نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثالث - الصفحة الرابعة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثالـث > الصفحة الرابعـة


في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الرابعة .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة العارف .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ العارف يكون كامل اليقظة والرضا لأمْرَيْن لا بدّ منهما . الأمر الأوّل : ما يفاتح به في مقامه من الفتوحات والفيوض والتجلّيات وعجائب الحقائق والأسرار، التي لا يطيق العقل إحاطة الإدراك لها فضلا عن التلفّظ بها ، فيعرف ما يلزمه في كلّ فعل وفي كلّ أمر من ذلك على حدته من الوظائف والآداب والمقابلات التي هي مقتضيات للعبوديّة . والأمر الثاني : تيقّظه ورصده لما يتقلّب فيه الوجود من الأطوار من خير أو شرّ أو غير ذلك ، فيعلم في كلّ فصل من ذلك وفي كلّ أمر أيّ تجلّ للحقّ هو البارز فيه ، ومن أيّ حضرة كان ذلك الطور لماذا وجد وماذا يراد منه . فيعطي لكلّ شيء من ذلك وكلّ أمر ما يستحقّه ، بحكم الوقت ، من الوظائف والآداب والمقابلات التي هي مقتضيات العبوديّة حتّى لا يشذّ عليه من ذلك في كلّ مقدار طرفة عين من الزمان شيء . وهذا الأمر هو المعبّر عنه بالمراقبة في مقام العارفين ، وهي مشروطة بتقديم المشاهدة وكمال المعرفة ، فلا تقع ما لم تقع المعرفة والمشاهدة ، فإنّ الروح عند مطالعة الجمال القدسيّ مقتضاها الذهول عن الأكوان لما في الجمال القدسيّ من الشغل عنها ، وهذه المراقبة لأكابر الكمّل من العارفين ، وهي بساط الخلافة الكبرى ، فصاحبها هو الذي يتأتّى له أن يكون خليفة لله على خلقه لاستكماله مرتبة العبوديّة . فإن دامت هذه المعارف يتأتّى له التحقيق بالله في كلّ مرتبة ، وهو المعبّر عنه بالقطب ، وقد لا يكون قطبا . إنتهى .
ثمّ قال رضي الله عنه : المتحقّق بالحقّ من يراه في كلّ متعيّن بلا تعيّن ، والمتحقّق بالحقّ والخلق، يرى أنّ كلّ ذرّة في الوجود لها وجه إلى الاطلاق ووجه إلى التقييد . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن مشاهدة الخلق ، أعني الملائكة والجنّ والإنس .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ أولياء الجنّ دورانهم حول الفعل وسرّ الفعل ونور الفعل ، والروحانيّون دورانهم حول الاسم وسرّ الاسم ونور الاسم ، والملائكة دورانهم حول الصفات وسرّ الصفات ونور الصفات ، وأولياء الآدميّين دورانهم حول الذات وسرّ الذات ونور الذات ، قد علم كلّ أناس مشربهم . الآدميّ : أوّل مرتبة يطّلع عليها في الكشف مرتبة الجنّ ، ثمّ يترقي إلى الرابعة ، لا أحرمنا الله منها والسلام .
ثمّ قال رضي الله عنه : جَوَلاَنُ أرواح الرجال ومشاهدتهم متفاوتة ، فمنهم من حدّه عالم الملك ، وهو من السماء الدنيا إلى الأرض ، فهذا أصغرهم ، ومنهم من يصل إلى عالم الملكوت ، وهو من السماء السابعة إلى هنا ، ومنهم من انتهت علومه إلى عالم الجبروت ، وهو من العرش إلى هنا ، ومنهم من تخرق روحه الطوق الأخضر وتخرج عن كور العالم ، وهم الأكابر ، جعلنا الله منهم بمحض فضله وكرمه ، آمين .
ثمّ قال أيضا ، رضي الله عنه : مراتب الرجال ثلاثة : الأولى ، مرتبة العارفين ، وهي شهود الحقّ في المراتب . الثانية ، مرتبة الأفراد ، وهي شهود الحقّ لا في المراتب . الثالثة : مرتبة القطب ، وهي في غيب الغيب مكتومة لا تذكر ولا يعرفها إلاّ صاحبها ، وهو القطب الجامع ، لأنّ له المرتبتيْن السابقتيْن ، وهو شهوده للحقّ في المراتب للتصرّف في الكون ، ويشاهده في غير المراتب ، وله هذه المرتبة المكتومة لا يشاركه فيها غيره . وممّا أكرم الله به قطب الأقطاب أنْ يعلّمه عِلْمَ ما قبل وجود الكون وما وراءه وما لا نهاية له ، وأنْ يشهده الذات بعين الذات ، وأن يعلّمه علم جميع الأسماء القائم بها نظام كلّ ذرّة من جميع الموجودات ، وهي الأسماء العالية ، وأن يخصّصه بأسرار دائرة الإحاطة وجميع فيوضه وما احتوى عليه . وبهذه خصّ رؤوس الأفراد ، الذين هم مفاتيح الكنوز ، ولا يعلمون أنّها خاصّة به إلاّ قول دائرة الإحاطة ، فإنّهم يعلمونه أنّه خاصّ به ، أمّا مشهده فلا علم لهم به لأنّه يدخل الحضرة من باب المخدع ، وهو محجوب عنهم . ونَسَبَ هذا الكلام رضي الله تعالى عنه لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه .
ثمّ قال أيضا : الخليفة له التصرّف العامّ والحكم الشامل التامّ في جميع المملكة الإلهيّة ، وله بحسب ذلك الأمر والنهي والتقرير والتوبيخ والحمد والذمّ على حسب ما يقتضيه مراد الخليفة سواء كان نبيّا أو وليّا مستوون في هذه المرتبة . والرسول ليس له عموم الأمر والنهي إلاّ ما سمعه من مرسله سبحانه وتعالى ، لا يزيد وراء ذلك شيئا ، وإنّما هو في ذلك مبلّغ فقط ليس بآمر ولا ناهٍ ، إلاّ أن يكون الرسول خليفة فله المرتبة الأولى ، فالخليفة الوليّ أوسع دائرة في الأمر والنهي والحكم من الرسول الذي ليس بخليفة . مثاله في الشاهد مثال الملك الأعظم ، يولّي أحدا من حاشيته رتبة التصرّف في جميع مملكته من رعيّته توكيلا له واستخلافا ، ولا يولّي ذلك وزيرَه ولا أهلَ مجالسته مع كونهم أعظم عنده من أهل حاشيته في المرتبة . وهذا المثال يدفع ما يُتَوَهّمُ مِنْ شفوف مرتبة الوليّ الخليفة على مرتبة الرسول الذي ليس بخليفة . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ثمّ سألته أيضا عن معنى قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية .
معناه : ينوب عنه في مملكته سبحانه وتعالى ، فحيثما كان الربّ إلهاً كان هو عليه خليفة في الأحكام في جميع المملكة . قال الجيلي رضي الله عنه في هذا المعنى:
وأمري بأمر الله إن قلت كن يكن      وكلٌّ بأمر الله فالحكم بقدرتي
وكذلك قول الشيخ زرّوق رضي الله عنه ، وكقول غيره : " يا ريح اسكني عليهم بإذني " ، معنى ذلك أنّه خليفة استخلفه الحقّ على مملكته تفويضا عامّا أنْ يفعل في المملكة كلّما يريد ، ويُمَلِّكه الله كلمة التكوين متى قال لشيء كُنْ كان من حينه ، وهذا من حيث بروزه بالصورة الإلهية المعبّر عنها بالخلافة العظمى ، فلا يستعصي عليه شيء من الوجود . قال سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : " أنا مبرق البروق ومرعد الرعود ومحرّك الأفلاك ومديرها " ، يريد بها أنّه خليفة الله في أرضه في جميع مملكته . إنتهى ما أملاه رضي الله عنه .
وممّا يؤيّد كلام سيّدنا عليّ رضي الله عنه قول بعض الكبار : " إنّي أرى السموات السبع والأرضين السبع والعرش داخلا في وسط ذاتي " ، وكذا ما فوق العرش من السبعين حجابا ، وفي كلّ حجاب سبعون ألف عام ، وبين كلّ حجاب وحجاب سبعون ألف عام ، وكلّ ذلك معمور بالملائكة الكرام ، وكذا ما فوق الحجب السبعين من عالم الرَّقّا ، بتشديد الراء والقاف . فكلّ هؤلاء المخلوقات لا يقع في فكرهم شيء ، فضلا عن جوارحهم ، إلاّ بإذن صاحب الوقت ، أعنى به القطب . إنتهى . وهذه المرتبة أعطاها الحقّ له لكونه خليفة عنه .
وممّا أكرم الله به الخليفة ، وهو قطب الأقطاب ، مع الوصف المتقدّم بأمور خصّها الله بها أكابر الأولياء ، وهم رؤوس الأفراد ، هو ما أجاب به سيّد الوجود وعلم الشهود صلّى الله عليه وسلّم سيّدَنا شيخنا ، حين سأله عن مفاتيح الكنوز وقطب الأقطاب أيّهما أعلى مرتبة عند الله تعالى ؟ فقال له صلّى الله عليه وسلّم : هو أعلى منهم في مقامات ومراتب . أورثه الله التجلّي الكامل المحيط بالتجلّيات كلّها ، وأورثه الله الاسم الأعظم بجميع إحاطته ، وأورثه الله المدد من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلا واسطة ، وأورثه الله مدد جميع الأولياء يكون على يديه ، وتحريك الجمادات ، وتحريك كلّ حيّ ، والإمارة على كلّ شيء ، والتعظيم على كلّ شيء . وبالمعاني التابعة للكلام المتقدّم ، هذا المفتاح الذي ورثه من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهو خليفته صلّى الله عليه وسلّم في ذلك . إنتهى جواب سيّدنا سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم لسيّدنا وقدوتنا رضي الله عنه .
وقال رضي الله عنه : أوصاف القطب يُرَى عالما كجاهل ، أبله فطنا ، آخذا تاركا ، زاهدا رغبا ، سهلا عسرا ، هيّنا صعبا ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة القطبانيّة .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ حقيقة القطبانيّة هي الخلافة العظمى عن الحقّ مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا ، حيثما كان الربّ إلهاً كان هو خليفة في تصريف الحكم و تنفيذه في كلّ مَنْ عليه ألوهيّة الله تعالى ، ثمّ قيامه بالبرزخيّة العظمى بين الحقّ والخلق ، فلا يصل إلى الخلق شيء ، كائنا ما كان ، من الحقّ إلاّ بحكم القطب وتولّيه ونيابته عن الحقّ في ذلك وتوصيله كلّ قسمة إلى محلّها ، ثمّ قيامه في الوجود بروحانيّته في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود جملة وتفصيلا ، فترى الكون كلّه أشباحا لا حركة لها ، وإنّما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلا وقيامه فيها في أرواحها وأشباحها ، ثمّ تصرّفه في مراتب الأولياء ، فيذوق مختلفات أذواقهم ، فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه ، فهو المتصرّف في جميعها والمُمِدّ لأربابها ، وله الإختصاص بالسرّ المكتوم، الذي لا مطمع لأحد في دركه ، والسلام .
ومعنى البرزخيّة العظمى ، قيامه بين الحقّ والخلق بالنيابة عن الحقيقة المحمّديّة ، واختصاصه أيضا بالتحقّق بأمر الله في كلّ مرتبة من مراتب الوجود ، وإعطائه لكلّ مرتبة من المراتب ، حقيّة أو خلقيّة ، حقّها بما تستحقّه من الآداب ، وليس هذا لغيره من العارفين ولا لمفاتيح الكنوز ، فهو في جميع هذه الأمور خليفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دون جميع الأولياء . وجملة ما فيه ، أنّه في جميع مراتبه في حضرة الحقّ نسبته عند الله إلى جميع الوجود من العارفين ومن ورائهم بمنزلة إنسان العين ، به يرحم الوجود ، وبه يفيض الإفادة على جميع الوجود ، وبه يبقى الوجود في حجاب الرحمة واللطف ، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكلّ العباد وسحابة ماطرة في سائر البلاد ، وجوده في الوجود حياة لروحه الكلّيّة ، وتنفّس نفسه يمدّ الله به العلويّة والسفليّة ، ذاته مرآة مجرّدة ، يشهد كلّ قاصد فيها مقصد حضرته صباغة تصبغ كلّ من أمّ له فيما توجّه إليه وأمله ما شهدته الأولياء الصادقون كلّ واحد منهم في قوّته قوّة مائة رجل الخ فيه خلعة عليك ، وما نسبته إليه صيّره إليك . وإيّاك أن تحرم احترام أصحاب الوقت فتستوجب الطرد والمقت . من أنكر على أهل زمانه حرم بركة أوانه ، المتسوّف من بضاعة الزمان ممتدّ بمدد رزق الأوان ، ومَن أنكر وأكثر المراء فقد منع نفسه الشراء . ورضي الله عن هذا الإمام، وحشرنا في زمرة هذا الهمام ، بجاه خير الأنام عليه من الله في كلّ لمحة أفضل الصلاة وأزكى السلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ثمّ قال رضي الله عنه : إعلم أنّ الأولياء الصادقين كلّ واحد منهم في قوّته قوّة مائة رجل ، والعارفون بالله أهل عالم الملك كلّ واحد منهم في قوّته قوّة ثلاثمائة رجل ، وأهل عالم الملكوت لكلّ واحد منهم قوّة خمسمائة رجل ، وأهل عالم الجبروت لكلّ واحد منهم قوّة سبعمائة رجل ، وقوّة كلّ واحد منهم ، أيّ من أهل عالم الأمر ، قوّة ألف رجل ، وقوّة قطب الأقطاب ألف وخمسمائة رجل ، وقوّة الأفراد الأربعة سبعمائة رجل ، وقوّة مفاتيح الكنوز قوّة كلّ واحد منهم قوّة ألفي رجل . إنتهى .
ومعنى عالم الملك والملكوت والجبروت وعالما الأمر . أمّا عالم الملك هو من السماء إلى الأرض ، وعالم الملكوت هو من السماء الأولى إلى السماء السابعة ، وعالم الجبروت هو من السماء السابعة إلى الكرسيّ ، وعالم الأمر هو من الكرسيّ إلى العرش إلى ما وراءه ، فمعنى الملك هو عالم الناسوت ، وهي شدّة الكثافة ، وهو التجلّي بالأجسام الكثيفة ، والملكوت عالم الأنوار ، وهو التجلّي بصور الأجسام اللطيفة ، والجبروت عالم الأسرار ، وهو التجلّي بصور الأجسام القدسيّة من الكروبيين ومن ضاهاهم ، وعالم الأمر هو التجلّي بصور الروحانيّة القدسيّة المنزّهة عن المادّة والطبيعة . فكلّ عالم تجلّى فيه بنسبة من نسب الحضرة الإلهيّة . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه وأدام علاه ، أمين .
ثمّ قال رضي الله عنه : الأصل في كلّ ذرّة في الكون هي مرتبة للحقّ سبحانه وتعالى يتجلّى فيها بما شاء من أفعاله وأحكامه ، والخلق كلّهم مظاهر أحكامه وكمالات ألوهيّته ، فلا ترى ذرّة في الكون خارجة عن هذا الأمر ، فما ثَمَّ إلاّ كمالات ألوهيّته ، ويستوي في هذا الميدان الحيوان والجمادات والآدمي وغيره ، ولا فرق في الآدميّ بين المؤمن والكافر ، فإنّهما مستويان في هذا البساط ، ويكون ، على هذا الأصل ، في الكافر التعظيم لأنّه مرتبة من مراتب الحقّ . والإذلال والإهانة والصولة عليه للمؤمن من أحكام طارئة عليه لا تهدم قواعد الأصل لأنّ الأصل لا ينهدم ، والأحكام الطارئة عوارض ، والمرجع في ذلك للأصل لا للعوارض ، وكمال العلم فيه أن يعظّم لأنّه مرتبة للحقّ تجلّى فيه بأحكامه ، ولكن يعظّم باطنا ويهان ويذلّ ويقاتل ظاهرا لأنّ ذلك حكم الشرع والحكمة . وهذا الأمر في نظر العارفين فقط لا في بساط الشريعة . وإلى هذا الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلّم: « لا تعلو على الله في بلاده وعباده فإنّ من علا على العباد علا على الله وتكبّر عليه » . وتحقيق ما في هذا الحديث هو ما قلناه أوّلا ، وهو أنّ جميع المخلقات مراتب للحقّ يجب التسليم له في حكمه في كلّ ما أقام فيه خلقه لا يعارض في شيء ، ثمّ حكم الشرع من وراء هذا يتصرّف فيه ظاهرا لا باطنا ، ولا يكون هذا إلاّ لمن عرف وحدة الوجود ، فيشاهد فيها الفصل والوصل ، فإنّ الوجود عين واحدة لا تجزّأ فيها على كثرة أجناسها و أنواعها ، ووحدتها لا تخرجها عن افتراق أشخاصها بالأحكام والخواصّ ، وهي المعبّر عنها عند العارفين : " بأنّ الكثرة عين الوحدة والوحدة عين الكثرة " ، فمن نظر إلى كثرة الوجود وافتراق أجزائه نظره عينا واحدة على كثرته ، ومن نظر إلى عين الوحدة نظر متكثّر بما لا غاية له من الكثرة ، وهذا النظر للعارف فقط لا غيره من أصحاب الحجاب ، وهذا لمن عاين الوحدة ذوقا لا رسما ، وهذا خارج عن القال . ومعنى الوصل والفصل ، فالوحدة هي الوصل والكثرة وهي الفصل . إنتهى . ثمّ من وراء هذه الحقيقة تجلّى لهم فيهم بظهور حجاب كثيف غطّى عليهم في ذواتهم رؤية فعله وتحريكه وتسكينه ، ورؤية قيامه لهم فيما أرادوا ، أعطاهم بحسب هذا التجلّي والحجاب رؤية استبدادهم بالفعل ، ورؤية استبدادهم بالاختيار والحركة والسكون ، ورؤية استبدادهم بالتغلّب والتصرّف حيث شاءوا كيف شاءوا بلا واسطة مانع ولا حجر عن الجولان في هذا الميدان ، يرون أنْ لا فاعل فيهم غيرهم ، ولا محرّك لهم سواهم ، ولا دافع لهم في اختيارهم في نفوسهم . وعلى هذا التجلّي والحجاب وقعت الشرائع وبعثت الرسل مبشّرين ومنذرين ، وثبتت الأحكام والحدود ، وطوّق في أعناقهم ربقة التكليف بالأمر الإلهيّ ، أمرا ونهيا وفعلا وتركا وطاعة ومعصية ووجوبا وتحريما ، ورتّب على ذلك ثبوت الجزاء في المآل نعيما وعذابا وتوبيخا وعتابا وحمدا وثناء . وهذا التجلّي والحجاب هو الذي بسط عليه الحكمة والشريعة . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه.
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة نقطة دائرة الفطرة القدسيّة .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى دائرة الفطرة القدسيّة هي دائرة الأرواح حيث خلقت أوّلا ، ونقطتها هي الحقيقة المحمّديّة ، والفطرة هي نشأة الأشياء بعد أن لم تكن ، والفطرة القدسيّة هي كونها وجدت على نسبة حضرة القدس وفي غاية الصفاء والشرف ، فلا تعرف إلاّ الله ، ولا تحبّ إلاّ الله ، ولا تبالي بغيره ، ولا تعظّم إلاّ الله تعالى ، فهذا هو القدس الذي نسبت إليه . وفي هذا الميدان إن كانت لا تعرف ماذا يراد بها حتّى أخذ عليها العهد والميثاق ، فحينئذ عرفت ماذا يراد بها من العبوديّة لله تعالى ، وحمل التكاليف ، وما يتبع ذلك من اللوازم والمقتضيات والأحكام إلى غير ذلك ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسئل رضي الله عنه عن قولهم : " الآن الدائم " ما هو ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : الآن الدائم ، عند العارفين ، هو دوام استمرار الحضرة القدسيّة ، وفيه يندرج اسم الزمان ، فهو في حقّ القديم قديم ، وفي حقّ الحادث حادث ، وهو حقيقة واحدة ، مثاله دوام وجود الحضرة القدسيّة هو عين الزمان الذي هو الزمان السابق واللاحق والوقت ، فهو صفة الحقّ ، إذ هو المعبّر عنه بصفة البقاء . وعين هذا الزمان في حقّ الحادث حادث لانحصاره في تقطيع الزمان، من الدقائق والدرج والساعات والأيّام والسنين والقرون والأحقاب ، فهو لها ، أيّ الزمان والتقاطيع ، بمنزلة اللوح الذي نقشت عليه السطور والحروف ، وفي اللوح ، عند النظر إلى السطور والحروف ، متقطّع ، وإذا مُحِيَتْ الحروف والسطور ما بقي إلاّ اللوح . فاللوح هو الآن الدائم ، وتقاطيع الزمان هي النقوش على اللوح والزمان . إنتهى من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري رضي الله عنه .
وسئل رضي الله عنه عن حقيقة النبوّة .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : حقيقة النبوّة مشتملة على ثلاثة أمور ، وهي شرط فيها ، إنْ نقص واحد منها فليست بنبوّة . الأوّل ، كمال المعرفة بالله الباطنة والعيانيّة ، والإحاطة بجميع صفات الله وأسمائه تحقّقا بما ثبتت الإحاطة به للنبوّة والصدّيقيّة لا ما وراء ذلك . الثاني ، إيحاء الله إليه بأمر إن شاء الله يتعبّده به في خاصّة نفسه إن كان نبيّا ، أو بالتبليغ لغيره إن كان رسولا . والثالث ، يقول الله له : أنت نبيّ أو أنت نبي ، إمّا منه إليه أو بواسطة الملك . إنتهى . وهذا الحدّ مانع جامع ، وهو في غاية الوضوح ، كلّ من اطّلع عليه عرف معنى النبوّة وزال عنه ما يتوهّم من دخول الغير . ورضي الله عن سيّدنا ما أوضح عبارته وما أحسن إشارته . إنتهى .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الربّ .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ حقيقة الربّ هو العليّ عن كلّ ما سواه ، ومنه سُمِّيَت الربوة ربوة لعلوّها ، ومعناه أنّه هو المالك والمتصرّف والخالق والقاهر والنافذ حكمه ومشيئته وكلمته في كلّ ما سواه ، وحضرة الألوهيّة هي شاملة لجميع الأسماء والصفات والحضرات الإلهيّة ، وحقيقة الألوهيّة هو توجّه الموجودات إليه بالعبادة والخضوع والتذلّل والفقر والتعظيم والإجلال والمحبّة . وأمّا معنى ألوهيّة يشار بها إلى الذات العليّة موجودة في كلّ شيء شهودا ورؤية عارية عن كلّ شيء متباعدة عن كلّ شيء عيانا وحقيقة ، فإنّ الشخص الظاهر في المرآة ترى ذاته طالعة في المرآة وما هو حالّ فيها ولا مُقارب لها ، بل هو مفارق لها في كلّ وَجْهٍ ومغاير لها بكلّ اعتبار ، وترى ذاته في المرآة وما هي فيها ، والمثال يغني عن بسط المقال . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة المراقبة والمشاهدة .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : حقيقة المراقبة في حقّ أهل الحجاب هي المطلقة عند العارفين ، وهي علم القلب باطّلاع الربّ عليه في كلّ لحظة ، وبداومها تقع المشاهدة . وهناك مراقبة أخرى لا تكون إلاّ للعارفين ، وهي استغراق العبد في المشاهدة القدسيّة بِمَحْوِ الغير والغيريّة علما وعملا وحالا وذوقا ومنازلة تحقّقا وتخلّقا وإحاطة ، وحقيقة المشاهدة هي مطالعة القلب للجمال القدسيّ ، والمشاهدة صفة العبد ، والتجلّي صفة الربّ سبحانه وتعالى ، وهو معنى يتّصف به المتجلّي . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن دائرة العارف .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : اتّساع دائرة العارف إذا رفع إلى محلّ القرب أنّ لله صفة السمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة ، كلّ صفة من هذه تحيط بجميع الوجود في آن واحد ، لا يختلف عليها اختلاط الوجود بذواته أو بألفاظه أو بحركاته ، فإنّه يميّز كلّ فرد من ذلك على حدته تميّزا لا يختلط بغيره لا في سمعه ولا في بصره ولا في صفة من باقي صفاته . وهكذا العارف إذا رفعه إلى محلّ القرب يصير سمعه يسمع كسماع الحقّ باتّساع دائرته ، فإنّه في ضيق الدائرة لا يحمل إلاّ فردا واحدا من كلّ شيء لا في الألفاظ ولا في الذوات ولا في الحركات لضيق دائرته ووعائه ، فإذا ارتفع إلى محلّ القرب اتّسعت دائرته باتّساع معروفه فحمل من الأكوان في الآن الواحد من الحركات والذوات والألفاظ ضرباَ ما وسعه معروفه ، فلا تختلط عليه أصوات الوجود في الآن الواحد ، ولا تختلط عليه ذوات الوجود في الآن الواحدة ، ولا تختلط عليه حركات الوجود في آن واحد ، سمعا وبصراَ ، وهكذا في قوله ويده التي يبطش بها ، فإنّ بطشه يتّسع باتّساع القدرة الأزليّة ، يقدر مثلا على أن يقوم الأرض كلّها في طرفة عين ، وهكذا رجله التي يمشي بها ، فإنّه يقدر أن يمشي الوجود برجله في طرفة عين ، وهذا معنى الحديث : « كنت سمعه » الخ . ومعنى الرواية الأخرى : « كُنْتُهُ » معناه : كنت نائباَ عنه في جميع صفاتي ، ومعناه يسمع بسمع الحقّ ويرى ببصر الحقّ ، إلى آخر ما تقدّم . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه وأرضاه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة المعرفة بالله تعالى .
فأجاب رضي الله عنه به بقوله : المعرفة الحقيقيّة أخْذُ الله للعبد أخْذاً لا يعرف له أصلا ولا فصلا ولا سببا ، ولا يتعلّق فيه كيفيّة مخصوصة ، ولا يبقى له شعور بحسّه وشواهده وممحوّاته ومشيئته وإرادته ، بل تقع عن تجلّ إلهيّ ليس له بداية و لا غاية ، ولا يوقّف له على حدّ ولا نهاية ، ومحق العبد محقا لا يبقى له شعور بشيء ولا بعدم شعوره ولا بمحقة ، ولا يميّز أصلا من فرعه ولا عكسه ، بل لا يعقل إلاّ من حيث الحقّ بالحقّ في الحقّ عن الحقّ . فهذه المعرفة الحقيقيّة . ثمّ يفيض عليه من أنوار قدسه فيضا ، فيعطيه كمال التمييز والتفضيل بين المراتب وخواصّها ، وما تعطيه حقائقها في جميع أحكامها ومقتضياتها ولوازمها ، وتفصيل الصفات والأسماء ومراتب آثارها ومعارفها وعلومها ، وهذا التمييز يسمّى بالبقاء التامّ والصحو الكامل ، والأصل الأوّل يسمّى بالفناء التامّ والصحو الكامل ، ولا قيام لهذا البقاء إلاّ بفناء الفناء الأوّل على أصله وقاعدته ، ومتى انهدم الأوّل انهدم الثاني ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
فمن تحلّى بهذا الوصف المتقدّم صحّ له الظهور في الخلق والتقدّم عليهم ، وإليه يلقي المريد نفسه، ويقتفي آثاره ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ومعارضته ولو بقلبه ، فإذا فعل هذا سأل من محض فضل الله وكرمه بإظهار فقره ولسان ذلّه ، وبجاه حبيبه ونبيّه أن يرحمه بالفتح الأكبر على يد قدوته ، ومن لم يطلب الفتح من أبوابه طرد ، ولم ينتفع بأسبابه . قال سيّدنا رضي الله عنه : قاعدة ، إعلم أنّ الفتح والوصول إلى الله في حضرة المعارف لا يبعثه الله تعالى إلاّ على يد أصحاب الإذن الخاصّ كإذن الرسالة ، ومتى فُقِدَ الإذنُ الخاصّ لم يوجد من الله له فتح ولا وصول ، وليس لصاحبه إلاّ التعب ، ومن تعلّق بمطالعة كتب التصوّف وسار إلى الله بالنقل منها والأخذ عنها والرجوع إليها والتعويل عليها ، ليس له من سيره إلاّ التعب ، ولا يحصل له من الله شيء ، نعني من الوصول إلى حضرة المعارف والاختصاص ، وأمّا الثواب فيحصل له بقدر إخلاصه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن قولهم : الفقير ابن وقته .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنا هو ما يراه واجبا عليه في وقته ينتهجه ويترك ما وراءه ممّا لا حاجة له به . فالمريد ينظر ما كان مصلحة له في وقته ، وإن فارقه تضرّر ، فينتهجه ويترك ما عداه . هذا هو المريد الصادق . والعارف بالله هو في كلّ وقت ، بحكم تجلّيه ، يعطي لكلّ ذي حقّ حقّه ، والعالون من العارفين هم مرتقبون ما يبرز من الحضرة الإلهيّة فيقابلونه بالعبوديّة والآداب التي تختصّ به . وبعبارة أخرى ، معناه أنّ الفقير ابن وقته هي لأصحاب المراقبة الكبرى ، هو في كلّ وقت بحسب ما يصادمه من التجلّي ، يتلوّن بتلوّن تجلّياته في مقابلتها بالعبوديّة والأدب ليعطي لكلّ تجلّ حقّه من العبوديّة والأدب . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة الثالثة     الصفحة الخامسة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس