وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
وعِلْمُهُ بهذه الأسماء فَرْعٌ عن الصدّيقيّة ، ولكن الفرع هنا أعلى من المتفرّع عنه ، والصدّيقيّة لا تكون إلاّ عن أحكام التكاليف ، والأحكام التكليفيّة لا تكون ناشئة إلاّ عن الأخبار النبويّة ، والأخبار النبويّة لا تكون إلاّ مِنَ الله لبعض أنبيائه أو مِن نبيّ لبعض أتباعه ، وسيّدنا آدم ثبت له جميع ما ذُكِرَ من الخلافة و الصدّيقيّة وليس قبله نبيّ فثبت أنه نبي عليه الصلاة والسلام ، وتركيب هذا الشكل معلوم لمن يعقله . وكذلك آية قوله عزّ وجلّ :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى
بعد قوله تعالى :
اهْبِطُوا
، فإنّ الهداية لا تكون من الله تعالى إلاّ لمن أراد أن يكون هاديا مهديّا وهذا لا يكون إلاّ نبيّا أو وارث نبيّ ، وسيّدنا آدم لم يرث نبيّا فثبت أنّه هو نبيّ " .
فرضيَ الله عن سيّدنا وشيخنا ما أغوصه على المعاني الغامضة التي لم يُسبَق بها . إنتهى من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري وبإملائه علينا كتبتُه .
فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ
، وقوله تعالى :
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا
، وفي الخبر :
«
هي أختي
»
في زوجته ؟ فأجاب رضي الله عنه : فكلّ هذه القولات الثلاثة مباحة للخليل عليه الصلاة والسلام فإنّه مُشَرِّع وخليفة ، فَعَلَ ذلك بإذْنٍ إلهيّ فلا توزن أفعاله ولا تقاس على غيره لأنّه ما أراد بها إلاّ الحقّ ، فكلّ ما يصدر منه فهو موافق لشريعته ، فهذا غاية ما يُذْكَرُ في حقّه عليه الصلاة
والسلام ، يشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم حين نهى الناس عن الوصال قالوا :
«
نراك تواصل ؟ قال : إني لست كهيئتكم إنّي أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني
»
، وفي المثل السائر لا يصحّ للضبّ أن يقيس النون على نفسه ، فإذا فُهِمَ هذا فكيف يمكن لأحد أن يتكلّم بالمناقشة على من مَنَّ الله عليهم برسالته وأمنهم على سرّ وَحْيِهِ وجعلهم قدوة لخلقه .
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ
، فلا يَحِلُّ لامرئ مسلم أنْ يناقش في أحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام ، قال تعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
، وقال جلّ وعلا :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ
وهذا عامّ في كلّ رسول ، ومَن أراد أن يقيس أفعال النبوّة على غيرها فهو جاهل بحقّها ومقصّر في آداب رتبتها ولم يعلم أنّ الإذن لهم في كلّ ما يصدر منهم على العموم وإنْ وقع العتاب لهم على بعض الأمور فإنّما هو للوجه الذي ذكره الشيخ في تقسيم وجوه المباح لا غير، ولهذا الاقتداء والتصديق من المؤمنين للرسل تشهد أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة على الأمم التي كذّبت رسلها وأنكروا بلوغ الرسالة . فإذا قالت أمّة : لم يبلغ لنا ما أرسلته به يا ربّنا يقول المولى جلّ جلاله وهو أعلم بهم : من يشهد لك أنّك بلغتهم ، فيقول الرسول : أمّة محمّد ، فيقول لهم المولى تبارك وتعالى : هل عندكم من شهادة لرسولي هذا ، فتقول أمّة محمّد : أوَ أرسلته يا ربّنا ؟ فيقول الربّ سبحانه وتعالى : قد أرسلته إليهم ، فتقول أمّة محمّد : فنشهد
له على أنّه بلّغهم ما أرسلته به إليهم . وشهدوا له لأنّهم يعلمون أنّ لا يؤمن على سرّ وحيه إلاّ مَن كان صدّيقا أمينا ، وصاحب هذا الوصف يستحيل في حقّه عدم التبليغ . وإذا فهمتَ هذا علمتَ أنّ الذنوب التي ذُكِرَتْ في حقّ الرسل عليهم الصلاة والسلام والأفعال التي صدرت منهم في صورة المخالفة إنّما فعلوها للوجه الذي ذَكَرَهُ الشيخ رضي الله عنه فيما قدّمنا في صدر الباب أو هي مباحة لهم في شرعهم كما قدّمنا في قولات سيّدنا إبراهيم عليه السلام وفِعْلِ سيّدنا سليمان عليه السلام .
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ
الآية ، قال شيخنا رضي الله عنه : هَمَّ بها يَحْتَمِلُ هَمَّ بالمعصية ويحتمل هَمَّ بالبطش بها أيّ بالمرأة غضبا لِمَا طلبَتْه بفعل الفاحشة . فأمّا إنْ قلنا هَمَّ بالمعصية فإنّ العصمة مانعة منه ، فلم يَبْقَ إلاّ كونه هَمَّ بالبطش بها غضبا لولا أن رأى برهان ربّه . ولمّا رأى البرهان تَرَكَهَا إذْ عَلِمَ من البرهان أنّه معصوم . وأمّا قوله :
بُرْهَانَ رَبِّهِ
، تفسير البرهان قيل أنّه رأى صورة يعقوب عليه الصلاة والسلام عاضّا على إصبعه ويقول له : يوسفُ أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء فزاده الله قوّة على التخلّص منها ، وقيل : إنّه رأى قائلا يقول له : مثلك إنْ لم تواقعها كمثل الطير في الهواء لا يصل إليه شيء ، ومثلك إنْ واقعتَها كمثل الطير إذا سقط ميّتا في الأرض لا يدفع عن نفسه شيئا ، وقيل : إنّ البرهان رآها حين أرادت التحرّك إليه ، بعد ما أظهرت صورة الفاحشة ، كان لها صنم تعبده فقامت وغطّته بغطاء كثيف ، فقال لها : ما شأنك فعلتِ به هذا ؟ فقالت : أكره أن يراني على المعصية ، فقال لها عليه السلام : أنا أحقّ أن يراني الله تعالى على معصيته ، فنفر عنها . اهـ .
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي
فإنّه أخبر عن حال بشريّته بتحرّكها لطلب الفعل لَمّا أنْ دَعَتْهُ المرأة والقلب أدبر عن إجابة البشريّة إلى ما طلبتْ تَوْفِيَةً بأمر الله ، فإنّ القلبَ هو المُخَاطَب بالتكليف لا البشريّة ، فإنّ القلب إذا توقّف ووقفَ في الحدود المأمور بها لم يضرّه تحرّك البشريّة لخلاف ذلك لأنّ القلب قد سَلِمَ وهو المراد بالتكليف ، يشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا هي
القلب
»
، وبعبارة فالبشريّة في الأنبياء موجودة لطلب الانغماس في الشهوات ، هُمْ
فيها كسائر البشر سواء كانت الشهوة محرّمة أو حلال ، والقلب هو القائم على البشريّة يفصل أحوال الشهوات ويصرف البشريّة في الشهوات الحلال ويقمعها عن الوقوع في الشهوات المحرّمة ، وهذا هو عين العصمة التي يتّصف بها الأنبياء ، لا زوال البشريّة كما يظنّه بعض الجهّال ، فإنّ البشريّة لو كانت مفقودة فيهم لم تكن لهم عصمة لعدم وجود سببها وهو ظهور البشريّة لطلب الوصول إلى الشهوات المحرّمة ، فامتناع القلب من موافقة البشريّة عن الوصول إلى الشهوات المحرّمة مع وجود داعية البشريّة إليها هو الأمر المُسَمَّى في عرف الشرع بالعصمة ، يشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
ما بعث الله نبيا ولا خليفة إلاّ وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا ومن يتق بطانة السوء فقد وقي
»
فدلّ الحديث الكريم على وجود البشريّة الداعية للشهوات في الأنبياء إلاّ أن القلب يستعصم من تصريف البشريّة في الشهوات المحرّمة وهذه هي العصمة ، فظهر من هذا الخبر أن الخواطر حتّى في ألأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولكن سلطان الروح قاهر لميل النفس وهواها فلا تقدر تتحرّك لشيء إلاّ إذا حرّكها وسلطان الروح لا يميل للقبيح ، فلذا كانوا منزّهين عن الأفعال القبيحة لأنّ الله أيّدهم بروح منه ، ومَنْ أيّدَه الله لا تَتَأتّى منه مخالفةٌ للحقّ ولو فيه حتف أنفه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
إلى قوله :
وَالْأَسْبَاطِ
وهُمْ أولاد سيّدنا يعقوب عليهم الصلاة والسلام ، وأمّا ما فعلوه مع سيّدنا يوسف عليه الصلاة والسلام فيحتمل أنّه كان ذلك جائزا في شرع أبيهم ، أو فعلوه قبل نبوّتهم لأنّ العصمة ليس بمُجْمَعٍ عليها قبل النبوّة ، وهذا غاية ما يُذْكَرُ في حقّهم عليهم الصلاة والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه وأرضاه .
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه قال : فمن وقع في ذنب وجاء إليه صلّى الله عليه وسلّم مستغفرا وتائبا وجد الله غفورا رحيما ، والإتيان له صلّى الله عليه وسلّم بعد موته كَحَيَاتِهِ وقبول التوبة والعمل من كلّ مؤمن مقطوع بها إنْ صَدَرَ كلّ منها على القانون الشرعي ّ
ظاهرا أو باطنا وسلمت من عوارض الإبطال ، منها ما يكون في ذات الفعل نفسه ومنها ما يكون خارجا عن الفعل ، فالتي هي من ذات الفعل هي الرياء والتصنّع لجلب عَرَضٍ من الخَلْقِ جَلْبًا أو دَفْعًا ، والعُجْبُ هو عدم شهود المِنَّةِ ، وهذا الأخير هو لخاصّة الخاصّة فقط ، وعوارض الإبطال الخارجة عن الفعل كَتَرْكِ صلاة العصر حتّى غربت الشمس من غير عذر كالنسيان والنوم ، وكقذفه للمؤمن المحصن ورميه له بالزنا ، وكأكله أجرة الأجير بعد وفاء عمله ، وكتعمُّده لأكل الحرام ولم يتب منه ، وكالردة والعياذ بالله ، وكذلك سبُّ الصحابة رضوان الله عليهم لِمَا ذُكِرَ في الحديث أنّه لا يُقبَل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً ، فكلّ ما كان من المحبطات في ذات الفعل تحبط العمل الذي وقعت فيه لا تتعدّى لغيره ، والمحبطات الخارجة عن الفعل هي التي تحبط كلّ عمل تَقَدَّمَهَا ، والسلام ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه وأرضاه .
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
، فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى الآية أنّ من اقترف ذنبا كبيرا أو صغيرا ثمّ رجع إلى الله تعالى خائفا من عقوبة ذنبه فتضرّع إلى الله تعالى وسأله المغفرة لذنبه الذي اقترفه وجد الله غفورا رحيما بحسب وعده الجميل ولم يخرج استغفاره خائبا من المغفرة بشاهد قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم
»
، يريد إظهار فضله سبحانه وتعالى على خلقه . وفي الآية رجاءٌ عظيم ووعدٌ جزيل في أنّ من استغفر الله من ذنوبه وتضرّع إليه صادقا غفر الله له أيّ ذنب كان وهذا المشهد فيه رجاء عظيم والناس غافلون عنه ، وفي هذه الآية طلبُ الاستغفار لا غير ، مِنْ غير توبةٍ ، فإذا صدق الله بالتضرّع إليه في طلب المغفرة وجد الله غفورا رحيما . إنّ العبد إذا نظر في صحيفته يوم القيامة ، ما وَجَدَ ما فيه من الذنوب أنّه سأل المغفرة من الله غُفِرَ ولم يوضع في الميزان ، وما لم يستغفر الله فيه وُضِعَ في الميزان ، إنتهى .
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
الآية ؟ فأجاب بقوله : معناها أنّ الله مدح الذين أُعِدَّت لهم الجنّة مِنْ جُمْلَتِهِمْ الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم . قلنا : الذِّكْرُ هنا على مراتب ، مقام العامّة ذِكْرُ العذاب وشدّة العقاب فيتألّم باطنه مِنْ ذِكْرِهِ فيستغفر الله من
ذنوبه ، ومقام الخاصّة فوقهم ذِكْرُ التوبيخ والعتاب لا العذاب ، فإنّهم يَفِرُّونَ من توبيخه وعتابه كما تَفِرُّ العامّة من عذابه وأليم عقابه ، وإذا ذكروا هذه الحالة استغفروا من ذنوبهم ، وذِكْرُ خاصّة الخاصّة الحياءُ مِنْ عِلْمِ الله بها والحياءُ من نقص الأدب مع الله تعالى ، فيذكر هذه الحالة فيستغفر من ذنوبه . قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : " لَأَنْ أطيعَ الله وأدخل النار أحبّ إليَّ مِنْ أنْ أعصيه وأدخل الجنّة " ، اسْتَحْيُوا من الله مِنْ سوء الأدب ومِنْ وقوع السيّئات منهم لعلمهم أنّها تسوء الحقّ سبحانه وتعالى ، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم:
«
استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحي والحمد لله قال: ليس ذلك كذلك ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتتذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء
»
، إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
، ما معنى هذه التوبة في حقّه صلّى الله عليه وسلّم ؟ فأجاب رضي الله عنه قال : هي الحماية مِنْ مُوَاقَعَةِ الذنوب . قلتُ له : أمّا في النبي صلّى الله عليه وسلّم فَنَعَمْ لأنّه معصوم ، وأمّا مَنْ ذُكِرَ معه في الآية فما معنى الحماية في حقّهم ؟ فهل هي عدم وقوع الذنب في حقّهم كما في حقّه صلّى الله عليه وسلّم ؟ فقال رضي الله عنه : معناها دوام التوبة لهم وعدم الإصرار على الذنوب ، ومَنْ كان هذا حاله كان مثل مَنْ لم يصدرْ منه ذنْبٌ أصلا لقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
التائب من الذنب كَمَنْ لا ذنب له
»
، وقوله :
«
ما أصرّ مَنِ استغفرَ و لو عاد في اليوم سبعين مرّة
»
. ولفائدة أخرى وهي رجوع العبد إلى ربّه والربّ سبحانه وتعالى يحبّ مِنْ عباده الراجعين إليه الذين لا ملجأ لهم غيره في جميع أمورهم ، ومَن كانت هذه حالته مَهْمَا أذنب تاب من حينه إلى ربّه كان محبوبا عند ربّه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناها اتّقوا الله وخافوه من شدّة عقابه وابتغوا الوسيلة وهي الأعمال الصالحات التي فيها رِضَاُه سبحانه وتعالى ، ويُؤخَذُ من هذه الآية على طريق الإشارة : وابتغوا إليه الوسيلة التي تنقطعون بها عن غيره لتتّصلوا به ، ولا وسيلة أعظم من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ولا وسيلة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعظم من الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم . ومِنْ جُمْلَةِ ما يُبْتَغَى مِنَ الوسيلة إلى الله تعالى الشيخ الكامل ، فإنّه من أعظم الوسائل إلى الله تعالى
والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
، فأجاب رضي الله عنه : النبيّ صلّى الله عليه وسلّم له الاستيلاء على جميع المراتب والانفراد بالحُكْمِ والتحكم فيها بكلّ وجه وبكلّ اعتبار ، والمراتب هي أفراد المخلوقات من كلّ جوهرٍ وكلّ ذاتٍ وكلّ ذرّةٍ وكلّ جرمٍ ، وكلّ ذاتٍ على انفرادها هي مرتبةٌ للحقّ ، وكلّها مراتب إلهيّة ، فبهذا القدر كان أولى بكلّ أحد من نفسه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ
الآية ؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله : نفى الله العلم بالغيب عن الخلق بهذه الآية فلا يعلمها أحد سواه لكن العلم المنفي ما كان للخلق إليه طريق قط . العلم إلى الخلق مِنْ أَحَدِ ثلاثٍ : إمّا بحاسّة من الحواس ، وإمّا بطريق السمع وتبليغ الخبر ، وإمّا بطريق الفكر وهو النظر في أمور معلومة يُتَوَصَّلُ بالنظر فيها إلى العلم بأمور مجهولة . فهذه الطرق هي المنفية عن الخلق . وبقي الطريق الرابع وهي ما يقذفه الله في قلب العبد بغير حاسّة و لا واسطة ولا فِكْرٍ ويُسمّى هذا بالعلم اللدنيّ ، فإنّ هذا العلم غير منفيّ على الرسول ولا على غيره من النبيّين والمرسلين ، يشهد بهذا قوله سبحانه وتعالى :
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ
الآية ، قال المرسيّ : " أو صدّيق أو وليّ " ، يشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لا ينكره عليهم إلا أهل الغرة بالله
»
. وبعبارة أخرى قال : المراد بالعلم الذي نفاه الله عن خلقه في الخمسة وغيرها من المغيّبات هو العلم المكتسب الذي يتوصّل إليه الخلق بأحد أمور ثلاثة كما تقدّم إمّا من أخبارٍ سمْعيّةٍ أو بأدِلَّةٍ فكريّة أو بمُعَايَنَةٍ حِسِّيَّةٍ ، فهذه الطرق هي التي حجر الله عن صاحبها أن يعلم الغيب ، وأمّا مَنْ وَهَبَهُ الله العلمَ اللدنيَّ فإنّه يعلم بعض الغيب كهذه المذكورات أو غيرها كما في قصّة الخضر وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنّه فَعَلَ ما حكاه الله عنه عن عِلْمٍ ولم يَعْلَمْه كليم الله ، قال تعالى :
وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا
، هذا دليل على أنّ مَن عَلّمَهُ الله العلم اللدنيّ أنّه يعلم بعض الغيوب التي أخفاها الله على كثير من خلْقه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ
إلى قوله :
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ
، فأجاب رضي الله عنه : الكلام في هذه الآية من طريق التأويل ، فإنّ التأويل كلّه يسعه القرآن ، وتأويلها أن كلّ رسول يتمنّى إسلام المرسل إليهم
وهدايتهم حرصا على أمر الله وشفقة عليهم ، فإذا تمنّى هذا ألقى الشيطان في قلوب المرسلين إليهم نقيض ما تمنّاه ضلالا وكفرا فينتقص الرسول ذلك ، ثمّ ينسخ الله ما يلقي الشيطان في قلوب المرسلل إليهم من المعاصي والكفر والتكذيب ، ثمّ :
يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ
، ومعناه ما تدلّ عليه الآية المنزّلة من الإيمان بالرسول والْفَيْء إلى أمر الله والوقوف عند حدوده وهي الآيات المحكمات والسلام .
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
فهذا شاهد في الآية بعِصمة الوحي من تطرّق الشيطان ، والثاني قوله سبحانه وتعالى في الآية التي زعموا فيها الغرانيق :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
فإنّه لو كان معها حديث الغرانيق لضحكت منه جميع العرب وسخروا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبوحيه وبيان ذلك أنّهم يقولون :
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
إلى آخر الآية ، يقولون فيها سمع المشركون تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ثمّ يقول بعد ذلك :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
، فإنّ الكلام المقدّس الجليل يُنَزَّهُ عن مثل هذا القدر الفاحش إذْ لا يوجد فيه أوّل الآية يدلّ على مدح الشيء وآخرها يدلّ على ذمّه ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا
، فأجاب رضي الله عنه بقوله : هي في الآخرة . قلتُ له : سياق الآية يدلّ على أنّها في الدنيا ، قال : المعاينة تدلّ على أنّها في الآخرة لأنّا نشاهد كثيرا من الكفرة في سعة من سعة الدنيا ، ولو كان الضنك في الدنيا لم يكونوا كذلك ، فدلّتْ سعة الدنيا التي نشاهدها بأيديهم على أنّ معيشة الضنك في الآخرة عمّن أعرض عن ذكر الله ، ويدلّ عليها قوله تعالى :
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ
ولو كان الضنك ما سألهم ما فرحوا ، وكذلك من الدليل عليها قوله سبحانه وتعالى فيهم :
إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
، والمترف هو الناعم البدن والنعيم في البدن مستحيل مع ضنك المعيشة لِمَا يصحبه من الحزن فلا يتأتّي نعيم بدنه ، إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
، وفي الآية الأخرى :
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ
إلى غير ذلك من الآيات التي نحت هذا النحو مع حديث عائشة رضي الله عنها أنّها قالت :
«
من قال أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعلم ما في غد فقد كفر
»
، أو ما هذا معناه ، مع أنّ عِلْمَ الأوّلين والآخرين محمول في ذاته الشريفة ، وهو الموصل إلى كافّة الخلق كلّ على قدره ؟ الجواب : إعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعلم علوم الأوّلين والآخرين إطلاقا وشمولا ، ومن جملة ذلك العلم بالكتب الإلهيّة فضلا عن القرآن وحده ، ويعلم مطالبة الإيمان ، بدايته ونهايته ، وماهيّة الإيمان وما يفسده وما يقوّيه ، كلّ ذلك هو ثابت في حقيقته المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم ، وأمّا قوله سبحانه وتعالى :
مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
فإنّ هذا الحال كان له قبل النبوّة لم يُعلِمْه الله بحقيقة الإيمان ولا بكيفية تنزيل الكتب ولا بماهيّة الرسالة وتفصيل مطالبها ، كلّ ذلك حجبه الله عنه قبل النبوّة وهو مكنوز في حقيقته المحمّديّة ولا يعلمه ولا يشعر به ، حتّى إذا كان زمن النبوّة رفع الله عنه الحجب وأراه ما في حقيقته المحمّديّة ، يشهد لذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
رأيت ربيّ في صورة شاب
»
إلى أن قال :
«
وضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمني علوم الأولين والآخرين
»
، وهذا كان في زمن النبوّة رفع الله عنه الحجاب وأراه ما أدرجه الله له في حقيقته المحمّديّة مِن كنوز المعارف والعلوم والأسرارالتي لا يُحاط بساحلها ولا يُنتهَى إلى غايتها .
مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
، أخبر عن حالة احتجاب ما كان في حقيقته أوّلا عن علمه صلّى الله عليه وسلّم بها فقط لا أنّها لم يكن العلم بها في حقيقته ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم قبل النبوّة من حين خروجه من بطن أمّه لم يزل من
أكابر العارفين ولم يطرأ عليه حجاب البشريّة الحائل بينه وبين مطالعة الحضرة الإلهيّة القدسيّة ، وكان من أفراد العالم ، الفرد نسبته إلى عموم العارفين والصدّيقين كنسبة العارف بالله إلى العامّة لا يعرفون شيئا ، وكان في تلك المرتبة صلّى الله عليه وسلّم متحقّقا بمرتبة أنْ يأخذ العلم عن الله بلا واسطة ولا يجهل شيئا من أحوال الحضرة الإلهيّة ، ولم يطرأ على شمسه في هذا المحلّ أُفُوالٌ صلّى الله عليه وسلّم ، والعلم بالله تعالى الذي هو عند الأفراد العارفين ثابت له في هذه المرتبة وإنّما حجب الله عنه في هذا الميدان ماهيّة الرسالة ومطالبها وما يؤول إليه وما يراد منها ، وكذا حجب الله عنه العلم بكيفيّة نزول الكتب وما يؤول إليه وما يراد منه وما الأمور التي تطلبه في نزول الكتب ، حتّى إذا بلغ مرتبة النبوّة رفع الحجاب بين علمه وبين ما كان مُودَعًا في حقيقته المحمّديّة من العلوم والمعارف والأسرار ، ويدلّ على هذا الذي ذكرناه قولُه صلّى الله عليه وسلّم :
«
كنت نبيا وآدم بين الماء والطين
»
، وحيث كان في ذلك الوقت نبيّا يستحيل أن يجهل الرسالة والنبوّة والكتاب ومطالبات الجميع وما يؤول إليه كلٌّ منها وما يُراد من جميعها ، فالحديث شاهد على ما ذكرناه .
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ
.
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ
الآية الجواب : أنّه صلّى الله عليه وسلّم عند العلم القطعيّ بأنّه عروس المملكة الإلهيّة ، وأنّه ليس في جميع الخليقة أكرم منه على الله تعالى ولا أحبّ عليه منه ولا أعزّ ولا أكبر حظوة عند الله منه ، وأنّه مأمون العاقبة في الآخرة لا يلحقه لا ألم ولا عذاب ، وأنّه في الدرجة التالية من النعيم الدائم المقيم ورضا الله الأبديّ السرمديّ ، كلّ هذا لا يداخله فيه ريب ولا شكّ . وما ذكر صلّى الله عليه وسلّم مِن قوله :
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ
يحتمل أنّه أراد تفصيل ما يقع به من النعيم وتفصيل العطايا والمنح الواردة عليه من الله تعالى ، فإنّه إنْ عَلِمَهُ بجملتها يمكن أن لا يحيط بتفصيلها على دوام الأبد في الجنّة فإنّ في علم الله ما لا تسعه العقول . وإنْ قلنا أنّه صلّى الله عليه وسلّم محيط علما بجميع هذا فيقع له في باله أن يكون عند الله ما لا يعلمه من العطايا والمنح التي يصبّها عليه في دار النعيم ولا يعلمها إلاّ عند وجودها ، فهذا غير مستبعد . ويحتمل أنْ يكون أراد بقوله :
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ
فإنّه رَدَّ الأمر إلى إحاطة العلم الأزليّ الإلهي ، فإنّ عِلْمَ الله في هذا الميدان لا يحيط به محيط لا نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم ولا غيره ، يشهد لذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
ولا أعلم إلا ما علمني الله
»
، وقوله ، حاكيا عن نفسه ممّا ذَكَرَ الله عنه في الآية :
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
فيحتمل أنّه ردَّ الأمر إلى حقيقة العلم الأزليّ لأنّه لا يحاط به وإنْ كان عالما بما ذُكِرَ أوّلا . وأمّا أنْ يُتَوَهَّمَ من هذا الخبر أنّه لا يعلم هل يرحمه الله أو يعذّبه أو يقرّبه أو يطرده في الدار الآخرة فهذا لا تقبله الحقيقة ، يدلّ عليه قوله سبحانه وتعالى :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
وقوله :
وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
ومُحالٌ أن يكون هذا الأمر منه سبحانه وتعالى وهو يتخوّف عليه العذاب ، فإنّ وَعْدَهُ لا يُخْلَفُ .
الصفحة الخامسة >>
