نفحات7 ـ كتاب إفحام الخصم الملد ـ تلقّيه من النبي كل ما أخبره به يقظة
الرّئيسية > مكتبـة على الـخـطّ > إفحـام الخصـم الملـد ـ الفهرس > تلقّيه من النبي كل ما أخبره به ، يقظة


إعتقاد أن الشيخ تلقى من النبي جميع ما أخبره به ، يقظةً

إعلم أن الشيخ رضي الله عنه صرّح بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ضمن له ما ضمن يقظة لا مناما ، راجع الرماح ، وهاك تحقيق القول في مسألة الإجتماع به عليه الصلاة والسلام ، والتلقّي منه .
أخرج البخاري في صحيحه في باب من رأي النبيّ في المنام ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثّل بي الشيطان » . وأخرجه مسلم من طريق أبي هريرة أيضا بزيادة « أو لكأنما رآني في اليقظة ». وقد اختلف شراح الحديث في حمله على ظاهره ، وصرفه عنه ، ودونك صفوة الأقوال في ذلك ، مصدرة بما قاله الذين رأوا تركه على ظاهره ، خيرا من صرفه عنه .

كلام العارف ابن أبي جمرة في الحديث

قال في شرح الحديث ، من كتابه بهجة النفوس ، ما نصّه باختصار : « ظاهر الحديث يدل على حكمين : أحداهما أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة ، والثاني الإخبار بأنّ الشيطان لا يتمثل به . والكلام عليه من وجوه ، أحدها أن يقال : هل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته ، أو هذا كان في حياته ليس إلا ؟ وهل يتمثل بغيره من الأنبياء والرسل صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ، أو هذا من الأمور الخاصة به ؟ وهل لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والإتّـباع لسنته ؟ أما قولنا : هل هو على العموم في حياته ومن بعد مماته ، أو في حياته لا غير ؟ اللفظ يعطي العموم ، ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه فمتعسف . وقد وقع في بعض الناس عدم التصديق بعمومه ، وقال على ما أعطاه عقله ، وكيف يكون من هو في دار البقاء يرى من في دار الفناء ، وفي هذا القول من المحذور وجهان خطيران ، أحدهما : أنه يقع في عدم التصديق بعموم قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، والثاني : الجهل بقدرة القادر وتعجيزها ، كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى (1) فضُرِبَ قبرُ الميت ، أو هو نفسه ببعض البقرة فقام حيّاً سويّاً ، وأخبرهم بقاتله ، وذلك بعد أربعين سنة على ما ذكره أهل العلم ، لأن بني إسرائيل تأخّر طلبهم في طلب البقرة على الصفة التي نعتت لهم أربعين سنة ، وحينئذ وجدوها . وكما أخبر أيضا ، في السورة نفسها ، في قصة العزير ، وقصة إبراهيم في الأربع من الطير وكيف قص علينا في شأنهما . فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة سببا لحياته ، وجعل دعاء إبراهيم سببا لإحياء الطيور ، وجعل تعجب العزير سببا لإحيائه وإحياء حماره بعد بقائه مائة سنة ميتا ، قادر على أن يجعل رؤيته في النوم سببا لرؤيته في اليقظة. وقد ذكر بعض الصحابة وأظنه ابن عباس رضي الله عنهما : " أنه رأى النبي في النوم فتذكر هذا الحديث ، وبقي متفكرا فيه ، ثم دخل على بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأظنها ميمونة رضوان الله عليها ، فقص عليها قصته ، فقامت وأخرجت له جبة ومرآة ، وقالت له : هذه جبته وهذه مرآته ، قال : فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم أر لنفسي صورة . وقد ذُكِر عن السلف والخلف ، إلى هلم جرا ممن كانوا رأوه عليه الصلاة والسلام في النوم ، وكانوا ممن يحملون هذا الحديث على ظاهره ، فرأوه بعد ذلك في اليقظة ، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين ، فأخبرهم بتفريجها ، أو نصّ لهم الوجوه التي منها يكون فرجها ، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص. والمنكر لهذا لا يخلو أن يصدق بكرامات الأولياء أو يُكذّبَ بها ، فإن كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه ، فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة ، وقد تكلمنا على هذا أول الكتاب ، وبيناه بما فيه كفاية بفضل الله تعالى ، وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل ، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمَيْنِ ـ العلوي والسفلي ـ عديدة ، فلا تنكر هذا مع التصديق بذلك . وهنا إشارة لو عرفها المنكر ما أنكر ، وذلك أنّ المحب فيمن أَحَبّـَهُ فَانٍ ، قد أخرجه الإشتغال بمن أحبَّ عن هذه الدار وأهلها ، فلما كان معدودا في الفانين لَحِقَ بأهل دار البقاء برؤية أهلها ، والتنعم بمشاهدتهم ، وكانت جثته في هذه الدار كظاهر القبر في الدنيا ، وباطنه في الآخرة ، لأنه أول منزل من منازل الأخرى ، وقد تلوح مرارا على ظاهر القبر علامات مما هو داخله ، من خير أو غيره ، وهذا من الشهرة بين الناس خلفا عن سلف من حيث لا يحتاج أن يذكر له حكاية ولا خبر ».اهـ المقصود من كلامه .
وحاصله أنه يُرى إبقاء الحديث على عمومه فيمن رآه عليه الصلاة والسلام في حياته ، ومن شرّفه الله برؤياه بعد موته ، وأن رؤيته في اليقظة من باب الكرامة ، وأنه ثبتت لبعض الصحابة وبعض السلف والخلف ، وأشار ، رحمه الله ، بما نقله عن بعض الناس من تخصيص الحديث ، إلى ما ذهب إليه بعض شرّاحه من حمله على من رآه في منامه وهو حي ، وسيأتيك ذلك عند الكلام على طريقة من صرف الحديث عن ظاهره ، وقد ختم ، رحمه الله ، كلامه بما قرّب به أمر هذه الرؤية ، وهو فناء المحب فيمن أحبه ، فلا غرابة أن يرى من في دار البقاء إذا عرفت أنه في دار الفناء وهو لطيفة صوفية .
وقريب من كلامه في مسألة الرؤية ما قاله المناوي في شرح الشمائل ، عند الكلام على حديث من رآني فقد رآني حقا ودونك ما إليه الحاجة من كلامه في هذا الموضوع .

كلام المناوي في مسألة الرؤية ، وما نقله عن القونوي فيها . وفيه تعرض لرد بعض ما قاله المنكرون

قال رحمه الله تعالى ، بعد أن نقل كلام الغزالي في المنقذ من الضلال في رؤية أرباب القلوب ما نصه : « وقال القونوي : السبب الأقوى ، إجتماع بعضهم مع بعض من حيث صورهم في هذا العالم ، ومن حيث نفوسهم في العوالم العلوية يقظة ومناما ، وجود المناسبة وما به الإتحاد وكثرة الإجتماع ، وقِلَّـتُه راجعة إلى قوة آثارها وضعفها . فإن المناسبة قد تثبت من حيث الصفات والأحوال والأفعال ، وقد تثبت من حيث الأفعال فحسب ، وإنِ انضَمّ إلى ذلك حكم الإشتراك في المرتبة كان أقوى ، فإن قُـدِّرَ مع ذلك ثبوت المناسبة من حيث الذات فقد تم الأثر . فمَنْ ثبتت المناسبة بينه وبين الأرواح الكُمّل من الأنبياء والأولياء ، اجتمع بهم يقظة ومناما ، وقد كان شيخنا الأكمل متمَكّناً من الإجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء على ثلاثة أنحاء . إن شاء استنزل روحانيته في هذا العالم وإدراكه متجسدا في صورة مثالية ، شبيهة بصورته الحسية العنصرية التي كانت له في حياته الدنيا ، ولا ينخرم منها شيء ، وإن شاء أحضره في نومه ، وإن شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به . ولا تَستبعدْ مثل هذا فتفر إلى تأويل سخيف ، فغيرك والله قد رأى غير واحد من هؤلاء . إلى هنا كلامه ـ أي القونوي ـ.وأنكر ذلك طائفة ، منهم القرطبي ، محتجين بأن القول به جنون لاستلزامه خروجه من قبره ، ومشيِهِ بالأسواق ، ومخاطبته الناس ، وخُلُوّ قبره عنه ، ورؤية اثنين له في اليقظة في مكانين ، وغير ذلك ، ويبطله ما تقرر أن من كرامات الأولياء خرق الحجب ، فلا مانع عقلا ولا شرعا ولا عادة ، أنّ الولي البعيد يكرمه الله سبحانه بأن لا يجعل بينه وبين الذات ساترا ولا حاجبا ، كالزجاج يحكي من وراءه ، وهو حيّ في قبره . فلا مانع أنْ يُكرَمَ ، إذ الولي بمحادثته ورؤيته بعين البصيرة ، فلا أثر للقرب والبعد في مكانه . وقول الحافظ ابن حجر ما ذكره الأولون ـ أيّ مثبتو الرؤية في اليقظة ـ ولو حُمِلَ على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ، وبقيتْ الصّحبة للقيامة ، رُدَّ بأنّ شرط الصحبة الرؤية في الحياة ، وهذه خوارق ، والخوارق لا تنقض لأجلها القواعد الكلية » . اهـ. ما قاله المناوي .
أما الذين صرفوا الحديث عن ظاهره ، فمنهم الإمامان عياض والمازري ، والحافظ بن حجر . ودونك كلام كل واحد من هؤلاء الثلاثة ، ولنبدأ منها بكلام المازري والقاضي عياض ، ثم نقفي على أثرهما بكلام الحافظ .

ما قاله المازري والقاضي عياض على ما نقله عنهما الشيخ الأبي في شرح صحيح مسلم .

قال الابي في شرح الحديث ما نصه : « قال المازري : " هو شك من الراوي ، فإن كان المسموع الثاني فتأويله ما تقدم ، وإن كان المسموع الأول ، فيحتمل أن يريد من لم يهاجر من أهل عصره ، وأنه إذا رآه في المنام فسيراه في اليقظة ، ويكون الله جعل رؤياه علماً على ذلك ، وأوحى اليه به ". اهـ . وقال القاضي عياض : " وقيل المعنى أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة ، وقيل : المعنى يراه في الآخرة في اليقظة ، وبَعّدَهُ بعضُهم ، لأنه يراه في الآخرة كلّ أمته ، من رآه ومن لم يره . ولا يبعد عندي أن تكون رؤيا خاصة بالقرب منه ، والشفاعة فيه . وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم في المسلم والكافر : لا تتراءى نارهما لا يجتمعان في الآخرة ، ويبعد كل منهما عن صاحبه . وفيه تأويلات معروفة ، ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين بمنع رؤيته مرة » اهـ .

ما قاله الحافظ بن حجر ، وهو أجمع ما رأيته في الموضوع .

قال رحمه الله في شرح الحديث من كتابه فتح الباري ، بعد كلام ليس من موضوعنا في شيء ، ما نصه : « وقال ابن بطال : قوله فسيراني في اليقظة ، يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة ، وصحتها وخروجها على الحق ، وليس المراد أنه يراه في الآخرة ، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة ، فتراه جميع أمته ، من رآه في النوم ومن لم يره منهم . وقال ابن التين : المراد من آمن به في حياته ولم يره ، لكونه حينئذ غائبا عنه ، فيكون هذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته ، قاله القزاز . وقال المازري : إن كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة ، فمعناه ظاهر ، وإن كان المحفوظ فسيراني في اليقظة ، إحتمل أن يكون أراد أهلَ عصره ممن لم يهاجر إليه ، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة ، وأوحى الله بذلك إليه . وقال القاضي : وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها ، وقيل معنى الرؤية في اليقظة ، أنه سيراه في الآخرة ، وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته ، مَنْ رآه في المنام ومن لم يره . يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية . وأجاب القاضي عياض باحتمال أنْ تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عُرِفَ عليها ووصف بها، موجبة لتكرمته في الآخرة ، وأنْ يراه رؤية خاصة من القرب منه ، والشفاعة له بعلوّ الدرجة ، ونحو ذلك من الخصوصيات . قال : ولا يبعد أنْ يعاقب الله المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه مرة . وحمله ابن أبي جمرة على محملٍ آخر ، فذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أو غيره ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث ، فدخل على بعض أمهات المؤمنين ، ولعلها خالته ميمونة رضي الله عنها ، فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر فيها ، فرأى صورة النبي عليه الصلاة والسلام ولم ير صورة نفسه . ونُقِلَ عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة ، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين ، فأرشدهم إلى طريق تفريجها ، فجاء الأمر كذلك . قلت - أي ابن حجر - وهذا مشكل جدا ، ولو حُمِلَ على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ، ولَأَمْكَنَ بقاء الصحبة إلى يوم القيامة . ويعكر عليه أنّ جمعا رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة ، وخبر الصادق لا يتخلف . وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال : من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ، ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا . وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذه ، فأحال بما قال على كرامات الأولياء . فإن يكن كذلك ، تعين العدول عن العموم في كل راء . ثم ذكر أنه عامّ في أهل التوفيق ، وأما غيرهم فعلى الإحتمال ، فإنّ خرق العادة يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء ، كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام ، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة . انتهى .
والحاصل من الأجوبة ستة :
أحدها : أنه على التشبيه والتمثيل ، ودلّ عليه قوله في الرواية الأخرى فكأنما رآني في اليقظة .
ثانيها : أنّ معناه سيُرى في اليقظة ، تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير .
ثالثها : أ انه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه .
رابعها : أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ، ذلك وهذا من أبعد المحامل .
خامسها : أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية ، لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام .
سادسها : يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه ، وفيه ما تقدم من الإشكال . وقال القرطبي : قد تقرر أن الذي يُرى في المنام أمثلة المرئيات لا أنفسها ، غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة ، وتارة يقع معناها ، فمِنَ الأول : رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه : فإذا هي أنتِ ، فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ، ومِنَ الثاني : رؤيا البقر التي تنحر ، والمقصود من الثاني التنبيه على معاني تلك الأمور . ومن فوائد رؤيته تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ، ليعمل على مشاهدته ، وإلى ذلك الإشارة بقوله : فسيراني في اليقظة ، أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ، ومشتاق إلى مشاهدتي ، وصل إلى رؤية محبوبه ، وضفر بكل مطلوبه ، قال - أي القرطبي - : ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته ، وهو دينه وشريعته ، فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان ، أو إساءة وإحسان . قلت ـ أي ابن حجر ـ وهذا جوابٌ سابع ، والذي قبله لم يظهر لي، فإنْ ظهر فهو ثامن » اهـ كلام الحافظ بن حجر .

الموازنة بينه و بين كلام ابن أبي جمرة

علمتَ أنّ ابن أبي جمرة جريء في فهم الحديث على ما ما يقتضيه ظاهره ، وأنه أيد ما ذهب إليه بالواقع ، إذ جاء أن ابن عباس أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المرآة ، ونُقِلَتْ الرؤية في اليقظة أيضا عن جماعة من السلف والخلف ، وأنّ المسألة من باب الكرامة . وأما الحافظ بن حجر ، فكل ما ذكره من تأويلات الحديث ، بعيد عن ظاهره بشهادة الذوق البريء من التعصب ، وقد اعترف هو نفسه ببعد بعضها ، وهو الرابع كما سبق في كلامه . وقد ذكر ما حمل ابن أبي جمرة الحديث عليه ، واستشكله من وجهين :
أحدهما استلزامه أن يكون هؤلاء الراؤون صحابة فلا تنقطع الصحبة إلى يوم القيامة .
وثانيهما أنّ جمعا رأوه في المنام ثم لم يذكروا أنهم رأوه في اليقظة .
وكِلاَ الأمرين مرفوع .
أما الاول ، فبما ذكره ابن حجر المكي ، وهو أنّ هذه الرؤية في عالم الملكوت ، وهي لا تفيد صحبة .
وأما الثاني ، فبأن عدم ذكرهم الرؤية في اليقظة ، لا يقتضي انتفاء وقوعها ، إذ قد يتشرف بها عند الاحتضار ، كما صرّح به ابن حجر المكي ، أو يكرمه الله بها من قبل ، ولكن لا يذكرها لأنها من الكرامات كما علمت ، والولي يتستر من الكرامة كما تتستر المرأة من دم الحيض ، وما يؤْثَر عن بعض الأولياء من ذكرها ، فلِأَمرٍ داعٍ إلى ذلك ، مثل ما يدعو إلى إظهار غيرها من الكرامات . ثم إنّ الحديث إذا لم يحمل على ظاهره ، وصُرِفَ إلى وجهٍ آخر ، لم يكن مقتضيا لثبوت الرؤية ، ولكنه لا يقتضي انتفاءها ، وحينئذ نَسْلُكُ في إثباتها طريقا آخر ، وهو أن ما أُعطيه الرسول من المزايا فلأمته نموذج منه إلاّ ما قام الدليل فيه على الخصوصية ، كما علمت من كلام الإمام الشاطبي . وإذا كان الرسول اجتمع ليلة الإسراء بفريق من الأنبياء في السماء يقظة ، عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وجرى الحديث بينهم وبينه ، فالخاصة من أمته يجتمعون بالأنبياء ، وبسيدنا محمد وهو أصل هدايتهم ، وَوَلِيّ نعمتهم . وممن جرى على هذه الطريقة في الإثبات ، الشيخ ابن الحاج ، وستمر بكلامه إن شاء الله تعالى .
هذا وقد قال بما ذهب إليه العارف ابن أبي جمرة ، في مسألة الإجتماع بالرسول ، جماعة من أهل العلم ، من المتقدمين والمتأخرين ، منهم الإمام الغزالي ، والقاضي أبو بكر بن العربي ، والشيخ ابن الحاج صاحب المدخل ، وجلال الدين السيوطي .

كلام الإمام الغزالي .

تقدم قول حجة الإسلام ، رحمه الله . فبكتابه المنقذ من الضلال ،عند الكلام على طريق التصوف : « ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ، وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد الخ » .

كلام أبي بكر بن العربي وابن الحاج صاحب المدخل

نقَلَ كلامَ هذين الإمامين ، الشيخ ابن حجر المكي في فتاويه فقال ، بعد أن نقل كلام الغزالي في المنقذ من الضلال ما نصه : « وقال تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي ، رؤية الأنبياء والملائكة ، وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة ، وللكافر عقوبة . وقال ابن الحاج في مدخله : رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق ، وقَلَّ مَنْ يقع له ذلك ، إلاّ من كان على صفةٍ عزيزٌ وجودُهَا في هذا الزمان ، بل عُدِمَتْ غالبا ، مع أننا لا ننكر مَنْ يقع له ذلك من الأكابر الذين حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم ، ولا ينكره إلاّ جاهل بما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض ، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات ، كما نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من الأنبياء في السماء ، وسمع خطابهم ، وقد تقرر أنّ ما جاز للأنبياء معجزة ، جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي »اهـ .

كلام جلال الدين السيوطي

تعرض الجلال ، رحمه الله ، لهذه المسألة في رسالته الإعلام بحكم نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأفاض القول فيها في كتابه تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ، فقال في الإعلام ، عند الكلام على مسالة : إن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، إذا نزل يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلا مانع أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من شريعته ما نصه : « الثالث أن جماعة من أئمة الشريعة نصوا على أن من كرامات الولي أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجتمع به في اليقظة ، ويأخذ عنه ما قسم له من معارف ومواهب . وممن نص على ذلك من الشافعية ، ومن أئمة المالكية ، القرطبي ، وابن أبي جمرة وابن الحاج في المدخل » اهـ. فأنت تراه نقل هذا القول وأقره فيكون مذهبه في المسالة . وقال في رسالته تنوير الحلك ما نصه : « ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه ، وذلك لأنه وسائر الأنبياء أحياء ، رُدّتْ إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا » الخ ما قال . ومن شعره رحمه الله :

رؤيـة الأنبياء بعـد الممات     أدخلوهـا فـي حيـز الممكنـات
قل لمن قـال أنها  مستحيـل     أترك الخوض عنك في الغمـرات
أنت لا تعرف المحال ولا الـمـ    مكـن إمـا بالغـير أو بالـذات
واحـذرن  أن تـزَلّ زلـة كفر   وتَـوَقّ  مـواقــع    الـزلات

ولعله عَنَى ، رحمه الله ، بقوله : واحذرن أن تزَلّ زلة كفر ، أن تذهب إلى إنكارها بناء على أن القدرة الإلهية غير صالحة للتعلق بها .


ذكر جماعة ممن روي أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة

علمت ، من كلام الشيخ ابن أبي جمرة ، أنّ جماعة من السلف والخلف قيل بثبوت هذه الرؤية لهم ، وذكر قصة ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في رؤيته في المرآة . وممن رُويَتْ له هذه المنقبة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. يُروى أنه دخل عليه عبد الله بن سلام في اليوم الذي قُتِلَ فيه ، فقال له عثمان : أترى هذه الطاقة ؟ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تراءى لي منها فقال : أحَصَرُوك يا عثمان ؟ قلت : نعم ، بأبي أنت وأمي فقال : إِنْ شئتَ نُصِرْتَ عليهم ، وإن شئت أفطرتَ عندنا ، فقلت : بل أفطر عندكم ، فقُتِلَ قبل غروب الشمس من ذلك اليوم . ذكر هذه الحكاية الحافظ جلال الدين السيوطي في الخصائص الكبرى ، ثم قال : « قال الشيخ أبو منصور في رسالته يقال : أن الشيخ أبا العباس القسطلاني دخل مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أخذ الله بيدك يا أحمد . وعن الشيخ أبي السعود أنه قال : كنت أزور شيخي أبا العباس ، وغيره من صلحاء مصر ، فلما فُتِحَ عليّ لم يكن لي شيخ إلاّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة ». وقد ذكر الشيخ الألوسي ، عند الكلام على هذه المسألة في تفسير آية ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (2) ، جملة ممن رُويَتْ لهم هذه الكرامة ، وتعَرّض للخلاف في أنّ المرئيَّ ذاته الشريفة أو مثاله ، ودفع بعض ما يعترض المسالة من الشبه ، ودونك ما يهمنا نقله من كلامه في الموضوع .

كلام الألوسي في الرؤية ومن ثبتت له واختلاف العلماء في المرئي ودفع بعض الشبه في هذا المقام

قال ، رحمه الله ، إذْ تكلم على مسالة نزول سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فيما كتبه على الآية الشريفة : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (3) ، من تفسيره روح المعاني ما نصه : « وقيل أنه يأخذ الأحكام من نبينا صلى الله عليه وسلم شفاها بعد نزوله ، وهو في قبره الشريف ، وأيّدَ بحديث أبي يعلي : والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري ، وقال : يا محمد ، لأجيبنه ، وجوز أن يكون ذلك بالإجتماع معه عليه الصلاة والسلام روحانية ، ولا بدع في ذلك فقد ، وقعت رؤيته ، بعد وفاته ، لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة ، والأخذ منه يقظة . قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في طبقات الأولياء : قال الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر ، فقال لي : يا بنيّ لِمَ لا تتكلم ، فقلت : يا أبتاه أنا رجل أعجم ، كيف أتكلم على فصحاء بغداد ؟ ، فقال : إفتح فاك ، ففتحته فتفل فيه سبعا ، وقال : تكلم على الناس ، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة . فصليت الظهر وجلست ، وحضرني خلق كثير ، فارتج عليّ ، فرأيت عليا كرم الله تعالى وجهه قائما بإزائي في المجلس ، فقال لي : يا بني لِمَ لا تتكلم ؟ ، فقلت : يا أبتاه قد ارتج علي ، فقال : إفتح فاك ، ففتحته ، فتفل فيه ستا ، فقلت : لِمَ لا تُكْمِلْه سبعا ؟ ، قال : أدبا مع رسول الله ، ثم توارى عني فقلت : غوّاص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر ، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان ، فتُشْرَي بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوتٍ أذِنَ الله أن ترفع " . وقال أيضا ، في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي : " كان كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما ، فكان يقال : إنّ أكثر أفعاله يتلقاه منه يقظة ومناما . ورآه في ليلة واحدة سبع عشر مرة ، قال له في إحداهن : يا خليفة لا تضجر مني ، فكثير من الأولياء ماتوا بحسرة رؤيتي ". وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن : " قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي : يا سيدي صافِحْنِي بكفك هذه فانك لقيتَ رجالا وبلادا ، فقال : والله ما صافحت بكفي هذه إلاّ رسول الله ". قال : وقال الشيخ : " لو حُجِبَ عنّي رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين " . ومثل هذه النقول كثيرة في كتب القوم جدا . وفي تنوير الحلك لجلال الدين السيوطي ، الذي رَدّ به على منكري رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في اليقظة ، طرف معتد به من ذلك ، ثم نقل عنه شيئا من أدلة مثبتي الرؤية ، ونقل كلام ابن أبي جمرة ، ثم قال ما نصه : " واختلفوا في حقيقة المرئي ، فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه ، وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله ، ثم نقل كلامه ، وقال بعد : واستحسنه الجلال السيوطي " ».
ثم قال الألوسي ، بعد كلام ، في أنه لم يؤثر ظهوره للصحابة وأهل بيته ما نصه : « وبالجملة عدم ظهوره صلى الله عليه وسلم لأولئك الكرام ، وظهوره لمن بعدهم ، مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام ، ولا يحسن مِنّي أنْ أقول كل ما يُحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه ، وجلالة مدعيه ، وكذا لا يحسن مني أن أقول إنهم إنما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فظنوا لِخِفة النوم ، وقِلّة وقته ، يقظة ، فقالوا رأيناه يقظة ، لما فيه من البعد ، ولعل في كلامهم ما يأباه . وغاية ما أقول أن تلك الرؤية من خوارق العادات كسائر كرامات الأولياء ، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام ، وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جدا ، وأنّى يُرى النجمُ تحت الشعاع ، أو يظهرُ كوكبٌ وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع ، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ، ولم تقتض المصلحة إفشاءه ، ويمكن أن يقال أنه لم يقع لِحِكمَة الإبتلاء أو لخوف الفتنة ، أو لأنّ في القوم من هو كالمرآة له صلى الله عليه وسلم ، أو ليسرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته فيما يهمهم ، فيتسع باب الإجتهاد ، و تنشر الشريعة ، وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد ، أو لنحو ذلك . وربما يدعى أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ، ولكن كان مستترا في ظهوره ، كما روي أنّ بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله ، فجاء إلى ميمونة ، فأخرجت له مرآته ، فنظر فيها فرأى صورة رسول الله ولم ير صورة نفسه . فهذا من الظهور الذي يدّعيه الصوفية ، إلاّ أنه بحجاب المرآة وليس من باب التمثيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة والسلام ، وملاحظة أنه كثيرا ما ظهرت فيه صورته حسبما ظنه ابن خلدون . فإن قُبِلَ قولي هذا ، وتوجيهي لذلك الأمر ، فبها ونعمت ، وإلاّ فالقول مشكل ، فاطلب لك ما يحله ، والله سبحانه الموفق للصواب » اهـ. المقصود من كلام الألوسي . فتحصل مما جلبناه ، أولا وآخرا ، أن رؤيته في اليقظة قال بها جماعة من أهل العلم ، وأيّدوها بالحديث الصحيح بناء على أحد محامله ، وهو أظهرها ، وأنها نُقِلتْ عن كثير من أهل الولاية ، وأن ما أقامه بعضهم في وجه إثباتها مدفوع ، كما علمت ، من كلام ابن حجر المكي والألوسي .
فادعاء الشيخ التجاني رضي الله عنه هذه الرؤية ، لا يصلح أن يكون مجالا للإنكار .
هذا ما يسّرَهُ الله تعالى في مسألة رؤيته يقظة بعد وفاته . وأما مسألة التلقي منه ، فقد علمت ، مما تقدم أوائل هذه الرسالة ، كلام الإمام الشاطبي فيها ، وقد فرضها في رؤياه المنامية . وحاصل كلامه أن رؤيا غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلاّ أن تُعْرَض على الشريعة ، فإن سوغنها عمل بمقتضاها ، وخرج على هذا رؤيا الكتاني للنبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله إياه دعاء الله أن لا يميت قلبه وقوله له قل : كل يوم أربعين مرة يا حيّ يا قيّوم . وقريب من موضوعنا هذا ، قال الشيخ زروق في الإلهام ، ونقله عنه الشيخ عبد القادر الفاسي في بعض أجوبته ، وهو أنه يعمل به فيما لا ينافي الحكمة ، ولا يغير الحُكم . ونقل عن شيخ شيوخه ، أبي عبد الله محمد القصار ، أنه إذا كان في الأمة محدث أو مكلّم ، كما قال ، فما المانع من أن يقول قيل لي ، أو نوديتُ في سري ؟ وكلام القوم في تصانيفهم أكثر من أن يحصى . أفاض الله علينا من نفحات بركاتهم ، وقد نقلته من الأجوبة بالمعنى مختصرا .
هذا ، وقد علمت أنّ ما ذكره المعترض على الشيخ التجاني رضي الله عنه لا شيء منه بمخالف للشريعة عند تحقيق النظر.

<< الصفحة السابقة    الصفحة التالية >>


  1. سورة البقرة ، الآية 73 .
  2. سورة الأحزاب ، الآية 40 .
  3. سورة الأحزاب ، الآية 40 .