في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الثالثة .
وسألته رضي الله عنه : سادتنا رضي الله عنكم قد أشكلت أمور ونريد من الله ، ثمّ من كمال فضلكم ، أن تبيّنوا لنا ما ظهر لكم فضلكم منها . ما هذه الأنوار المشرقة عن أهل البدايات في الطريق ؟ هل هي أنوار أزليّة في كلّ مؤمن يكشف له عنها بسبب التوبة أم لا تشرق إلاّ عند تمكّن القلب من الإيمان ؟ وما يعطّل نور البصيرة عن شهود المنّة ؟ وما يكون المشروب عن طعم برد الرضا بما يفعل المحبوب ؟ وبما يجول المريد في الملك عن الأكوان الظلمانيّة ؟ وبما يجول في الملكوت : هل بالعلوم أو بالفهوم ؟ وهل للعقل مجال في ذلك ؟ وهل للعلوم إدراك التحقيق الذي سلك عند القوم ؟ وهل للفهوم إدراك للعالم الأسنى ؟ وما قمر التوحيد الذي هو مستمّد من شمس المعارف ؟ وما رياح الصبا التي تشغف الأرواح ؟ وهل هي على يد الشيخ أو على يد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؟ هل الشيخ دالّ على الله بمقاله أم دالّ على الله بأفعاله ، أم له قوّة و أسرار يجلب بها الأرواح إلى الحضرة القدسيّة ؟ وما يعتقد في الشيخ : هل هو مظهر للحقائق التي لا تدركها العقول ولا الفهوم ، أم هو حاكم للنفوس لتقوى الأرواح فقط ، أم هو قُوتُ الأرواح لتقبل من الورادات ما تطيق ، أم خليفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يبلغ من اسراره الباطنة التي لا يدركها من اشتغل بعلم الظاهر ؟ فإن كان كما
قلنا ، دالاّ بظاهره فقط ، وغالب عليه الحسّ ، فليس للقلوب أن ترقى في مواضع الأرواح ؟ وهل للشيخ تصريف في روح الروح أم هو برزخ الأرواح فقط إلى أن يبلغ المريد ويرجع عنه ؟ أم لا ينفصم عنه أبدا ؟ والسؤال عن أحوال الشيخ ، ما السبب في كونه تارة يجمع على نفسه ، وتارة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وتارة على الله سبحانه ، كلّ ذلك مدرج في صفاته أم لا ؟ بيّن لنا سيّدي رضي الله عنك كلّ مسألة بعينها ، والله يديمك نفعا للعباد في جميع البلاد .
قال رضي الله عنه ، الجواب والله الموفّق للصواب :
إعلم أنّ هذه الأنوار ليست أزليّة ، بل هي مخلوقة تأنيسا من الله لأهل الطريق . وليست لازمة لكل سالك ولا في كلّ مقام ولا في كلّ حال ولا في كلّ توجّه ، فقد تقع وقد لا تقع .
وقوله : وما يعطّل نور البصيرة عن شهود المنّة ؟ الجواب عن هذا ، أنّ منّة الحقّ ، وهو نور العطاء البارز من حضرة المثير للمنح الواردة من خزائن الأسماء والصفات ممّا استبدّ به الحقّ ، لا تتّصل به أنوار البصائر حتّى تراه عيانا ، وإنّما ترى البصائر ما برز عنه من المنح فقط ، وأمّا ذلك النور الوارد من الحضرة المثير للمنح فإنّما ذلك من مادّة المشيئة الإلهيّة ، وهو من الكنوز التي استبدّ الحقّ بعلمها فلا يطلع عليها أحدا ، وقد يكشفه الله تعالى لبعض الخاصّة الكبار حتّى يروها عيانا .
وقوله : وما يكون المشروب عن طعم برد الرضا بما يفعل المحبوب ؟ الجواب ، أنّ المشروب هو تلذّذ صاحبه بالمعاطب والمهالك وفدائح المصائب تلذّذا يماثل تلذّذ البالغ الغاية في الجوع بألذّ المطاعم وأكبرها شهوة ولذّة ، وليس هذا من تعمّل العبد ولا حيلة له في الوصول إليه ، إنّما هو محض موهبة من مواهب الحقّ يؤتيه من يشاء بفضله . وقد ينتهي به التلذّذ بذلك حتّى يُنسيه الإحساس بآلام تلك المصائب والمهالك .
وقوله : وبما يجول المريد في الملك عن الأكوان الظلمانيّة ، وبما يجول في الملكوت هل بالعلوم أو بالفهوم ؟ وهل للعقل مجال في ذلك ؟ وهل للعلوم إدراك التحقيق الذي سلك عند القوم ؟ وهل للفهوم إدراك للعالم الأسنى ؟ الجواب في هذا كلّه ، إنّ جَوَلاَن المريد في الملك والملكوت إمّا بالخيال أو بالأرواح ، وكلّ ذلك لا يكون لا بالعلوم ولا بالفهوم ، بل بأنوار قدسيّة مقذوفة من حضرة الحقّ تَرِدُ على من وردت عليه فتكسبه بذلك صفاء وتمكينا وقربا من الحضرة الإلهيّة يقدر بسبب تلك على الجولان في الملك والملكوت والجبروت ، وحيث أراد الله به .
وقوله : وما قمر التوحيد الذي هو مستمدّ من شمس المعارف ؟ الجواب ، قمر التوحيد هو شهود الوحدانيّة لله تعالى شهودا ذوقيّا وكشفا عينيّا يقينيّا في جميع مفترقات الوجود حتّى يرى جميع مفترقاتها في اتّحادها كالجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة . وهذا الشهود لو رام غيره لم يقدر من مطالعة الكثرة وغيرها ، ويعبّر عنه عند العارفين بالتقرير المطلق ، ولا يُنال إلاّ بعد صفاء المعرفة وكمالها .
وقوله : وما رياح الصبا التي تشغف الأرواح ؟ وهل هي على يد الشيخ أو على يد غيره صلّى الله عليه وسلّم ؟ الجواب ، إنّ رياح الصبا هي أنوار المنن الواردة من حضرة الحقّ، المشتمل على الأنوار القدسيّة والأحوال العليّة والأخلاق الزكيّة والطهارة والصفاء والغرق في بحر اليقين ، ويعبّر عنها عند العارفين بالجذب ، تأتي بيد الألطاف الإلهيّة لمن أحبّه الله واصطفاه وأهّله لمطالعة حضرته وارتضاه . فإذا وردت على الأرواح أو على القلوب أو على الأسرار ، أخذتها وجذبتها إلى الحضرة بحكم القهر والصولة حتّى لا تقدر على التخلّف عنها ، وورودها إنّما هو من محض منّة الحقّ بلا سبب ، بل بحكم عناية الحقّ واصطفائه لمن شاء ، وتَرِدُ في الحقيقة المحمّديّة ثمّ تنبع منها . وقد يكون الشيخ حاضرا معها ، وقد لا يكون حاضرا . وقد تأتي بتوجّه همّة الشيخ إذا أرادها من الله لبعض تلامذته ، وقد تمتنع ولا تؤثّر فيها همّته .
وقوله : وهل الشيخ دالّ على الله بمقاله أودالّ على الله بأفعاله أو له قوّة وأسرار يجلب بها الأرواح للحضرة القدسيّة ؟ الجواب ، إنّ دلالته على الله بكليّته ظاهرا وباطنا ، بأقواله وأفعاله وأحواله وحركاته وسكناته .
قوله : وأما جلبة الأرواح... الخ ، فالجواب عن هذا هو ما سبق في جواب رياح الصبا .
وقوله : وما يعتقد في الشيخ ؟ هل هو مظهر للحقائق التي لا تدركها العقول ولا الفهومأم هو حاكم للنفوس لتقوى الأرواح فقط أم هو قوت الأرواح لتقبل من الواردات ما تطيق أم هو خليفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يبلّغ أسراره الباطنة التي لا يدركها من اشتغل بعلم الظاهر ؟ فإنْ كان كما قلنا ، وإلاّ بظاهره فقط وغالبا عليه الحسّ فليس للقلوب أن ترقى في موضع الأرواح ؟ الجواب في هذا كلّه ، أنّ الشيخ في الطريق بمنزلة الدليل يعرف الطريق ومخوفها ، ويعدّ لكلّ محلّ ما يستحقّ من الراحلة والزاد ، وهو للأرواح والقلوب بمنزلة الطبيب الماهر في معرفة الأمراض العارضة ، ومن أين مادّتها وكيفية معالجتها كمّا وكيفا ومعرفة الأدوية التي يلقيها على تلك الأمراض حتّى تعود القلوب والأرواح إلى كمال صحّتها ، فهذا غاية ما عند الشيخ .
وأمّا ما وراء ذلك من الفيوض والتجلّيات والأنوار والأسرار والأحوال والعلوم والمعارف والتوحيد والتفريد والترقّي في المنازل والمقامات ، فإنّما هو بيد الخلاّق الواحد سبحانه وتعالى ، يعطي منه ما يشاء ويمنع منه ما يشاء ، والشيخ سبب في ذلك على القانون المذكور أوّلا .
وقوله : وهل للشيخ تصريف في روح الروح أم هو برزخ الأرواح فقط إلى أن يبلغ المريد ويرجع عنه ، أم لا ينفصم عنه أبدا ؟ وأسأل عن أحوال الشيخ ما السبب في كونه تارة يجمع على نفسه ، وتارة على النبيّ صلّى
الله عليه وسلّم ، وتارة على الله سبحانه ؟ أَكُلُّ ذلك مدرج في صفاته وأحواله أم لا ؟ والسلام .
الجواب ، أنّ روح الروح هو روح حضرة القدس الذي يأتي بالفيض الأقدس مشحونا بالمعارف والعلوم والأسرار والأنوار والحكم والرقائق والتحف والمواهب التي لا تدرك ولا تعقل ، والأخلاق والأحوال واليقين والتوحيد والكشف التامّ والشهود الأكبر والمعرفة البالغة الغاية في جميع المراتب ، معرفة ذوقيّة عينيّة لا اعتقاديّة . هذا هو الروح المعبّر عنه بروح الروح . والأرواح له كالأجساد الكثيفة للأرواح الحيوانيّة تدير الأجساد ، وأيّ روح من أرواح البشر يُرى فيها هذا الروح ، وتركّب فيها كتركيب الأرواح الحيوانيّة للأجسام الكثيفة ، كان ذلك الروح حيّا بالحياة الأبديّة الباقية لا يطرأ عليها موت لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا تذوق الموتة التي تذوقها البشر ، وإنّما موته عبارة عن مفارقة روحه الحيوانيّ بجسده الكثيف فقط وثمّ تتّصل بما لا معرفة بحقائقه لأحد من وجوه النعيم واللذّة التي لا تكيّف ولا يعقلها إلاّ مَن رآها .
وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى:
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ

الآية . وأمّا برزخية الأرواح : فهي الأرواح الواصلة إلى حضرة الحقّ بكمال المعرفة وصفاء اليقين وروح المشاهدة . برزخها التي بينها وبين الحضرة هي الحقيقة المحمّديّة عليها الصلاة والسلام لا غير ، ولا برزخيّة للشيخ في هذا . وهل غاية تولّي الشيخ للمريد إلى أن يصل للحضرة ثمّ ينفصم عنه أبدا ؟ الجواب ، إعلم أنّه ينفصم عنه عند وصوله إلى مطالعة الحضرة الإلهيّة ولا يبقى عليه من ملاحظة الشيخ إلاّ تعظيمه واحترامه وإجلاله ومعرفة شفوف رتبته عليه ، فإنّه إن قطع التلميذ نظره عن هذا في حقّ شيخه سُلِب وطُرِد . وكون أحوال الشيخ تارة يجمع على نفسه ، وتارة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وتارة على الله ؟ الجواب ، أنّه لا منافاة بين أحوال الشيخ في هذه الثلاثة ، فإنّه إنْ دلّ على الله كان ذلك غاية المطلوب ، وإن دلّ على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجمع عليه كان ذلك جمْعا على الله لأنّه صلّى الله عليه وسلّم الخليفة المطلق عن الله ظاهرا وباطنا ، فالمجتمِع عليه يجتمع على الله تعالى ، أو دلّ الشيخ بالجمع على نفسه ، فهو خلفية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الدلالة على الله والدعوة إليه ، فجمْعُ الناس على نفسه جَمْعٌ على الله تعالى لأنّه خليفة صحيح .
إنتهى ما أملاه علينا شيخنا رضي الله تعالى عنه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن معنى البيتين المشهورين من كلام بعض العارفين ، وهُمَا :
عينان عينان لم يكتبهما قلم
في كلّ عين من العينان نونان
نونان نونان لم يكتبهما قلم
في كلّ نون من النونان عينان
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ العين الأولى ، عينه الواجبة الوجود لذاتها من ذاتها من كلّ وجه وبكلّ اعتبار ، والعين الثانية ، عينك الجائزة الوجود من وجه ، والواجبة الوجود من وجه ، فإنّها من ذاتها لذاتها جائزة الوجود ، ومن حيث تعلّق المشيئة بوجودها وإحاطة العلم بها واجبة الوجود . وقوله : في كلّ عين من العينان نونان ، النون الأولى ، أنانية الحقّ ، والثانية ، أنانية العبد . وذلك أنّه لمّا تنزّل به السرّ القدسيّ اللاهوتيّ بما صحبه من الأنوار الإلهيّة التي عجز العقل عن فهم أقلّ قليل منها ، فضلا عن الإحاطة بكنهها ، وسرى في كليّة العبد ذلك السرّ والنور ، أراه الله بسببها محو دائرة الغير والغيريّة ، فلم يبق في شهود العبد إلاّ أحد في أحد بسلب المتعدّد وبكلّ وجه وبكلّ اعتبار .
وفي هذا الأمر إذا نظر في ذاته لم ير إلاّ أحدا لا يقبل التعدّد ولا الغيريّة ، وإذا نظر في الله لم ير إلاّ نفسه ، وإذا نظر في كلّ شيء لم ير إلاّ ما نظر في نفسه ، وهذا هو المعبّر عنه بالجمع الكلّيّ ، والاتحاد الحقّ ، والمحو المحقّق ، وذلك كلّه بسبب ظهور ذلك السرّ و النور فيه فغطّى عليه ما كان يجده قبل من جوده ودوائر حسّه ، فإنْ نظر في عين نفسه التي هي واجبة الوجود من وجه وجائزة الوجود من وجه ، نظر فيها أنانيّته عين أنانيّة الحقّ ، وأنانيّة الحقّ عين أنانيّته ، فَهُمَا أنانيّتان قائمتان فيه دراكا ذوقيّا حسياّ وشهودا يقينياّ ، فهذه العين التي فيها نونان: نون أنانيّته ونون أنانيّة الحقّ ، وإذا نظر عين الحقّ عين نفسه ، ووجد في عين الحقّ نون أنانيّة الحقّ ونون أنانيّته لاتّحاهما في مشهده القدسيّ . وهذا سرّ من أسرار الغيب لا تدركه العقول ولا القوى البشريّة ، وإنّما يُنال بالفيض الربّانيّ والفتح الإلهيّ ، ليس للكسب اليه سبيل . فهذا ما في البيت الأوّل ، وهو أمر ينال بالذوق والكشف لا بالمقال .
وأمّا البيت الثاني ، وهو نونان نونان... الخ ، النون الأولى أنانيّتك ، لأنّك إنْ قلتَ : أنا في هذا المحلّ وجدت عينك هي القائلة ، ووجدت عين الحقّ هي القائلة ، فهي نون فيها عينان . وأمّا النون الثانية فهو أنانيّة الحقّ حيثما سمعته يقول : " أنا " ، مثل قوله تعالى
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا

وجدتَ في تلك الكلمة عين الحقّ هي القائلة وعينك هي القائلة لاتّحادهما في نظر العبد فقط ، وهذا كلّه في نظر العبد فقط ، وجلّ الله أن يكون هذا في شهوده ، بل علمه سبحانه وإدراكه وراء هذا ، لا تلتبس
عليه الأحوال ولا تختلط عليه العبوديّة بالربوبيّة . فأنانيّة الحقّ هنا تجد فيها عينك وعينه ثابتتين بنظر يقينيّ وكشف عيانيّ ، فانانيّتك فيها عينك وعينه ، وأنانيته فيها عينه وعينك ، في كلّ نون من النونين عينان . وهذا ما سمح به الوقت ، ووراءه ما لم يخطر قطّ على بال ولا تكشف عنه دائرة المقال . اهـ . من إملائه رضي الله عنه على العالم والعلاّمة الدرّاكة الفهّامة سيّدي المختار بن الطالب التلمسانيّ ، وهو من أجلّ أصحاب سيّدنا رضي الله عنه ، وأكبرهم علما ، وأوسعهم حلما ، ومن خطّه نقلتُ ، والسلام .
وسئل رضي الله عنه عن الجنّ هل يدخلون الجنّة ويتنعّمون فيها كالآدميين ، أو لا نصيب لهم فيها ؟ وهل يرجعون ترابا كالحيوانات أم لا ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ القول الذي يجب المصير إليه ، وهو عين الحقّ والصواب ، أنّ الجانّ مستوون مع بني آدم في عموم التكليف بالقيام بأمر الله أمرا ونهيا وتحريما ووجوبا ، وفي عموم الرسالة إليهم ودعوتهم إلى الله تعالى ، لا فرق بينهم وبين بني آدم في هذا الأمر الذي ذكرناه بقواطع نصوص الكتاب والسنّة والإجماع .
أمّا الكتاب ، فما ذكر الله عنهم في سورة الأحقاف وفي سورة الجنّ ، وهو صريح لا يقبل التأويل . وأمّا السنّة فقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
بعثت إلى الثقلين الجنّ والإنس
»
وهو حديث مجمع على صحّته وتواتره ، كل اعتقد خلافه كفر . وانعقد إجماع الأمّة على هذا في عموم الرسالة لنا ولهم ، وعموم دعوتنا ودعوتهم إلى الله تعالى على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وفي عموم تكليفهم بالقيام بأمر الله تعالى . وحيث كان الأمر هكذا فَهُمْ مساوون لنا فيما يشتمل عليه عموم الخطاب الإلهيّ والنبويّ من تقرير الثواب والعقاب لمن أطاع الله أو عصاه منّا ومنهم ، ودخول الجنّة والتمتّع بها لمن أطاع الله أو غفر له معاصيه وكان مؤمنا منّا ومنهم ، والعذاب بالنار ودخولها لمن عصى الله ولم يغفر له منّا ومنهم ، يشهد لهذا قوله سبحانه وتعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ

،
وقوله سبحانه وتعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ

،
فهي صادقة في كلّ من أرسل إليهم لمن آمن بالله وقام لرعاية حدوده وأحكامه أمرا ونهيا ، فلا فرق بينهم وبين الآدميّين في هذا لشمول الرسالة والدعوة إلى الله تعالى ، والتكليف بالقيام بأمر الله منّا ومنهم . قال سبحانه وتعالى:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

إلى قوله :
مُهِينٌ

مشتملة بجميع أحكامها على كلّ فرد من أفراد المرسول إليهم الذين أمر الرسول بدعوتهم إلى الله تعالى . وقال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا

،
فهي مشتملة على كلّ من أرسل إليهم الرسول ودعاهم إلى الله تعالى . وقال تعالى في حقّ أولي الألباب من المؤمنين ، حيث أخبر عنهم أنّهم قالوا :
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ

إلى قوله:
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى

، فهي مشتملة على كلّ من اشتملت عليه الرسالة والدعوة إلى الله من الجنّ والإنس . وقال تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

الآية ، فيه مشتملة أيضا . وقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ

الآية . وكلّ هذه الآيات وأمثالها مشتملة على كلّ فرد من المرسل إليهم ، ولا يُلتفَت لما سُطِّر في الأوراق ممّا يناقض هذا فإنّ تلك تخيّلات عقليّة بيّنة البطلان بتصريح نصوص الكتاب والسنّة كما ذكرناه آنفا وفي غيرها ، وفي هذا كفاية لمن تأمّل ، والسلام . إنتهى من خطّ محبّنا سيّدي المختار بن الطالب ، من إملاء شيخنا رضي الله عنه عليه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة التصوّف .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ التصوّف هو امتثال أمر الله واجتناب النهيّ في الظاهر والباطن من حيث يرضى لا من حيث ترضى . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الولاية .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : الولاية عامّة وخاصّة . فالعامّة هي من آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام . والخاصّة هي من سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم إلى الختم . والمراد بالخاصّة هو من اتّصف صاحبها بأخلاق الحقّ الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحد ، إنّ لله ثلاثمائة خلق ، من اتّصف بواحد منها دخل الجنّة . وهذا خاصّ بسيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ومن ورثه من أقطاب هذه الأمّة الشريفة إلى الختم ، هكذا قال ، ونَسَبَهُ للحاتميّ رضي الله عنه . ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : ولا يلزم من هذه الخصوصيّة ، التي هي الاتّصاف بالأخلاق على الكمال ، أن يكونوا كلّهم أعلى من غيرهم في كلّ وجه ، بل قد يكون من لم يتّصف بها أعلى من غيره في المقام . وأظنّه يشير إلى نفسه رضي الله عنه وبعض الأكابر ، لأنّه أخبره سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم بأنّه مقامه أعلى من جميع المقامات كما تقدّم . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة العلم .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ حقيقة العلم هي مَلَكَة تحصل في الشخص بحسب استقرائه لضوابط العلم وقوانينه يقدر بسبها أن يدفع جميع وجوه الإشكال والتلبيس عن ذلك العلم ، وأن يأتي فيه بإستشهادات تفصّل حقائق ذلك العلم من مجازاته ، وارتباط لوازمه من ملزوماته ، وانفصال ما يوجب الفرق بين متفرّقاته من غير أن يسمع ذلك من مدارسة كتب ولا تعليم ولا مطالعة كتب ولا تفهّم ، بل بحسب ما تعطيه القوّة الملكيّة لا الصورة
المنقولة والمنقولة عندهم ، إمّا عن قوّة ضروريّة وإمّا عن أسماع خبريّة . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الوليّ .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : حقيقة الوليّ هو من تولّى الله أمره بالخصوصيّة مع مشاهدة أفعال الحقّ سبحانه . ومرّة قال : مع مشاهدة الأفعال والصفات . قلنا له : أيجهل الوليّ أو العارف شيئا من أحكام الشريعة المطلوبة في حقّه ؟ قال : نعم ، إلاّ بالتعليم والسؤال ، ولا تفاض من غير تعلّم إلاّ على نادر من العارفين ، ولا يحاط بمعرفة أحكام الشريعة وجميع العلوم التي يحتاج إليها الناس إلاّ الفرد الجامع ، لأنّه هو الحامل للشريعة في كلّ عصر ، ولو كان أميّا لم تسبق له قراءة . إنتهى .
قال الشيخ العيّاشي رحمه الله : الولاية منّة تقدّمتها خدمة . إنتهى . وقال شيخنا رضي الله عنه : هي محض منّة تقدّمها محض خدمة . إنتهى .
وسألته رضي الله عنه عن قولهم : إنّ دائرة الوليّ أوسع من دائرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : المراد بالوليّ أولياء هذه الأمّة فقط . والمراد منه من أُمِرَ بالدعوة إلى الله تعالى من رجالهم ، فَهُم الذين دوائرهم أوسع من دوائر الأنبياء . واتّساع الداوائر وضيقها باعتبار الطوائف الذين يدعونهم إلى الله تعالى . فكلّ رسول من الرسل ، غير نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم ، رسالته خاصّة بموطن أو جنس أو بلد لا يتعدّى إلى غيره ، ورسالة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم عامّة في جميع البلدان والأقطار ، وفي جميع الأجناس والأمم ، وفي جميع الأعصار . فالأولياء الداعون إلى الله من أمّته دعوتهم تعمّ كعموم رسالة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم ، فلا تختصّ ببلد ولا جنس ولا أمّة ، بل عامّة كعموم رسالة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم . فهذا اتّساع دائرة الوليّ على دائرة النبيّ . ثمّ هذه الدعوة إلى الله في حقّ الأولياء، هي ملزومة لهم بطريق الشرع الظاهر ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
بلّغوا عنّي ولو آية
»
الحديث ، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر
» .
لكن هذه الدعوة المذكورة هنا إنّما هي بالإذن الخاصّ كإذن الرسالة . فمن نهض إلى الخلق، يدعوهم إلى الله تعالى بالإذن الخاص له من الله سَرَتْ كلمته في جميع القلوب ، ووقع الإقبال من الخلق عليه والاستجابة له ، ووقع امتثال أمره واجتناب نهيه في الخلق ، وأطيع وحلا كلامه في القلوب . ومن نهض إلى دعوة الخلق إلى الله بالإذن العامّ ، وليس له شيء من الإذن الخاصّ ، لم يُنتفَع بكلامه ، ولم يقع عليه إقبال . فإنّ لسان الحقّ يقول له بلسان الحال في بساط الحقائق : " ما أمرناك بهذا ولا أنت له بأهل . إنّما أنت فضوليّ " . فمن وقف هذا الموقف ابتُلِي بحظوظ نفسه من الرياسة والرياء و التصنّع ، وليس من الله في شيء . قال ابن الفارض رضي الله عنه :
فعالمنا منهم نبيّ ومن دعا
إلى الله منّا قام بالرُّسُلِيَّةِ
قال ابن عطاء : " مَن أذِنَ له في التعبير فُهِمَتْ في مسامع الخلق عبارتُه وجُلِّيَتْ لديهم إشارته " . وحكاية الشيخ الجيلاني رضي الله عنه معلومة ، قال : كنت بالأمس صائما ، فوضعت لي أمّ يحيى بويضات إلى فطوري على طرف السرير ، فأتت هرّة فخطفتها ، فأخذ الناس في البكاء على عادتهم... إلى آخر حكاية . ومن ادّعى الإذن الخاصّ من الله وهو كاذب فيه ، وانبسط للخلق بالدعوة ، فإنّه يموت كافرا إلاّ أن يتوب . نسأل الله السلامة والعافية بجاه النبيّ وآله . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .