لا خفاءَ أنّ سيّدنا وشيخنا أبا العباس مولانا أحمد التجاني الحَسَنِيّ رضي الله عنه ممّن أُوتِيَ التحقيق وأُعْطِىَ كمال المعرفة بهذا الطريق ، وخاض من بحر المعارف لُجَجَهُ وركب منه ثَبْجَهُ ، حتّى صار إماما راسخا وطوْدا شامخا ، بَاعُهُ فيه عريضٌ ومجلسُه من روض أريضٌ ، حَوَى مِنَ اللطائف حدائق ذات بهجة واستوعب كيفية السلوك ونهجه ، واشتمل على دقائق الأسرار العرفانيّة وغوامض العلوم الربّانيّة ، والحقائق العليّة والأذواق السنيّة ، فإذا تكلّم في آية أو حديث سحر الألباب وأتى بالعجب العجاب ، وإذا وَعَظَ أثّر كلامُه ونفذتْ سِهامُه ، وإذا أرشد إلى مولاه أفاد وأخذ بمجامع اللبِّ والفؤاد وانْطَاعَ له القلب وانقاد ، كلامُه هَدْيٌ ونورٌ وشفاءٌ للصدور ، له الإشارة العليّة والعبارة السميّة ، يقرّب البعيد للأفهام ويُفْحِمُ بالحجّة الواضحة أكابر الأعلام ، بليغ الخطاب مُصيب للصواب ، لا تُعْوِزُهُ عن مراده عبارة ولا تَنْبَهِمُ عن السامعين منه إشارة ، كلٌّ يحسب الكلام صادقا عليه ومتوجّها إليه ، ينطق بجوامع الكَلِمِ وبدائع الحِكَمِ ، ويدلّ على الله أبدا ويَجْمَعُ عليه ويدعو بالحِكْمَةِ والموعظة الحسنة إليه ، يؤيّد كلامه بالكتاب والسُّنَّةِ ويُجْلِي بِنُورِهما كلّ دجنة ، وإذا حضر مجلِسَه أهلُ العلم ، ولا يَخْلُونَ منه غالبا ، أظهر لهم ما خَفِيَ منهما عليهم وأشهدهم ما كان غائبا ، يتكلّم في طريق القوم بما يبهر العقول من جواهر الحِكَم الوهبية لا من جواهر النقول ، فيتكلّم على المحبّة والمُحِبّ والمحبوب والسلوك والجذب والفناء والبقاء ، وعلى عالم الملك والملكوت والجبروت وعالم الروح ، وعلى الكشف الأكبر والأصغر ، وعلى أسرار أسماء الله الحسنى والصفات العُلى ، وعلى الاسم الأعظم وأسراره وما احتوى عليه من العلوم وأنواره وطريق معرفتها وآثارها ومؤثراتها وتعريفاتها ومقتضياتها وأحكامها ولوازمها وما يراد منها وبها ، وعلى أحوال القيامة ومواطنها على طريقة أهل الكشف تارة وتارة بما ورد في الكتاب والسنّة وتارة ينسب ذلك لبعض الأكابر تستّراً لحاله رضي الله عنه .
ويتكلّم على عيوب النفس ودسائسها ورَعْوَنَتِهَا ، ويتكلّم في تَرْكِ التدبير والاختيار ومنازعة الأقدار ، وفي شُكْرِ النعمة وشهود الفعل من الله كما يُعْلَمُ بعضُ ذلك ممّا تقدّم في الباب قبل هذا .
وكلامه رضي الله عنه في هذا وغيره من المعارف والأذواق لا يأتي عليه العدد العديد ولا يفي به الكثير من الأوراق ، ومجلسٌ واحدٌ من مجالسه لا تُسْتَوْفَى علومُه ولا تُسْتَقْصَى فهومُه ولكن المراد الْتقاط ما حضر وجَمْعِ شيء ممّا سلف في بعض مجالسه وغيره ممّا يمكن مثلي رسمه وجمعه وضمّه .
وله رضي الله عنه كلام بطريق الإشارة وغيرها على آيات عديدة من القرآن العظيم وعلى كثير من الأحاديث النبويّة والإشارات العُلْوِيَّة ، إنْ وافقتْ اللفظ ولم تغيّر خطابا ولا إعرابا مقبولة على ما حرّره الأئمّة الأقدمون والعارفون ، وكما سلكه غير واحد من السادات الأئمّة وأعيان الصوفيّة كالورتجي وغيره من العلماء العاملين رضي الله عنهم ونفعنا بهم وبذكرهم وحشرنا في زمرتهم وأماتنا على نهجهم ومحبّتهم وسُنّتِهِم إنّه وليّ ذلك والقادر عليه .
وهذا الباب - أعني باب الكلام - أوسع من أنْ تُستوفَى أنواعه وفوائده وتُجمع مسائلُه وشوارده إذْ لم نَزَلْ نسمع من كلام سيّدنا رضي الله عنه حِكَماً وفوائد ودررا من المعارف وفرائد ولكن النسيان مسبول على الإنسان وما علق منه بالأذهان والأفهام إلاّ ما كثر سماعه وتكراره على ممرّ الليالي والأيّام ، ولو أُفْرِدَ هذا الباب بالتصنيف لكان حقيقا ، ولعلّنا نتعرّض له إن شاء الله في غير هذا الوقت في جزء مستقلّ إنْ وَجَدْنَا لذلك طريقا .
وقد حكينا بعض ما تقدّم في غير هذا الباب ، بعضُه بالمعنى ، وجرينا فيما أوردنا على ذلك المبنى مع محاذاة عبارته ما أمكن وإيرادها بعينها إنْ وافق اللسان لفظه المعيّن ، والحكاية بالمعنى أمْرٌ مألوف وكذا الرواية برعاية شرطها المعروف ، وقد أجازها للعارف أهل الحديث ورَوُوا بها كلامه صلّى الله عليه وسلّم في القديم والحديث فما بالك بحديث مَن دونه ، فما زالوا يرتكبون فيه ذلك ويستعملونه ومنه بعض ما حكيناه عنه رضي الله عنه من أجل ما ذكرنا ، أفاض الله علينا من بركاته وخوّلَنا من نفحاته ونفعنا بعلومه وأسراره ومعارفه وأنواره وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .
الصفحة الأولى >>
<< عودة إلى فهرس الباب الخامس