نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الخامس - الفصل الأوّل - الصفحة العاشرة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الخامس > الصفحة العاشرة


ثمّ إنّه تُورد علينا هنا اعتراضات ممّن لا عِلْمَ له بحقيقة الأمر .
الاعتراض الأوّل : هو أنْ يقول المعارض إذا كان كلّ شيء منه بوحي فما بال القضيّة التي بعث فيها صلّى الله تعالى عليه وسلّم خبيبا وأصحابه مع الطائفة الذين أظهروا الإسلام وطلبوا منه أن يبعث معهم من يفقّههم في الدين ، فبعث معهم صلّى الله عليه وسلّم خبيبا وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح في رجال معهم ، فلمّا بلغوا أرضهم أظهروا كفرهم وقتلوهم إلاّ خبيبا فإنّهم باعوه لقريش فقتلتهم قريش ؟ فلو كانت القضيّة عن وحي ما بلغت هذا المبلغ .
قلنا ، الجواب عند هذا الاعتراض : إعلم أنّه صلّى الله عليه وسلّم عمل في ذلك بقوله سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وبقوله سبحانه وتعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، فكان عمله صلّى الله عليه وسلّم فيها بهذا الوحي ، وكونه لم يعلم عاقبة الأمر ولا عرّفه الله بصرف البلاء عنه في هذه القضيّة الذي أصاب أصحابه فإنّ الله عزّ وجلّ ليس عليه أن يخبر خلقه إذا كلّفهم بأمْر بجميع ما يلاقون من البلايا ، وإنّما كلّفهم ليوفّوا بأمره وإن كانت عاقبتهم فيها الهلاك الدنيويّ . فلا لوم عليه في ذلك لأنّه كلّف في عباده بتوفيّة أمره ليكمل ثوابهم في الدار الآخرة ويصرف عنهم عذابهم في الدار الآخرة . وأمّا بلاء الدنيا فما أخبرهم في تكليفه بأنّهم لا يصيبهم بلاء في توفية أمْره سبحانه وتعالى لا يُسأل عمّا يفعل ، ألا ترى كيف أرسل رُسُلَهُ للخلق وفي الرسل من كانت عاقبته أن قتلته أمّته . فليس للرسول أن يلوم ربّه في هذا بقوله معاتبا كيف ترسلني إليهم وقد علمتَ أنّهم يقتلونني ، فلو علمتُ بهذا ما ذهبت إليهم . فليس له أن يعاتب الله بهذا العتاب ، ولكنّه بلاءٌ لَحِقَهُ في تأدية التكليف ، فثوابه واقع على الله تعالى وليس له أن يخاصم ربّه ، فهذا جواب هذه القضيّة .
والاعتراض الثاني : هو أنْ يقول المعارض مثلا كيف تصنع في قضيّته صلّى الله عليه وسلّم حيث بعث أصحاب بئر معونة مبلّغين إلى أهل نجد رسالته وأحكامه ويدعونهم إلى الإسلام ، وكان الذي أثاره على ذلك أبو براء العامريّ حيث قال له : " أنا جار لهم " إذ كان قال له صلّى الله عليه وسلم : " يا محمّد لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوْت أن ستجيبوا لك " ، قال له صلّى الله عليه وسلّم : " إنّي أخاف عليهم من أهل نجد " ، قال له : " أنا لهم جار " ، والجار هو المانع . فبعثهم صلّى الله عليه وسلّم فقتلوا عن آخرهم ، قتلهم أهل نجد إلاّ عمرو بن أميّة الضمريّ كان أعتقه عدوّ الله عامر بن الطفيل وقد كان أراد قتله ظنّ أنّه من الأنصار ، فقال له عمرو رضي الله تعالى عنه : لستُ من الأنصار وإنّما أنا من مضر ، فقال له عدوّ الله : كان نَذْرٌ على أمّه أن تعتق رقبة من ولد إسماعيل ، فحيث أنت من مُضَرٍ أنت هو ، فأعتقه في نَذْرِ أمّه ، فما نجا من أولئك الرهط غيره . فلمّا بلغ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبره بمقتل أصحابه ، قال صلى الله عليه وسلم : « هذا عمل أبي براء لي قد كنت لبعثهم كارها » ، وقد توجّع باطنه لذلك صلّى الله عليه وسلّم .
يقول المعارض لو كان هذا عن وحي ما حلّ بهم هذا الأمر ولا قال : « كنت لبعثهم كارها » .
والجواب عن هذا الاعتراض : إعلم أنّ أذواق العارفين في ذوات الوجود أنّهم يرون أعيان الموجودات كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ الآية ، فما في ذوات الوجود كلّه إلاّ الله سبحانه وتعالى تجلّى بصورها وأسمائها ، وما ثَمَّ إلا أسماؤه وصفاته ، فظاهر الوجود صور الموجودات ، صورها وأسماؤها ظاهرة بصورة الغير والغيرية ، وهو مقام أصحاب الحجاب الذين حُجِبوا بظاهر الموجودات عن مطالعة الحقّ فيها ، وإنّما مرتبة الصدّيقين الكوْن عندهم معتقد فقط ، والظاهر المحض إنّما هو وجود الحقّ وحده في كلّ شيء ، فإذا رأيتَ ما يظهر من صور الموجودات على اختلاف أحواله وتباين أشكاله وتشتيت أموره من مذمومة و محموده فما فيها إلاّ تجلّيات الحقّ سبحانه وتعالى بشؤونه ، قال جلّ جلاله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، وتلك الشؤون في الموجودات هي تجلّياته فيها سبحانه وتعالى بضُروب أموره واختلاف شؤونه .
فيقول المعارض مثلا : إذا كان هذا أمر الصدّيقين فكيف يتعقّل أنّ هذا عدوٌّ له وهذا محب له ، وهذا يحمده وهذا يذمه ، وهذا يفيض عليه الخيرات وهذا يترصّد له الهلاك والشرور ، والحقّ واحد لا يتبدّل ولا يتعدّد ، فكيف يكون هذا في الصدّيق وهو يرى اختلاف أحوال الأكوان ؟
الجواب : إعلم أنّ عند الصدّيق بل كال صدّيق من العلم القطعيّ من عند الله بطريق الوحي التحقيقي بما أفاض عليه من العلوم وعرّفه من حقائقها كأنّه يقول سبحانه وتعالى : أنا الواحد الحقّ الذي لاشيء غيري وأتجلّى في كلّ مرتبة بما أشاء من الشؤون سواء طابقت الأغراض أو خالفتها ، فكأنّه يقول لكلّ صدّيق أنّ تجلّياتي في فلان لك لا أعطيك منه إلاّ صورة المحبّة وإفاضة الخيرات منه وآثرتك منه على نفسه ، وكذا في بني فلان ولا أتجلّى لك فيهم إلاّ بصورة المحبّة والنعمة وبذل الخيرات ، وكذا في بلد كذا لا أتجلّى لك فيهم إلاّ بصورة المحبّة والتعظيم والإجلال ، وما ثَمَّ غيري إنّما هُمْ صُوَرٌ لا شيء فيها ، فاحمدني واشكرني على ذلك ، وأنّ فلانا مثلا لا أتجلّى لك فيه إلاّ بصورة العداوة المحضة، والشر البالغ القهر والقتل ، فخَفْ منّي واحذرني فيه ولا تأمن مكري فيه فإني لا أفعل بك في تلك الصورة إلاّ شرّا ولا تَرَى منّي فيها إلاّ شرّا ، وكذا في بني فلان لا ترى منّي فيهم إلاّ شرّا وهلاكا وضررا ، وكذا في بلد كذا لا ترى منّي فيها إلاّ ذُلاّ وإهانة وانخفاضا واستكانة ولا ترى منّي فيهم ما تحبّ أصلا ، فخَفْ منّي واحذرني في جميعهم ولا تأمن مكري فيهم وكن شديد الاحتراز منّي فيهم فما ثَمَّ غيري في جميعهم ، فانا المتجلّي فيهم بشؤوني ، فإنّك إنْ أمِنْتَ منّي فيهم أهلكْتُك وسلّم لي تدبيري في مُلكي وسلّم تصريف مشيئتي فإنّما أنت عبد مقهور تحت حُكمي وإرادتي ، ولو بلغتَ من الشرف عندي إلى الذروة العليا فإنّما أنت عبدي ولا خروج لك عن العبوديّة ، كما أنّي أنا الإله الكامل الذي لا يقدر على مناقشتي أحد في مرتبة الألوهيّة ، وليس لك أيّها الصدّيق أنْ تقول أنا لك مُحِبّ ولأمْرِكَ مطيع فكيف تفعل بي شرّا في صور الموجودات ؟ ليس لك ذلك ، أنا الإله أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد رضيَ العبيد أم سخطوا ، وليس لكم معشر العبيد إلاّ الرضا والتسليم ، ولا سبيل لكم أن تحجروا تجلّياتي في خلقي فتجعلوها جارية على أغراضكم ، فهذا مشهد الصدّيقين فإنّهم في كلّ ما يرون من الوجود لم يروا على البديهة إلاّ الحقّ سبحانه وتعالى فَعَلَ ذلك وتَجَلَّى به ، فهُمْ يأخذون العلم عن الله تعالى في كلّ مرتبة من الوجود ظاهرا و باطنا .
فإذا عرفتَ أنّ هذا مشرب الصدّيقين فاعلم أنّه صلّى الله عليه وسلم كان غريق هذا البحر ، وما حصل للنبيّين والصدّيقين إلاّ نقطة من هذا البحر . فاعلم أنّه كان في مظهر أبي براء العامريّ حيث خوطب بالخطاب الظاهر الذي هو روح الأمر بقوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، فهو يبلّغ وحيث عرض عليه أبو براء يبعث أصحابه إلى أهل نجد ليؤمنوا به قال : إني أخشى عليهم من أهل نجد ، فإنّه ما تعقّل صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الوقت من الله إلاّ محض تجلّيه عليه بالشرّ فيهم فلذلك قال صلّى الله عليه وسلّم : أخشى عليهم من أهل نجد ، فإنّه ، كما قدّمنا في حقّ الصدّيق ، أنّ القطعيّ عنده من الله أنّ أهل نجد لا أتجلّى عليك فيهم إلاّ بالشرّ فَخَفْنِي فيهم واحذر منّي فيهم ولا تأمن مكري فيهم ، فلمّا خاطبه أبو براء قال له أنا لهم جار والجار – قلنا - هو المانع ، وأبو براء مرتبة من مراتب الحقّ ، وسمع خطاب الحقّ وفيه أنا لهم جار بعد أن أعلمه الله أنّه لا يفعل معه إلاّ شرّا فيهم ، فوثق بقول أبي براء ، ووثوقه به مِن حُسْنِ ظنّه بالله تعالى ، ظنّ أنّ ذلك القول يحميه ممّا خوّفه الله منه أوّلا ، فإنه أوّلا امتنع من بعثهم ممّا عنده من العلم بالله أنّه لا يتجلّى له فيهم إلاّ بصورة الشرّ فلهذا العلم المقرّر عنده قال في آخر الأمر : « كنت لبعثهم كارها » ، وكراهيّته صلّى الله عليه وسلّم لأجل هذا العلم ، فلمّا سمع قول أبي براء ، وما هو إلاّ خطاب الله تعالى فيه ، وهو صريح الوحي الذي هو قذْف العلم من عند الله إلى بصيرة الصدّيق في صور المراتب ، فإذًا أحسن الظنّ بالله بما سمع من أبي براء وظنّ أنّ ما خوّفه منه أوّلا ستطفأ ناره ويعقبه الخير ، فما تمكّن ما ظنَّه وأوقع الأمر على ما خوّفه منه أوّلا وردّ الذمّ إلى أبي براء ظاهرا ولم يَرُدَّهُ إلى الله قياما بحقّ الأدب ومراعاة لباطن العلم الإلهيّ مِن حيث أنّه ما ثَمَّ إلاّ الله ، وكان الوحي في ذلك ما ذَكَرْنَا ففعل الأمر في ذلك من بعثهم بوحي يوحى، حيث أخذ العلم عن الله في مرتبة أبي براء وظنّ أنّ ما خُوِّفَ منه أوّلا لا يقع ، فمَا خرجَ عن الوحي . إنتهى .
وكذا يقول المعارض أيضا في قضيّة غنيمة بدر حيث ابتدروها ولم يتقدّم لهم وَحْيٌ إلهيّ في تحليلها ، فأنزل الله سبحانه وتعالى : لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، فلو كان أخْذُ الغنيمة عن وحْي إلهيّ ما وقع هذا .
الجواب : إعلم أنّه صلّى الله عليه وسلّم أَخَذَ العلم عن الله اعتقادا لا تصريحا حيث أمرَه بجهاد المشركين وتضييق الأمر عليهم فظنّ أنّه يبيح له أموالهم لأنّه إنْ لم يقاتلهم لِأَخْذِ أموالهم لم يَتَأَتَّ له القتال لأنّه يحتاج في القتال إلى السيف والسلاح والخيل والدوابّ لحمل الجيش وتمكين الزاد ، فلا يتأتّى هذا إلاّ بأخْذ أموالهم ، فظنّ أنّ الإذن في القتال إِذْنٌ في أخْذ أموالهم وإلاّ فما كان يقدر من القتال على شيء لولا الغنائم . فهذا كان اعتقاده صلّى الله عليه وسلّم في تحليل الغنيمة . ثمّ قَوِيَ اعتقاده وَظَنُّهُ بعد هذا في تحليل الغنائم بما أخذ أصحابُه مِن غيرِ عمرو بن الحضرمي ، وهي عيرٌ لقريش كانوا أخذوها قبل بَدْرٍ واقتسموا أموالها فما سمعوا فيها نهيًا ولا وقع لهم هلاك بسببها ، فتقوّى اعتقاده في تحليل الغنائم ، فلمّا وقعوا فيما وقعوا فيه من غنيمة بدر أنزل الله سبحانه وتعالى في شأنها التهويل والترويع والتغليظ والأراجيف الشديدة بقوله سبحانه وتعالى : لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية ، فهذا وجه الجواب في هذه القضية .
ومن ذلك أن يقولَ المعارض مثلا إنّه صلّى الله عليه وسلّم استغفر لعبد الله بن أُبَيّ فأنزل الله سبحانه وتعالى في شأنه : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال صلّى الله عليه وسلّم في هذا : « لو علمت أنّي إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها » ، يقول المعارض لو كان هذا عن وحي ما تَعَقَّبَهُ الله بهذا النهي .
الجواب : إعلم أنّ عمله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك كان عن وحي إلهيّ ، والوحي ههنا الذي عمل عليه هو قوله سبحانه وتعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وقال له : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ، وقال في حقّ اليهود : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وقال له سبحانه وتعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ، وقال له سبحانه وتعالى لما ذكَر مَن أُعِدَّتْ لهم الجنّة : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ الآية ، فعلمه صلّى الله عليه وسلّم على مقتضى هذه الآيات كان يعامل الناس صلّى الله عليه وسلّم بالرحمة والشفقة والعفو والإحسان وعدم المؤاخذة بذنوبهم والصفح عن زلاّتهم ، فهذا كان عمله صلّى الله عليه وسلّم بالوحي لأنّ الله سبحانه وتعالى أمَره في هذه الآيات بالرحمة الشفقة والعفو والإحسان والصفح والتجاوز ومكارم الأخلاق الإلهيّة ، فلذا استغفر لابن أُبَيّ معاملةً بما أمَره الله به ، فقد أخذ ذلك من الوحي وهي الآيات التي ذكرناها قبل .
فإن قيل : إذا كان هكذا عمله في كلّ قضيّة بالوحي فما باله تعقّبه الله بما سمعت من الخبر حتّى قال له سبحانه وتعالى : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ الآية ؟
الجواب : إعلم أنّ عمله صلّى الله عليه وسلّم كان أوّلا بالوحي بمقتضى الآيات التي سمعتها أوّلا ، وذلك الأمر شامل لجميع فروع تلك الشؤون وهذه القضيّة فرْعٌ من فروع تلك الشؤون ، نَسَخَ ذلك الحكمَ فيها سبحانه وتعالى وتعقّبه بحُكمٍ آخر وبقيتْ تلك الأحكام جاريةً على جميع فروعها إلاّ في هذا الفرع فقد نُسِخَ في الحُكم وحده ، ولا حجْر على الله تعالى في أنْ ينسخ حُكْما ويرفعه بعد تقريره فيما شاء من الأحكام .
ومن جملة ما يعترضه المعارض قوله سبحانه وتعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الآية ، فلو كان فعْله صلّى الله عليه وسلّم عن وحي ما عاتبه الله تعالى ولا أخبره الله بالعفو عن فعْله .
الجواب : إعلم أنّ الذين أَذِنَ لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في القعود عن الجهاد في غزوة تبوك أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان كلُّ مَنْ جاءه يعتذر إليه ويذكر له عذرا في قعوده عن الجهاد في تلك الغزوة عملا بقوله سبحانه وتعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وعملا بقول سبحانه وتعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فإنّه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الإذن لِمَن أَذِنَ له منهم مستندا لهذه الآيات ، وأضرابها في العفو عنهم ومسامحتهم فيما يعتذرون فيه ورفع الأثقال عنهم فيما يَشْكُونَ منه ، كلّ ذلك عملا منه صلّى الله عليه وسلّم بالرحمة الإلهيّة التي أُمِرَ بها حيث يقول فيه سبحانه وتعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، هكذا كان استناده الوحي صلّى الله عليه وسلّم . فلمّا كثُر المتلاعبون في بثّ هذه الشكوى عدم تحمل هذه الأثقال كما قال في حقّهم سبحانه وتعالى : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ، ثمّ فضح أسرارهم سبحانه وتعالى يقول : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، فلمّا كثر هذا التخليط منهم واستأثر الكاذب منهم بالصادق عاتب الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم على هذا وأخبره بالعفو عن فعله طلبا منه وأمْرا له بأنْ لا يأذَنَ لهم حتّى يستثبت أمْرُهم ويفحص عن صحّة دعواهم ليتبيّن الصادق من الكاذب . فإنّه صلّى الله عليه وسلّم استند للوحي في فعْلِه صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا كثر الكذّابون واستأثروا بالصادقين عاتبه الله سبحانه وتعالى ، ومراد الله منه أن لا يأذن لهم حتّى يستثبت الأمْر كما ذَكَرْنَا .
ومن جملة ما يعترضه المعترض أيضا ما أنزل الله تعالى في سورة التحريم بقوله : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآية ، يقول المعترِض : لو كان هذا عن وحي ما عاتبه الله تعالى لأنّ ما كان من عند الله لا يوجد فيه الاختلاف ؟
الجواب : إعلم أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان مستندا للوحي في هذه القضيّة حيث قال لزوجته لمّا عاتبه ما مقتضاه إنّي أتركها من أجلكِ وهي أَمَتَهُ التي واقعها في غيبة زوجته ، فلمّا اطّلَعَتْ على ذلك غضبتْ وقال لها : « إنّي أتركها من أجلك » أو ما معناه هذا ، كان عمله في ذلك بقوله سبحانه وتعالى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، ويقول سبحانه وتعالى : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ، فأشفق عليها صلّى الله عليه وسلّم مما حلّ بها من الغيرة وعاملها بالمعروف الذي هو مقتضى الآية ، فلمّا وَرَدَ عليه قول سبحانه وتعالى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ رُفِعَ حكمُ الآية الأولى في هذه القضيّة وحدها ونَسَخَهُ بالآية الثانية حيث قال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ، وهو أمْرٌ له بالرجوع إلى أَمَتِهِ إلى ما كانت عليه . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله سبحانه وتعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ الآية .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : إعلم أنّه وَرَدَ في الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال في يوم القيامة بعد ذكر صلّى الله عليه وسلّم قال : « يقال من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع الشمسَ من كان يعبد الشمس ، ويتبع الطواغيت من كان يعبد الطواغيت ، حتّى إذا لم يبق إلاّ مَن كان يعبد الله مِنْ بَرِّ وفاجِرٍ أتاهم الله في غير الصفة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربّكم فيقولون : نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا ، فإذا جاء ربّنا عرفناه . فيأتيهم الله في الصفة التي يعرفون فيقول : أنا ربّكم ، فيقول : أنت ربّنا ، فيخرّون له سُجَّدًا ، فلا يبقى مَن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ خَرَّ ساجدا ، ولا يبقى من كان يسجد إتّقاءً ورياءً وسمعةً إلاّ انتكص على عقبه » ، وهي آخر فتنةٍ تقع بأهل الموقف ، فهو مراد الآية ، وهو قوله تعالى : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ إلى قوله : وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ .
وأمّا الكلام على العبارة بالكشف والساق فالمراد بالكشف والساق ههنا هو تَبَدِّي ذلك الجلال والكمال العديم المثال ، فهو المراد بالساق ، والعبارة خرجتْ مخرج الأمثال على طريق السياق عند العرب لأنّهم كانوا إذا اشتدّ الأمر واحْتِيجَ إلى القتال الشديد والمصابرة العظيمة للأمر قالوا : الآن كُشِفَ عن ساق ، يعني زال الريب وانزاح الرجاء الذي كان يعتقده المعتقد وأنّ الشدّة لا تقع بهم ، فانكشف الغطاء وتبيّن الاحتياج والاضطرار إلى مقاساة الشدائد والثبوت في موقف الشجاعة وشدّة والصبر لتحمّل الأثقال العظيمة حيث لا ريب في وضوحها و لا رجاء في عدم وقوعها فيقولون كُشِفَ عن سَاقٍ . هذا من حيث صورة الشيء الظاهر المقابَل - بفتح الباء - ، وكذا أيضا هذا المثال في الشخص العامل على مقاساة الشدائد حيث ظهرت والوقوف في موقف الشجاعة وتحمّل الصبر على الأثقال العظيمة ، فإنّه مِن شأن صاحب هذا الأمر أنْ يكشف عن ساقه يشمّر ويشدّ حيازيمه ويكشف عن عضُديْه لملاقاة ما هناك من الشدائد ، فيقال كَشَفَ عن ساق لأنّ كَشْفَ الساق والعضديْن واشتداد الحيازم لازم لهذا الأمر لا يتأتّى بدونه ، فيقولون كَشَفَ عن ساق تعبيرا عن الملزوم يلازمه . ثمّ وجه ضرْب المثل في هذه الآية بقوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ كانّ كلّ عابد لغير الله تعالى من الأوثان والطواغيت يظنّ أنّه ناجٍ بعمله راجٍ الفوز ببلوغ أمله فانكشف لهم الأمر من الله بقوله لهم : مَن كان يعبد شيئا فليتبعه فإذا اتّبع العابدون ما عبدوه قذف بهم مع معبوداتهم في النار ، فذلك هو الكشف عن ساق في ضَرْبِ المثل في الآية حيث بَطلَ ما كانوا يرجونه بالفوز بالبلوغ للآمال بسبب عبادتهم لغير الله تعالى ، فلمّا قذف بهم في النار بطل الرجاء وزال الريب ولم يَبْقَ إلاّ الحقّ المحض الخالص ، فهذا وجه ضرب المثل لمن عبد غير الله تعالى من الطواغيت . ثمّ تبقى الفتنة الثانية لِمَنْ عبد الله تعالى ، هو قوله : « فيأتيهم الله في غير الصفة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه » الحديث ، ومعنى هذا الحديث إنّه تجلّى لهم سبحانه وتعالى من وراء حُجُبِ الأستار ولم يكشف لهم صريح الجلال ، وأسمعهم مع هذا خطاب ذاته بقوله : أنا ربّكم ، والموقف جَمَعَ أصحاب اليقين وأصحاب الإيمان . فأمّا أصحاب اليقين فسكتوا علْما منهم بأنّ ذلك هو الحقّ سبحانه وتعالى وهو الذي يخاطبهم بذاته ولم يعتبروا تلك الأستار التي تجلّى لهم بها من ورائها ، يقول لهم سبحانه وتعالى في هذا المعنى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وقال سبحانه وتعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، فعامّة المؤمنين لِجَهْلِهِمْ الله في مراتبه ظنّا منهم أنّه لا يكلّمهم إلاّ إذا تَبَدّى لهم جلاله وزالت حُجُبُ الأستار فلذا قالوا نعوذ بالله منك ، والصدّيقون والنبيّون ، وقد شملهم الموقف مع أهل الإيمان ، موقنون به أنّه هو المتجلِّي من وراء حجب الأستار كما قال في ظلل من الغمام فلم يَشُكُّوا فيه لأنّ لهم صَفْوَ اليقين لا يقع لهم معه ريب ولا تَوَهُّمٌ ، والفرق بين الإيمان واليقين أنّ رُتْبَةَ الإيمان في منزلة اللّبَنِ الحليب ومرتبة اليقين في مرتبة السمن إذا كَمُلَ خلوصه وصفاؤه ، فإنّه كان أوّلا حليبا مختلطا صفوه وغثاؤه ثمّ انتقل رائبا فزالت عنه ممازجة المائية التي صَحِبَتْهُ من الجسد ، فلمّا مخض زالت عنه اللبنيّة التي هي مع السمن بمنزلة النخالة مع الدقيق ، فلمّا صفا زَبَدُهُ زال عنه ما بقي من القشور عليه فظهرت صورة السمنيّة في غاية الصفاء والتَّجَوْهُرِ ، فهكذا اليقين كان أوّلا إيمانا ، فما زال ينتقل رتبة إلى أن زال الرَّانُ والريب والوهْم ، مثاله مثال الشمس ما دام الليل ظلاما فصاحبُها مؤمن بوقوع الضوء ، ثمّ ينشقّ الفجر عنه فينكشط الظلام شيئا فشيئا حتّى إذا طلعت الشمس لم يبق أثَرٌ للظلام ولا عين ، كذلك صاحب اليقين سَلَبَهُ الله صورةً الغير والغيريّة ولم يبق في حِسِّهِ وشهوده وإدراكاته وذوقه إلاّ الحقّ محضا سبحانه وتعالى مِن كلّ وجهٍ بكلّ اعتبار ، كما قال بعض العارفين :
فلم يَبْقَ إلاّ الله لا شيء غيره      فما ثَمّ موصول ولا ثَمَّ بائن
فإنّه عنه صفو اليقين وكماله يظهر العالم كلّه مترائيا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يظهر بصورة الشَّيْئِيَّةِ كما قال تعالى : يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ، فهذا نظر الموقن في الأكوان ، قال العارف بالله التستريّ رضي الله عنه :
لم نَلْقَ كُنْهَ القوم إلاّ تَوَهُّمًا      وليس بشيء ثابت هكذا الفينا
فلهذا التحقيق لم يقع للموقنين في ذِكْرِ الموقف شكٌّ ولا ريْبٌ لأنّهم يعلمون بل يتحقّقون إنّ تلك الأستار التي تجلى من ورائها لا شيء فيها إنّما هي كسراب بقيعة وصورتها في ذلك صورة الهباء في الهواء أنت تراه صورا مرئية فإذا قبضته بيدك لم تر شيئا ، هكذا صورة الكون عند الموقنين . وأمّا أصحاب الإيمان فليس الله عندهم إلاّ أنّه ليس صورة معينة ولا جسما ولا جهة ولا يوجد في حدّ و لا يقع عليه الكيْفُ ، هذا حدّه عندهم ، فلمّا تجلّى بخلاف هذا قالوا نعوذ بالله منك ، فالكلام سمعوه منه سبحانه وتعالى ولكن أنكروه في الصور، فما مََقَتَهُمْ سبحانه وتعالى لأنّ تلك رتبة إيمانهم ، فتجلّى له حينئذ في الصفة التي يعرفون وهي الحدود المذكورة آنفا ، فيقول : أنا ربّكم ، فيقولون : أنت ربّنا فيخرّون له سُجَّدًا ، الحديث . لكن إنكارهم في المرّة الأولى سَلَبَهُمْ أنوار اليقين فلا يتحقّقون شيئا ، فأنكروه لمّا خاطبهم وفي التجلّي الثاني قذف فيهم أنوار اليقين فعرفوه بتلك الأنوار فقالوا : أنت ربُّنا . ولا تظنّ أنّ مَن عرف الله أيّا كان من المؤمنين والموقنين أنّ ذلك مِن قُوّته أو فكره وإنّما هو بنورٍ مقذوفٍ من عنده سبحانه وتعالى لمَن اختصّه مِن خَلْقِهِ ، فبتلك الأنوار عرَفَه مَنْ عرفه وآمن به مَنْ آمن به ، وبِفَقْدِ تلك الأنوار كفَر مَنْ كفَر به ، يقول في الخبر : إنّ الله خلق الأرواح كلّها في ظلمةٍ ثمّ رَشَّ عليهم من نوره ، فمَن أصابه من ذلك النور آمن ومَن أخطأه ذلك النور كفَر ، فما عَرَفَ اللهَ إلاّ مَنْ عَرَفََ بالله ، فهو المعرف والمُتَعَرِّفُ ، ومَن أبى عنه سبحانه وتعالى ترَكَه يخوض في ظلام الكفر . وقد ذكرْنا في هذا أنّ هذه آخر فتنة بأهل الموقف ، فإنّ الفتن التي قبلها في يوم القيامة كلّها قد انفصلت وانقضى زمانها وصفا الموقف من المشركين إلاّ مَن كان يعبد الله مثل اليهود فحينئذ يفصل بينهم سبحانه وتعالى ثمّ يبعثهم إلى النار حتّى لم يَبْقَ إلاّ المؤمنون فيفصل بينهم سبحانه وتعالى ، وظاهر ما في الأخبار يُعطي الإشكال العظيم في أخبار يوم القيامة ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم أخبر في حديث الشفاعة الكبرى ، حين يشفع في تعجيل الحساب لأهل الموقف ، يقول له سبحانه وتعالى ، بعد أن يُشفِّعه ، قَدِّمْ أُمَّتَكَ للحساب ، فتتقدّم الأمّة المحمّديّة للحساب بما فيهم مِن بَرٍّ وفاجرٍ ووليّ وفرعون ، تتقدّم كبكبة واحدة وقد جمعتهم الملائكة ، فيقفون للحساب بين يديّ الله تعالى فلا يلتفت للأمم حتّى يفصلهم ، فيبعث أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار ، لكن يعارضه حديثان قوله صلّى الله عليه وسلّم : « يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأمّا عرضتان فجدال ومعاذير وأمّا الثالثة فتطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله » ، وهذا صريح في اجتماع الأمم كلّها على هذا المنوال ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث سؤال الرسل مع أممهم عن الرسالة وتبليغها ، فكلّ رسول تجحد أمّته التي كفرت به ويقولون ما جاءنا بشيء ولا أخبرنا بشيء ولا أتانا برسالة بعد سؤال الله له عن الرسالة فيقول : بلّغتُ وأدّيْتُ الأمانة ، فيقول : مَن يشهد لك بهذا ، فيقول : أيْ ربِّ محمّد وأمّته ، فيؤتى بهذه الأمّة تشهد للرسل على أممهم بأنّهم بلّغوا الرسالة وأدّوا الأمانة ، فيخرج الجواب من عند الله تعالى بأنّكم عُدُولٌ مقبولو الشهادة على مَن شَهِدْتم عليه . وفَكُّ الإشكال في هذا أنّ مبدأ الحساب العرضات الثلاث يوبّخ كلّ واحد على فِعْلِهِ سبحانه وتعالى كما قال : وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ، فكلّ واحد يجادل عن نفسه ويعتذر عن قبيح فِعْلِهِ حيث يقول عليه السلام : فأمّا عرضتان فجدالٌ ومعاذيرٌ بقوله سبحانه وتعالى : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ، وأمّا العرضة الثالثة فتطايُر الصحف ، فكلٌّ يأخذ صحيفته بيمينه أو شماله ، فهذا للجماعة لا يختصّ بأمّة وكلّهم في موقف واحد في هذا العرض ، ثمّ ينقل الحال إلى سؤال الرسل وأممِها عن الرسالة ، الأمّة المحمّديّة في هذا كلّه مختلطة بالأمم حتّى تقع الشهادة منهم للرسل واحدا بعد واحد ، ثمّ تنفصل الأمّة المحمّديّة إلى الحساب وحدها فيفصلهم عن آخرهم ، ثمّ ينقل الأمر سبحانه وتعالى إلى محاسبة الأمم أمّة بعد أمّة فإذا فصل الكفار من الموقف ولم يبق إلاّ المؤمنون ومن كان يعبد الله مِن الكفّار مثل اليهود تجلّى عليهم بهذه الفتنة ، ثمّ بعثهم إلى النار ، فإذا لم يبق إلاّ المؤمنون فصَل بينهم في الحقوق التي بينهم ثمّ يبعث منهم أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار ، وأمّا خبر الحوض في الحديث فإنّما هو في مدّة محاسبة الأمّة المحمّديّة للحساب فيأتونه في غاية العطش والكرب من شدّة الظمأ ، فيشرب منه من يشرب ويُطرد عنه من يطرد ممّن لم يُغفَر له من أهل النار ، ويشرب منه من المخلصين من غُفِرَ له أو أدركتْه شفاعةُ الشافعين ، فغفر له وهو قبل الصراط على التحقيق لتواتر الأخبار عليه ، وما ذكَر بعض العلماء من أنّه بعد الصراط لا يصحّ لأنّ مَن جاوز الصراط لا يتأتّى طرْدُه عن الحوض لأنّ مَن جاوَز الصراط فقد كمُلتْ نجاتُه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله تعالى عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن معنى قوله تبارك وتعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وعن وقوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى الآية ، هل كلام الملائكة يستلزم نبوّتها ؟ وكذلك الوحي لأمّ موسى يستلزم نبوّتها أم لا ؟ وهل السيّدة مريم وسيّدتنا فاطمة رضي الله عنهما أيّهما أفضل ؟ والترتيب الذي ذكَره العلماء في التفضيل بينهنّ أنّ السيّدة مريم أفضل نساء العالمين ثمّ آسية بنت مزاحم ثمّ خديجة ثمّ عائشة ثمّ فاطمة رضي الله عن جميعهنّ ؟
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : الجواب ، والله الموفّق بمنّه للصواب : إعلم أنّ نبوّة السيّدة مريم واحتجاج القائل بها بقوله تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ الآية ، وكذلك القول بنبوّة أمّ موسى تمسّكا بقوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى فكلّ هذه الأقاويل باطلة لا يُعوّل منها على شيء ، والقول الحقّ الذي يجب المصير إليه أنّ النبوّة مستحيلة على النساء لا سبيل لهنّ إليها . ثمّ أنّ مريم وآسية قال فيهما صلّى الله عليه وسلّم : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير آسية ابنة مزاحم ومريم ابنة عمران » ، والمراد بذلك أنهنّ أدركن مرتبة الصدّيقيّة التي ليس فوقها في المعرفة بالله والعلم به والرسوخ في العلم إلاّ القطبانيّة والنبوّة ، وهذا غاية ما أدركن . وأمّا خديجة فقد صرّح صلّى الله عليه وسلّم بفضلها في أحاديث حتّى قالت عائشة رضي الله عنها : « ما كنت أغار من امرأة من نسائه صلّى الله عليه وسلّم إلاّ من خديجة » ، من كثرة ما يذكرها صلّى الله عليه وسلّم ويعظّمها ، وقد نقل ابن سبع في شفاءه أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال يوما للناس : « ألا وإن صفوتي من نسائي عائشة ابنة الصديق إلا ما جعل الله من الفضل لخديجة ابنة خويلد » فأظهر فضلها هنا عليها . وقد نقل أيضا ابن سبع في الشفاء حديثا أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال يوما لفاطمة رضي الله عنها : « أنت سيدة نساء العالمين ، فوضعتْ يدها على رأسها حياءً ثمّ قالت له : فأين آسية ابنة مزاحم ومريم ابنة عمران وخديجة ابنة خويلد ، فقال لها صلّى الله عليه وسلّم : آسية سيّدة نساء عالمها ، ومريم سيّدة نساء عالمها ، وخديجة سيّدة نساء عالمها ، وأنتِ سيّدة نساء عالمك » . وقد قال يوما لعليّ رضي الله عنه ، بعد ما عقد له على فاطمة ، قال له : « زوّجتُك سيّدة نساء العالمين » . وأمّا عائشة فقال فيها صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « فضل عائشة على النساء كفضل الثريد عن سائر الطعام » . وقد تعارضت أقاويل العلماء في التفضيل فيما بين فاطمة وعائشة ، كلّ طائفة مالت إلى تفضيل إحداهنّ محتجّين بهذيْن الحديثين ، وقد قال مالك رضي الله تعالى عنه : أمّا أنا فلا أفضّل أحدا على بضعته صلّى الله عليه وسلّم ، مع كون جماعة من العارفين أجمعوا مِن طريق الكشف ، لا من طريق السمع ، على أنّ فاطمة أدركتْ مِن بعد أبيها صلّى الله عليه وسلّم مرتبة القطبانيّة العظمى ، وحيث كان الأمر هكذا فلا نِسبَة بين فاطمة وعائشة ، قال سبحانه وتعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، وليس في خلق الله عزّ وجلّ كلّها عموما وإطلاقا من بعد الأنبياء من البشر والملائكة مَنْ يتأتّى منه أنْ يَصِلَ إلى مقدار ألف جزء مِن تقوى قطب الأقطاب ولو بلغ ، فهو أفضل جماعة المسلمين في كلّ عصر إلاّ ما كان من مفاتيح الكنوز فهو أفضل منهم في أمور وهُمْ أفضل منه في أمور ، فإذا تعقّلتَ هذا ففاطمة أفضل من عائشة قطْعا ومن مريم وآسية .
وكونها رضي الله عنها أدركتْ القطبانيّة دون سائر النساء لكونها لا تحيض ومِن كونها أُعطِيَتْ مرتبة الكمال من أبيها ما لا مطمع فيه للنساء ، فلذلك أدركت القطبانيّة . والقطب سيّد الوجود في كلّ عصر إلاّ ما كان من مفاتيح الكنوز . وسبب عدم حيضها أنّ تكوين نطفتها التي تكوّنتْ في صلبه صلّى الله تعالى عليه وسلم وسلّم تكوّنت مِن أكْلِهِ تفّاحةً من تفّاح الجنّة ، فلِذَا قال فيها أبوها : هي حوراء آدميّة ، وكونها حوراء لأنّها لم تُخلَق من فضلات التراب التي مادّتها ساريّةٌ في جسد آدم عليه السلام إلى سائر بنيه ، فإنّما كانت مادّة نطفتها من معاني الجنّة وأسرارها التي خلق الله منها الحور فكملتْ طهارتُها من ملابسة أحوال البشريّة التي تلابس النساء فكانت بذلك حوراء آدميّة ، وبذلك وصلتْ المرتبة العليا بين يديّ الحقّ سبحانه وتعالى التي ليس فوقها إلاّ النبوّة . وعائشة وغيرها لا مطمع لهنّ في هذا ، فبان لك حينئذ أنّها أفضل من جميع النساء الفاضلات .
وأمّا القول بنبوّة مريم قلنا إنّه باطل ، ووجه إبطاله أنّ القطب في كلّ عصر له وجهة إلى كلّ ذرّة من الموجودات ويمدّها ويقوّمها ، كلّ الوجود ذرّة ذرّة في هذا . فما مِن ساجد سجد لله تعالى في الوجود أو راكع ركع لله تعالى أو قائم قام لله تعالى أو متحرّك تحرّك لله تعالى أو ذاكر ذكر الله تعالى بأيّ ذِكْرٍ في جميع الوجود فالقطب في ذلك هو المقيم له ، فَبِهِ سبّح المُسَبِّح و به عَبَدَ العابد و به سجد الساجد وبه وقعتْ الوجهة الأخرى التي لا تُذْكَرُ . فحاصل الأمر فيه أنّه للوجود كلّه بمنزلة الروح للجسد ، كما أنّ الجسد لا قيام له ولا تعقّل له إلاّ بالروح ولا حركة له إلاّ بالورح وجميع خواصّ الجسم الظاهرة والباطنة من حيث ما هي هي كلّها بالروح الحيوانيّ المتعلّق به ، فإذا انعدمت الروح منه انعدمت جميع خواصّ الجسم وصار ميتا معدوما ، كذلك جميع أجساد الوجود في نسبتها إلى القطب هو لها كالروح للجسد ، فلو زالت روحانيّته منها لانعدم الوجود كلّه ، فهو روح الوجود وكلّ خواصّ الوجود بأسرها على الْتِآمِهَا وافتراقها وعمومها وخصوصها وإطلاقها وتقييدها كلّها لا تلازم ذوات الوجود روحانيّة القطب فيها فإذا أزال القطب روحانيّته عنها انهدم الوجود كلّه وصار ميتا لا خاصيّة له . وهذه القوّة له من تحمّله لِسِرِّ الاسم الأعظم وسريانه في كلّيّة عوالمه ، وبِسِرِّ الاسم الأعظم صار بين يديّ الله تعالى قائما مستكمِلا آداب الحضرة الإلهيّة ومستكمّلا أداء حقوقه سبحانه وتعالى في جميع تجلّياته الأسمائيّة والصفاتيّة والذاتيّة في كل آن وفي كل مقدار طرفة عين ، و لا نهاية لِمَا يتجلّى به ربّنا سبحانه و تعالى في كلّ مقدار طرفة عين من استمرار الزمان مِن أسمائه وصفاته وذاته وتقلّب شؤونه ، والقطب في ذلك كلّه بين يدي الله تعالى يُعطي جميع تلك التجلّيات ما تستحقّه من الآداب والوظائف والخدمة في كلّ مقدار طرفة عين وإنْ كثُرت التجلّيات إلى غير نهاية ، فهو يوفِّي جميع حقوقها وآدابها . فليس في الوجود من يقدر على تحمّل جميع ما يتجلّى به الحقّ سبحانه و تعالى في جميع غيره ، فهو في هذا في كلّ مقدار طرفة عين من عمره ، ولو أنّ جميع الصدّيقين وقفوا مع الله في هذا الموقف لانعدموا في أسرع من طرفة عين ، وهذا دأبُه دَيْدَنًا . فإذا عرفتَ هذا فالنساء لا قدرة لهنّ على هذا التحمّل لضعفهنّ ، ولكون الحيض شاغلا لهنّ عن إقامة الحقوق الإلهيّة . فلو أنّ امرأة قامت مقام القطبانيّة لتعطّل القيام بحقوق الله تعالى في تجلّياته في أيّامٍ مِنْ عمرها هي أيّام الحيض ، فإذا تعطّل القيام بواجبات حقوق الله تعالى انهدمت المرتبة ، أعني القطبانيّة ، وبِهَدْمِهَا ينهدم الوجود . فإذا عرفتَ هذا عرفت أنّه لا نسبة للنساء في تحمّل مرتبة القطبانية . هذا في القطبانيّة ، فانقطاع طمعهنّ في النبوّة أحرى وأوْلى لأنّ النبوّة أكبر من القطبانيّة . وأمّا فاطمة رضي الله عنها فإنّها وصلتْ مرتبة القطبانيّة لأنّها استمدّتْ الكمالات الإلهيّة التي تتحمّل بها سِرَّ الاسم الأعظم والثبوت في مرتبة القطبانيّة ، ولا مطمع للنساء في استمداد تلك الكمالات منه صلّى الله عليه وسلّم إلاّ فاطمة رضي الله عنها فقط . فبذلك كانت هي أفضل النساء على الإطلاق ، وإذا عرفتَ منه أنّه لا مطمع للنساء في درْك الاسم الأعظم .
وأمّا ما استدلّوا به على نبوّة سيّدتنا مريم بكلام الملائكة ، وعلى نبوّة أمّ موسى بالوحي ، فالجواب عن ذلك أنّ الله كلّم إبليس بذاته فلا نبوّة فيها إذِ الربّ سبحانه وتعالى أعلى من الملَك وليست بنبوّة في حقّ إبليس . فأمّا نبوّة أمّ موسى فوَجْهُ إبطال نبوّتها بالوحي قوله سبحانه وتعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وليست بنبوة في النحل وبقوله سبحانه وتعالى : وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ولا قائل بنبوّة السموات ، وبقوله سبحانه وتعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ، يعني الأرض ، ولا قائل بنبوّتها ، فدلّ على أنّ الوحي لا يستلزم النبوّة ، والسلام .
إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه بمجلس واحد ، والسلام .


<< الصفحة التاسعة

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس