لِمَا رآه تنزّلا مِن عُلُوِّ المقام وتنزيلا عن كمال الأدب ، وهو تلقّيه لمنحة الحقّ بالفرح والقبول على حُكْمِ قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ الله تصدّق عليكم برخصه فاقبلوها
»
، وكالحكم الواقع في حكمه تعالى :
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا

إلى قوله :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

فإنّ هذه علامة النصر وبلوغ الفرح والسرور ، بضعف مقام الصحابة ، فإنّهم ليسوا بأنبياء . فأوّل الآية موقف الضعفاء من الأحباب حيث يلاطفون في حضرة الحقّ دفعا لما لا تطيقه أرواحهم من ثقل الأوراد ، وآخر الآية هو موقف الأكابر من العارفين ، فإنّهم لا يبالون بغير الله تعالى ، ولمّا كان الميل إلى الرخصة تنزيلا عن الأكمل في الأدب ، وهو وفاؤه بكمال الأدب في الحضرة الإلهية وكمال تحمّله لأعبائها حيث لا تطرقه لذّة النفس ولا شهوتها وإن كان في ذلك حتف أنفه تركه ، فلذا أجابه بقوله : " أمّا إليك فلا " ، أيّ لم يرض التنزّل لشهوات نفسه وإن كانت من مِنّةِ الحقّ ، ولم يَرْضَ إلاّ الوقوف في أعلى مراتب الأدب وهو انقطاعه إلى الله تعالى عن كلّ وجهة من أحوال النفوس وإن كان في ذلك حتف أنفه ، وأكّد في ذلك في قوله حيث قال له : " سَلْهُ " ، قال : " حَسْبُهُ مِن سؤالي عِلْمُه بحالي " .
فإذا عرفتَ هذا عرفتَ بُعْدَ ما بين مقامات النبيين من مقامات المغبوطين وأنّ الذي وقع من تمنيهم لمقامات المغبوطين ممّا لحقهم من الشفقة على أممهم وأتباعهم وقرابتهم لا يتحمّلوا أعباء ذلك المقام ولا يثبتوا له ويكثر أنينهم وبكائهم وقد عرف ما في البشر من ميل إلى الأقارب و الأحباب والشفقة عليهم فيما يحلّ بهم من البلايا والنقم وإن كان مقام صاحب هذه البشريّة في أعلى المقامات ، فلهذا غبّطوا من ليسوا أنبياء لكونهم لا أتباع لهم يخشون عليهم من شدة الوارد .
ومن المزايا التي وَعَدْنَا بها في صدر الجواب ما وقع لعمر وعمّار بن ياسر رضي الله عنهما دونه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّه قال لعمر :
«
ما سلكتَ فَجّاً إلاّ سلك الشيطان غيره
»
، وقال لعمّار :
«
إنّ الله عصمه من الشيطان لا يوسوس إليه
»
، ولم يكن ذلك في رتبته صلّى الله عليه وسلّم ولكنّهما مزيّتان خصّهما بهما دون نفسه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ هاتين المزيّتين ثابتتان في حقيقته صلّى الله عليه وسلّم ، وهو الأصل الجامع وما كان عمر وعمّار إلاّ فَرْعَيْنِ منه ، فأظهر المزيّة في فرعيْه ولم يُظهرها في أصله الجامع صلّى الله عليه وسلّم ، كمزيّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكونه أوّل من يُكْسَى يوم القيامة من جميع الخلق ولم تكن هذه المزيّة فيه صلّى الله عليه وسلّم ، وكمزيّة موسى عليه الصلاة والسلام في كونه ذا لحية في الجنّة دون جميع الخلق ولم تكن له صلّى الله عليه وسلّم وشفوف رتبته صلّى الله عليه وسلّم
معروف ، وكحكاية آصف بن برخيا مع سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام ، فإنّه طلب أن يحضر لديه عرش بلقيس فقال :
أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ

،
فإنّها مزيّة اختصّ بها آصف وهو غير نبيّ ومُنِعَ منها سليمان عليه السلام لِعُلُوِّ مقامه . وإنْ أشكل الأمر في قضيّة آصف وسليمان عليه السلام ، حيث كان آصف تلميذه وأخذ عنه الاسم الأعظم وبقوة الاسم الأعظم فَعَلَ ما فَعَلَ ، والجواب عن هذا الإشكال : إنّ مقام سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام في شفوف رتبته وعلوّ درجته لا يحتمل مثل هذه المزيّة ولا يتأتّى له التدلِّي إليها لأنّ مقام النبوّة ليس له إلاّ تلقّي ما هو في الحضرة الإلهيّة من جميع التجلّيات ، ذاتيّة أو صفاتيّة أو أسمائيّة أو فِعْلِيّة ، تلقّيه على ما هو عليه لا يخطر بباله أن يغيّر تجلّيا من التجلّيات أو يُغيِّر لأجل غَرَضِهِ وَارِدًا من الواردات البارزة من حضرة الحقّ ، بل أدَبُهُ في مقامه ثبوته لجميع التجلّيات طابقتْ غرَضَه أو خالفتْه ، ولذا لم يكن من النبيّين خروج عن دائرة الأسباب الحِكْمِيّة ميلا إلى خرق العادات لقوّة كمالهم وكمال أدبهم واستغراقهم في العلم بالله تعالى وفناء إرادتهم في إرادة الله تعالى حتّى لا تريد إلاّ ما أراد ، وهذا الوصف لهم وَصْفٌ ذاتيّ استقرّ عليه مقامهم فلا يزحزحهم عن هذا المقرّ تجلّي من التجلّيات وإن عَظُمَ لأنّهم في هذا الميدان قائمون لله بالله راكضون في هذا المجال مستغرقون في النظر إلى الله تعالى ، فَقَوَّاهُم الله بقُوَّتِه وأثبتهم بإثباته ، وتحمّلوا أعباء الحضرة الإلهيّة على غاية ثقلها وصعوبة مباينتها لأغراض النفوس ولم يبالوا بما هو دونها ، وحال الأنبياء هذا كما ذَكرْنا مِن بُعدِهم عن الميل إلى خرق العوائد فضلا عن فِعْلِها ما لم يؤدّهم إلى خرق العوائد قياما ضرورة اثبات الرسالة وإيضاح صحتها في قلوب المرسل إليهم فيفعلون ما يفعلونمن خرق العوائد قياما بمؤنة تصحيح الرسالة لتوقّفها على خرق العادة الشاهد بصحّتها، وهذا الخرق هنا المسمّى في اصطلاح المسلمين بالمعجزة ، حتّى إذا فارقوا خرق العوائد ما لم يكن ذلك بأمرٍ إلهيّ فيبتدرونه وإنْ لم يكن في إثبات الرسالة كقضايا موسى عليه السلام الثلاث : وهي قوله تعالى:
أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ

الآية ، وقوله تعالى :
أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ

الآية ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً

الآية ، هذه القضايا عن أمْرٍ إلهيّ وإنْ لم تكن في إثبات المعجزة حيث لا تمكنه مخالفته . وأمّا الأولياء فما مالوا لخرق العوائد إلاّ لضعفهم عن تحمّل أعباء الحضرة الإلهيّة وعدم طاقتهم لصعوبة تجلّياتها فمالوا إلى خرق العوائد ترويحا لأرواحهم من ضغطة الوارد وإبقاء
على أنفسهم بدوام التمتّع ببعض شيء من شهواتها وهم معذورون فإنّ الله عزّ وجلّ لم يمدّهم بقوّة الأنبياء ، فلذا لم يتنزّل سليمان لِفِعْلِ هذا الخرق الذي فَعَلَهُ آصف ثبوتا على مقرّ مقامه الذي ذكرناه .
فإن قلتَ : إذا كان هذا مقامه ولا يرضى لنفسه بهذه المزيّة لكونها مغايرة لمقامه فلم تدلّى لطلب ذلك من الحاضرين ؟
والجواب : في هذا أنّ مقامه على ما ذكرناه ولكن لمّا كان مِنّة الحقّ عليه في ملكه أن سخّر له جميع خلقه كما قال له في حقّه :
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ

إلى آخر الآية ، وكان آصف مِن جملة ما هو مسخّر تحت حكمه حيث فعل له هذه المزيّة ، وإنّ الرياح مسخّرة تحت حكمه وقد كانت تحمله وجيشه وتقذفه مسيرة شهر غدوّا ومثلها رواحا ، فلما كان التسخير له بمنزلة يديه ورجليه في هذا الخلق ولم يَرْضَ التنزّل عن مقامه سخّر في ذلك من هو مسخّر تحت حُكْمه يفعل له ما يريد ، وهذه من منّة الحقّ عليه ، وقد وقع له ذلك بإذنٍ إلهيٍّ ليس من غرضه فقط وقلبه ثابت على مقامه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

الآية .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه قال : الأمانة هي القيام بحقوق مرتبة الحقّ في كُلِيَّةِ معانيها خَلقيّة وإلهيّة ، فلم تُطِق حمل هذا الأمانة السموات والأرض فأشفقن منها وحملها الإنسان ، وهو الإنسان الكامل الذي يحفظ الله به نظام الوجود وبه يرحم جميع الوجود وبه صلاح جميع الوجود وهو حياة جميع الوجود وبه قيام جميع الوجود ، ولو زال عن الوجود طرفة عين واحدة لصار الوجود كلّه عدما في أسرع من طرفة العين ، وهو المُعَبَّر عنه بلسان العامّة قطب الأقطاب والغوث الجامع . ومعنى قوله :
ظَلُومًا جَهُولًا

يعني ظلوما بتخطّيه حدود البشريّة وحدود الخَلقيّة وخروجه إلى القيام بحقوق مرتبة الحقّ حيث لا أين ولا كيف ولا صورة ولا حدّ ، فإنّ هذا لا قدرة لأحد عليه إلا الله وحده ، فهذا معنى ظلمه لكونه تخطّى مرتبة البشريّة من الخَلقيّة وهو لا يقدر لأنّ الأمر الذي تخطىّ إليه لا غاية له و لا نهاية لكون الإحاطة مستحيلة فيه ، قال سبحانه وتعالى :
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا

. فهذا معنى الجهل والظلم الذي نُسِبَ إليه هو أعلى مراتب اصطفاء الحقّ لعبده . والجهل الذي نُسِبَ إليه هو نَفْيُ الإحاطة بِكُنْهِ جلاله وذلك غاية المعرفة بالله ، فإنّ معرفته بالله وراء خطوط الدوائر كلّها ، يعني دوائر الصدّيقيّة ، وهي أنّ كلّ معرفة للصدّيقين فلها دائرة تنطبق عليها ، وتلك الدائرة هي حدها وغايتها لا تتخطّاها ، والإنسان الكامل
تخطّى جميع الدوائر ووصل من المعرفة بالله تعالى إلى حيث لا إطاحة بكُنه جلاله ولا حدّ ولا كيف ولا أين ولا رسم ولا دائرة ، فهو يجول في هذا البحر الذي لا حدّ له ، ولو أنّ جميع الموجودات أُمِدَّتْ من هذا البحر مثقال هَبَئَةٍ لتهدّم الوجود بأسره وصار محض العدم في أقلّ من طرفة عين لاحتراقه من هيبة الجلال ، فليس يُطيق القيام في هذه المرتبة وإعطاء جميع تجلّياتها حقّها إلاّ الفرد الجامع المُعَبَّر عنه بلسان العامّة بقطب الأقطاب . ولو جُمِعَت عبادة جميع العالمِينَ ، ما عدا الملائكة والنبيّين والمرسلين والصحابة ، وجُمِعَت تلك العبادة كلّها من منشأ العالم إلى النفخ في الصور ما عادلتْ من عبادات قطب الأقطاب في هذه المرتبة مقدار طرفة عين من عمره . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

.
فأجاب رضي الله عنه بقوله قال : إعلم أنّ معنى الآية ، على طريق التأويل ، أنّ ذلك في أفعال المختارين في ما تتعلّق به أغراضهم ممّا يريدون نَفْيَهُ أو إثباته أونفعه أو إضراره ، كلّ ذلك يمحو منه ما يشاء فلا يقع شيء منه في الوجود ممّا تعلّقتْ به أغراضهم ويثبّت منه ما يشاء فيظهر وجوده أو نفيه مرسوما في لوح الظهور ، فهذا هو المَحْوُ والإثبات . وأمّا ما تعلّقتْ به إرادته كلّه ثابت لا مَحْو فيه .
ومِن بعض معانيها ارتسمت المقادير الإلهيّة في اللوح المحفوظ فكان منها ما محاه بعد ما أظهر رسمه لكونه متوقّفا على سببٍ أو زوال مانعٍ ، ومنها ما أثبته وأظهره في لوح الوجود لكونه نفذ به حُكْمُ مشيئته ، والأوّل لم يَنْفَذْ به حُكْمُ المشيئة ، ثمّ اللوح المحفوظ منقسم إلى ما هو أمّ الكتاب وكلّ ما هو فيه واقع ثابت لا يمكن تحوّله ، وإلى ألواحٍ المحو والإثبات من غير أمّ الكتاب وفيها ما كان مطابقا للمشيئة الإلهيّة كان ثباتا لا محو فيه ومنها ما لم يطابق المشيئة الإلهيّة وإنّما أظهره سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ موقوفا على شرطٍ أو سببٍ من حيث له شرطه أو سببه لم يقع منه شيء وهو لم يقع في حُكْمِ المشيئة .
ومِن بعض معاني الآية ، على طريق التأويل أيضا ، يمحو الله ما يشاء من أعمال المكلّفين ما كان حسنا أحبطه وأبطله وما كان سيّئا غفره ومحاه ، ويثبّت في هذه الأفعال ، ما كان منها حسنا أثبته وأثاب عليه إثابة تامّة ، وما كان سيّئا أثبته وعاقب عليه عقوبة
تامّة ، ففيه يمحو الله ما يشاء ويثبّت ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ

.
فأجاب رضي الله عنه بقوله : أمّا في بساط الشريعة يعني ويحذّركم الله نفسه بالخوف منه وعدم الأمن من مكره في جميع عطاياه إليكم من النعم ودفْع جميع المضارّ عنكم من النقم وبسْط ذلك عليكم على ممرّ الليالي والأيّام ، فاحذروا من مكره في ذلك الحال فإنّه لا يأمن مكر الله إلاّ مَن حقَّ عليه عذابِ ذي الجلال .
وأمّا في بساط الحقيقة ، ويحذّركم الله نفسه يعني من البحث والاطّلاع والطلب على كنه الذات فإنّ ذلك غير لائق بكم لأنّكم لا تطيقون ذلك الأمر فاحذروا من حلول نزول البلايا بكم بطلبكم ذلك الأمر وقفوا عند ما حكم لكم من أمْر الشارع صلّى الله عليه وسلّم . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله تعالى عنه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن معنى قوله تعالى :
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

الآية .
فأجاب رضي الله تعالى عنه قال : إعلم أنّ الخلافة تقدّم الكلام عليها في بعض الأجوبة فمن أرادها فليطالعها ، وأمّا النفخ فالمراد وضع الروح في الجسد ، وسُمِّيَ نفخا لأنّه من النفَسِ الرحمانيّ وإضافة الحقّ إلى نفسه إضافة الخلق وإضافة الاختصاص ، بمعنى أنّه مخلوق وأنّه مخصوص منه بعظمة العناية والمحبّة والتكريم وإعلاء الرتبة على جميع ما عداه منَ المخلوقات ، هذا وجه الإضافة في إلى الله تعالى للروح ، والمذكور ههنا هو الروح الحيواني المدبِّر للأجسام المُظهِر لصورة الحياة فيها ، وهذا الروح هو المنفوخ في جسد آدم عليه الصلاة والسلام ، ثمّ في طَيِّهِ الروح القدسيّ اللاهوتيّ الذي استوجب الآدميُّ به الكمالَ والعلوَّ على جميع المراتب الخَلْقِيَّةِ بحيث أنْ لا يضاهيه شيء من المخلوقات في ذلك الكمال والعلوّ ثم الروح القدسيّ ، هو منفوخ في روح آدم لا في جسده ، فإنّ الروح الحيوانيّ منفوخ في الجسد وبذلك الروح استوجب الجسدُ الحياةَ والعقلَ وجميعَ ما يشتملان عليه من العلم والحسّ والحركة والتخيّل والفكر الخ ما يستوجبانه من المعاني ، وأمّا الروح القدسيّ فهو منفوخ في الروح الحيوانيّ من آدم ، فكما أنّ الجسم من آدم قارورة لروحه الحيوانيّ كذلك روحه الحيواني قارورة للروح القدسيّ ، وبذلك الروح القدسيّ استوجب الروحُ الحيوانيُّ من آدم العلوَّ والكمالَ على جميع المراتب الخَلْقِيَّةِ ، وكان الروح الحيوانيّ بسبب الروح
القدسيّ حَيّاً حياةً أبديّةً لأنّ الروح الحيوانيّ ما فيه إلاّ ما أَعْطى للجسم منَ الحياة والحسّ والحركة وما معها من المقتضيات واللوازم ، ليس في الروح الحيوانيّ وما هي زائدة على هذا . وأمّا الروح القدسيّ فإنّه أَعْطَى الروحَ الحيوانيَّ كمالَ العلم بالحضرة الإلهيّة وما هي متّصفة به من العظمة والكبرياء والعزّ والجلال والعلوّ والتعالي ، وما هي مشتملة عليه من الأسماء الحسنى والصفات العُلَى ، وأعطاه أيضا كمالَ العلم بما تستحقّه الحضرة الإلهيّة من كمال الأدب وكمال التعظيم والإجلال وكمال المحبّة والاعتناء وكمال الانقطاع إلى الله تعالى والفراغ من ملاحظة الحظوظ ومِنَ الالْتِفَاتِ إليها ، وأعطاه العلمَ أيضا بما يُراد منه ولماذا خُلِقَ ومحلّه في كلّ دورة من الدورات الزمانيّة والحاليّة والقدَريّة ، وعرّفَهُ حقيقة الأدب الذي يُراد منه في كلّ من محلّ ذلك . وبسبب هذا الذي أعطاه الروح القدسيّ للروح الحيوانيّ صار الروح الحيوانيّ خليفة لله جميع العوالم ، يحكم فيه بما يريد ويتصرّف فيها بما يشاء فتستجيب لله طائعة من غير استعصاء ، ولا يكون هذا إلاّ لأحَدِيَّةِ الحقّ وحده ، ولمّا أُعْطَى الروحُ الحيوانيُّ الكمالَ الذي ذُكِرهَ أوّلا صيّرها خليفة له على جميع العوالم يحكم فيه كَحُكْمِهِ ويَجْرِي أمرُه فيها كَجَرَيَانِ أمْره ، وليس هذا الشيء من العوالم غير الروح الآدميّ ، وهذه هي حياة الروح الحيوانيّ بسبب نَفْخِ الروح القدسيّ فيه ، وهذه الحياة هي المشار إليها بقوله تعالى :
أَوَمَنْ كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ

الآية ، فهذا نفخ الروح في آدم عليه السلام ، وإنّما كان الروح الحيوانيّ حيّا بهذا النفخ لأنّه بدونه كسائر أرواح الحيوانات ليس فيه زيادة عليها من الكمال وغيره . وأمّا الروح القدسيّ فهو نور عظيم الشأن يفيض من حضرة الحقّ يأتي حاملا لِمَا لا غاية له من الأنوار والأسرار والعلوم ، فإذا استقر في الروح الحيوانيّ أعطاه ما ذُكِرَ أوّلا من الكمالات وصيّره خليفةً لله على خلقه كما ذكرنا . وإذا عرفتَ هذا وتأمّلتَهُ عرفتَ رتبة الإنسان وعلوّه على جميع العوالم ، وعرفتَ الكامل منه وما لا كمال فيه ، وعرفتَ الحيّ والميّت من الإنسان .
وأمّا أمْرُ الله للملائكة بالسجود له فهو إشارة إلى إظهار علوّ رتبة آدم على جميع العوالم وخصوصيته عند الله من دونهم لِمَا لا غاية له من عناية الحقّ به ومحبّته له وتعظيمه إيّاه إجلالا له بما لم يُعْطِ غيره من المخلوقات شيئا من ذلك ، وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ

إلى قوله :
تَفْضِيلًا

، والسلام . إنتهى من إملائه رضي الله عنه .