نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الخامس : في مسائله الفقهيّة وفتاويه العلميّة
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الخامس


في مسائله الفقهيّة وفتاويه العلميّة

سئل رضي الله عنه عن الحكم الشرعيّ ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : حقيقة الحكم الشرعيّ هو خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلَّفين الخ . فأمّا في نصّ الكتب الإلهيّة فظاهر التي هي عين قول الله بذاته ، مثل التوراة و الانجيل و الزبور والفرقان الخ ، وأما ما أمرت به الرسل خارجا عن الكتب فالأمر فيه مشكل ، وزوال إشكاله أنّ الله تعالى يقول في كتابه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وقوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وقوله : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ، وقوله : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ إلى أن قال : وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ . فهذه الآيات مصرّحة بأنّ أمر الرسول هو عين قول الله ، وأنّ الله تعالى أمر بطاعة الرسول في كلّ ما أمر به ونهى عنه ، كما قال في الآية الأخرى : وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . ثمّ إنشاء الرسول للحكم الذي ليس هو في الكتاب المبعوث به هو أمر إلهيّ لا يُشكّ فيه أنّه من عند الله ، وأخْذه للحكم من عند الله بأحد أمور ، إمّا من طريق النسب وهو أمر قطعيّ ، وإمّا من طريق الأسرار وهو أمر قطعيّ أيضا ، وإمّا من طريق الإلهام وهو قطعيّ أيضا ، وإمّا من طريق بورود الملك عليه بأمر الله مجرّدا عن قول الله الذي تشابه الأمر وهو قطعيّ . فأمّا النسب فهو أمر معلوم للرسل عليهم الصلاة والسلام في الحضرة الإلهيّة كلّها متناسبة على قانون لا تنافره الحكمة كأنْ تلد الآدميّة حمارا أو جملا ولا عكسه لعدم التناسب ، فإنّ الاقتطاع الإلهيّ ، وإنْ كان أمرا صادقا لا يتوقّف على وجود شيء ولا عدمه لأنّه اقتطاع بحكم المشيئة وهي لا تتوقّف على شيء ، ولكنّه جعل له في عالم الحكمة نسبا حكيما أنْ لا يقع الاقتطاع الإلهيّ إلاّ في قابليّة طبيعيّة لا غير . فإنّ الزرع مثلا لا يصحّ زراعته على الحجر الصلد الصمّاء ثمّ يتخلّلها زرعا كاملا ويخرج كما هو في التراب الطيّب ، فلا يتأتّى لعدم النسبة القابليّة له . ولا يتأتّى مثلا خروج الزرع بعد بذره في أرض إلاّ بتراب طيّب وقذف ماء أو ثرى فيه ثمّ تنمية الرياح والشمس له إلى أن يصير زرعا كاملا ، وبدون هذه الأمور لا يخرج زرعا كاملا لعدم المناسبة لفقْدِ القابليّة الطبيعيّة ، وهكذا .
وأمّا طريق الأسرار فهو علم ثابت للرسل عليهم الصلاة والسلام ، مهما أمرهم الله بأمر أو نهاهم بنهي أطلعهم على سرّ ذلك نفعا وضرّا ، وهذا معقول لهم معلوم من الأمر الإلهيّ . فإذا علِم الرسول في الأمر ، أيّ أمر لم يأت فيه قول الله تعالى ، ووجد السرّ الذي عاينه في أمر الله تعالى في أمر آخر أمَرَ به أو نهى عنه للسرّ الذي علمه ، هذا هو الحكم من طريق الأسرار .
وأمّا طريق الإلهام فهو إمّا بالتلقّي أو بالإلقاء أو باللقاء . أمّا التلقّي فهو توجّه الرسول عليه الصلاة والسلام بكلّية باطنه إلى حضرة الحقّ في طلب العلم كشفا فيُجاب في الحين أنّ الحكم فيه كيت وكيت ، أمرا ونهيا ، وهو قطعيّ . وإمّا بالإلقاء وهو أمر يتوجّه من الحقّ إلى سرّ الرسول عليه الصلاة والسلام على بغتة من الرسول وعلى غير توجّهٍ منه لطلب السؤال عن الحكم ، فهو الإلقاء ، وكلا الأمريْن يُطلَق عليهما إلقاء تلَقّ إلاّ أنّهما يفترقان فيما يتوجّه فيه الرسول إلى الحضرة وما جاء على غير توجّه . وأمّا اللقاء فلا يُذكر ولا يعلمه إلاّ أربابه .
وأمّا الوحي فيأتي فيه الملك بأمر الله ، مخبرا بأمره أمرا ونهيا للرسول عليه الصلاة والسلام ، لكن ورود الملك بالأمر مجرّدا عن قول الله المسموع من ذاته ، وذلك الأمر في حقيقته لم ينشأ إلاّ عن قول الله تعالى . إنتهى .
وخطاب الله تعالى على قسمين : خطابٌ في عالم الحكمة وخطاب في عالم المشيئة ، وكِلاَ الخطابيْن صحيح ثابت يجب اعتقاده و الإيمان به . فخطابه في عالم الحكمة قوله سبحانه وتعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، أيّ لأوجب عليهم عبادتي ، فإنْ وفّوا بها أَثَبْتُهُمْ ، وإنْ خالفوا استحقّوا هُمْ العقوبة مِنِّي . والخطاب في عالم المشيئة قوله سبحانه وتعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً إلى قوله : خَلَقَهُمْ ، ومن الخطاب في عالم الحكمة قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، والخطاب في المشيئة قوله سبحانه وتعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ إلى قوله إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، ففي الآية الأولى قوله وما أرسلنا من رسول الخ أثبت الإيمان مملوكا للعباد ، وفي الآية الثانية جرّدهم عن الإيمان ، وأنّه لا يكون إلاّ بمشيئته . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه .

وسئل سيّدنا رضي الله عنه ، ونصّه : بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، كتاب أسئلة تعرض على علماء الإسلام ممّن لهم النظر التامّ والاستبصار الكامل العامّ في فهم معاني نصوص الكتاب ومعرفة مقاصدها ليجيبوا عن هذه الأسئلة .
السؤال الأوّل : امرأة تحت حكم زوجها بلزوم عصمته الشرعيّة في بلد لا حاكم بها يأخذ من الظالم الإنصاف ويعين المظلوم بالنصر والإسعاف لكون البلد هملا من الحكم ويصعب الوقوف فيها على تحقيق شرعة الأحكام ، ثمّ ذهبت من دار زوجها لدار أهلها بغير إذن زوجها ، فلمّا ذهب يردّها امتنعت منه بكلّ وجه وقالت : لا أرجع إليك أبدا إلاّ أن تلتزم لي في ذمّتك إنْ تزوّجتَ عليَّ فأنا منك طالق بائن بكلّ ما يلزمك من صداقي ، وإلاّ فلا أرجع إليك أبدا . والحال أنّها لم يكن منها ذلك عن ضرر نالها ، ولا لضيق منه أوجب ذلك لها إلاّ قصْد أنْ تمنعه من نكاح غيرها ، ولم يكن ذلك حين العقد ، إنّما كان بعد الدخول بكثير . فالتزم الزوج ذلك كلّه لها وأنعم لها به . فهل هذا الالتزام للزوج المذكور لازم له بحكم الشرع أم باطل ؟
السؤال الثاني : خروج المرأة من دار زوجها بغير إذنه خروجا تمتنع فيه بدار أبيها مظهرة للنشوز من زوجها ، والحال أنّها لم يلحقها ضرر قليل ولا كثير يوجب ذلك النشوز لها . وحلف الزوج بعده لا مشى إليها ولا طلّقها حتّى تأتي إلى داره وحدها أو مع أبيها أو أمّها وإلاّ ترَكَها معلّقة ويتزوّج هو ويتركها .
السؤال الثالث : إذا كانت هذه المرأة التي وقعت السؤالات عنها حاملا من زوجها المذكور ، وفَرَّتْ بحملها إلى دار أبيها ناشزا من زوجها ، ثمّ وضعتْ هذا الحمل وامتنعتْ من إرضاع الولد ، هل عليها إرضاعه أم لا ؟
السؤال الرابع : لم نكتبه هنا بل وحده لِقِلَّةِ الكلام فيه ، وبيان بطلانه لكلّ مَن له أدنى فهْم .
الجواب الأوّل عن السؤال الأوّل ، والله الموفّق للصواب : أنّ هذا الالتزام الواقع من الزوج المذكور لهذه المرأة المذكورة على هذه الصفات من البلد والوقت كلّه باطل لا يلزم الزوج فيه طلاقٌ ولا تحمّلٌ ولا غير ذلك . وبيان ذلك أنّ الزوج المذكور مُكْرَهٌ على التحمّل لِمَا تحمَّلَ لأنّ عصمته وطاعته على زوجته ثابتة بحكم الشرع ، فليس لها أن تمتنع منه حتّى تأخذ منه شيئا أو تجحده عن نكاح غيرها إذْ لا حَقّ لها في ذلك ، فهي ظالمة له ، وحيث تحمّل هو ذلك بحكم الإكراه لا يلزمه لأنّ حقّه ثابت في رقبتها ولا تملك منه انفكاكا ، وحيث امتنعت منه بغير موجب شرعيّ ، ولم يقدر على فراقها لشدّة حاجته إليها ، ولا حاكم يقهرها على ردّها إليه ، فالْتِزَامُه لِما طلبتْ منه كرها لا يلزمه منه شيء ، وهو بمنزلة مَن غصب مالا من شخص بلا شبهة ولا حقّ ، فلمّا طلب المغصوب منه من الغاصب ردَّ مالِه قال له : لا أردّ لك مالَك إلاّ أنْ تعطيني كذا وكذا مالا أو غير ذلك ، فأعطى للغاصب ما طلب منه طلبا لردّ ماله ، فلمّا أعطاه الغاصب مالَه طلب المغصوب منه من الغاصب أن يردّ له ما أعطاه على ردّ المال ، وامتنع الغاصب من ردّ ما أخذ على ردّ المال مُحْتَجّاً بأنّه أعطاه باختياره فلا ردّ له . وحُكْمُ الشرع أنْ يَرُدَّ الغاصبُ ما أخذَه من المغصوب منه على ردّ المال الأوّل لأنّ المغصوب منه أعطى ما أعطى على ردّ ماله ، وحيث قدر على الانصاف من الغاصب فله أخْذ جميع ما أعطاه . ومسألة هذه المرأة التي ذكرناها مثل مسألة الغاصب سواء لأنّ كلّ مَن أوجب عليه الشرع حقّا لغيره فأداؤه إلى صاحبه لازم شرعا ، فإنْ حبس ذلك الحقّ حتّى أخذ عليه شيئا فأخْذُه حرام ، والدافع مُكْرَهٌ لا اختيار له في ما دَفَعَ ، وأمْر الإكراه اجتمعت عليه الأمّة على رفْعه وعدم لزوم حُكم الإكراه ولو بلغ ما بلغ . قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : " إنّما هلك من هلك ممّن كان قبلكم لِحَبْسِهم الحقّ حتّى يُشتَرى وعدم رفْعهم الباطل حتّى يُفتَدى " ، وصحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم قال : « رُفِع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » ، وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : « لا طلاق في إغلاق » ، و الإغلاق في اللغة هو الإكراه ، ومعناه لا طلاق في إكراه . وثبت عن مالك رضي الله عنه ، إمام مذهبنا ، أنّه استفتاه أمير المدينة في طلاق المُكْرَه على طلاق هل يلزم ؟ فأفتاه الإمام بعدم لزوم الطلاق المكره ، وكان قصْد الأمير من الإمام أنْ يصحّح له طلاق المكره ، فحينئذ أخذ الإمام وعمل به صورة الذلّ من تعرية رأسه وأكتافه ، والجلاّد يطوف به في المدينة وينادي عليه : " هذا جزاء من يعصي الأمراء " ويُضرب ، ويُقال له : " قل هذا جزاء من يعص الأمراء " ، فيقول مالك رضي الله عنه ، وهو في ذلك الحال : " أيّها الناس مَن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس : « طَلاَقُ الْمُكْرَهِ ليس بشيء » ، فيتمادى الجلاّد في جَلْدِه ، ولا يقلع هو عن ذلك القول . وإذا عرفتَ هذا ، فاعلم أنّ ما التزمه الزوج المذكور لزوجته المذكورة باطل لا يلزمه منه شيء لِما أوضحناه من بيان إكراهه وإجماع الأمّة على رفْع حكم الإكراه لما تقرر في ذلك من الأحاديث . نَعَمْ ، لو كان بالبلد حاكم منصف للحقوق ، قادر على تنفيذ الأحكام ، قاهر للعامّة والسوقة بخوف سطوة الانتقام ، والْتَزَمَ الزوج المذكور للزوجة المذكورة ما الْتَزَمَهُ ممّا ذُكِرَ ، ولم يرفعْ أمْرَه إلى الحاكم ، لَلَزِمَ الزوج ما الْتَزَمَهُ لأنّه حينئذ ملتزم باختياره لكونه يقدر على رفع ذلك الظلم برفْع أمْره إلى الحاكم المذكور . وأمّا إنْ كان ما التزمه الزوج المذكور للزوجة المذكورة بعد هربها عنه لضرر لَحِقَهَا منه فالحكم أنّ الالتزام من الزوج المذكور إنْ كان من الظلم صدر منه لزوجته والحال أنّ ذلك الضرر يوجب تطليقها منه بحكم الشرع فألزمه لها ، فالتزامه لازم له لأنّ عصْمته منحطّة عنها لكونها لها إبقاؤها ولها حظّها لتقرير الحقّ لها بوقوع الظلم الموجب لتطليقها . وإن كان ذلك من الزوج لا يوجب تطليق الحاكم لها لِخِفَّتِه حيث يجب عليه رفْعه والأدب معه وحينئذ طلبتْ هي من الزوج ما طلبت من الْتزام طلاقها إنْ تزوّج عليها ، فالتزامه باطل وهو إكراه لكون حقّ عصمته باق في رقبتها ولا حقّ لها فيما زاد على رفع الظلم أصلا . وهو بمنزلة شخصيْن ظَلَمَ كلٌّ منهما الآخر من وجهٍ لم يظلمه منه الآخر ، والحكم أنّ كُلاّ منهما يؤمر بزوال ظُلْمِهِ فقط بلا زائدة ، وهذه الواقعة : الزوج ظالمٌ بالظلم الخفيف يؤمر برفعه ، والمرأة ظالمة بإلْزَامِه الطلاق وهو لا يلزمه تؤمر برفع ما ألزمَتْهُ . وقد شاعت هذه القولة عند أهل المذهب ، وهي :
ومالـك ليـس له بملـزم     في مكره في الحنث أو في القسم
فالرجل المذكور أوّلا تعيّن حقّه في رقبة المرأة المذكورة بحكم الشرع ولا يقدر على الوصول لِحَقِّهِ لِفَقْدِ الحاكم ولا يقدر على ترْك حقّه في رقبة المرأة المذكورة لشدّة حاجته إليها ، فألزمته المرأة المذكورة إمّا فراقها وبينونتها من عصمته ولا يقدر عليه ، أو يلتزم لها بينونة الطلاق إنْ تزوّج عليها ، فالْتَزَمَ لها بينونة طلاقها إنْ تزوّج عليها كرها وطلبا لوصول غرضه إلى ما أراد منها حيث أوجبه الشرع عليها بدون تعليق ، فلمّا لم يقدر عليها ولا منصف ينصفه منها التزمَ قهرا لوصوله إلى حقّه منها ، فهو مُكْرَهٌ من غير شكّ عند مَنْ عرف صور الاكراهات في الشرع . إنتهى الجواب الأوّل .
ثمّ الجواب عن السؤال الثاني ، والله الموفّق للصواب : إجتمعت الأمّة كلّها على وجوب طاعة الزوجة لزوجها في كلّ ما يأمرها به وينهاها عنه وفي كلّ ما يطلبه منها ، اللهمّ إلاّ أنْ يكون ذلك في معصية الله أو في أمْر يشقّ عليها ركوبه ، فلا طاعة للزوج في ذلك عليها . أمّا المعصية فدليلها قوله صلّى الله عليه وسلّم : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » ، وأمّا ما يشقّ عليها فقوله سبحانه : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وقوله تعالى : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ، وتكليف الزوجة ما يشقّ عليها خارج عن المعاشرة بالمعروف إذ ذلك ظلم يوجب تطليق الحاكم إنْ تكرّر منه ، ويلزم أدبه وزجره إن لم يتكرّر . وأمّا في ما عدا المعصية والأمر الشاقّ عليها فطاعته عليها واجبة في كلّ وجه وبكلّ اعتبار لأنّ طاعة الزوجة لزوجها هو مقتضى الحكمة الإلهيّة ، وبيان ذلك أنّ مطلوب الحكمة الإلهيّة هو عمارة الدارين الجنّة والنار من بني آدم ، وذلك يستدعي التناسل بين الذكر والأنثى ، والتناسل بين الذكر والأنثى يستدعي عقد نكاح شرعيّ لا اختيار فيه لكلّ منهما بعد انبرامه . والتناكح الذي هو شرطٌ في النسل يستدعي حُسْن المعاشرة بين الذكر والأنثى إبقاء عليهما من كون كلّ منهما يسعى في تَوْفِيَةِ غرض الآخر . فمتى تنافرت أغراض الذكر والأنثى وقعت في المعاداة والفراق وبطل مقصود الحكمة الإلهيّة وهو النسل . فالزوج لا يستقرّ مع الزوجة إلاّ بامتثال أمْره ، فمتى لم تمتثل أمره وقع التنافر والفراق . والمرأة لا تستقرّ مع الزوج إلاّ بمعاشرتها بالمعروف ، فمتى لم يكن وقع التنافر والفراق . فظهر من هذا أنّ مقصود الحكمة الإلهيّة هي وجوب طاعة الزوجة لزوجها ، يدلّ على ذلك قوله سبحانه وتعالى : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وهذه صورة الحكم والتحكيم للمحكّم والحاكم ، ويلزم طاعة الحاكم المحكم في كلّ ما أمر ، فالله حكّم الرجال على النساء ، وللرجال الحكم على النساء بأمْر الله ، وعلى النساء فرْض طاعة مَن حكّمه الله فيهنّ ، قال سبحانه وتعالى في صورة هذا الحكم : وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ إلى سَبِيلًا ، ولا يكون الضرب في المعروف إلاّ للحاكم المحكّم فيه التي تلزم للمحكوم عليه طاعة الحاكم عليه . وإذا تقرّر هذا ، فطاعة الزوجة لزوجها ممّا اجتمعت الأمّة عليه ، ومن جملة طاعته لُزُومُها بيته ، فلا تخرج إلاّ بإذنه ، فإنْ خرجتْ بغير إذنه فهي عاصية خارجة عن أمر الله يلزمها التوبة والأدب على ما فعلت ، وتوبتها رجوعها لدار زوجها ولطاعته وعدم عودتها ، فإن لم ترجع ولم تتب فقد باءت بغضب من الله في الحال والمآل ، بل هي مرتكبة لأعظم الكبائر ، ويجب على مَن دخلتْ داره ، مِن أبٍ أو قريبٍ ، قهْرها وطرْدها وعدم ترْكها حتّى ساعة وإلاّ باء بغضب من الله مثلها ، وأمْرها في هذا مثل أمْر القاتل ظلما وعمدا ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « من قتل مؤمنا عمدا فأيدي المؤمنين كلّهم عليه فمن آواه أو منعه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » ، فكذلك أمْر الزوجة إذا هربت من زوجها بلا ضرر ، فلا يحلّ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر, أن يتركها في بيته لأنّها حينئذ مشاقّة لله ورسوله ، قال سبحانه وتعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى إلى قوله : وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « إذا رأى قوم الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمّهم الله بعذابه » . فظهر بما قرّرنا أنّ المرأة المذكورة يجب عليها ، بحكم الشرع ، الرجوع إلى بيت زوجها وحدها بلا طلب منه لها ، والتوبة من عصيانه ، فهذا أصل الشرع المعروف . لكن تباعد أمره وجرت عادة الناس بخلافه ، وهو أنّه لا بدّ للزوج الذي هربت زوجته من داره أن يمشي لدارها ، وهذه عادة الناس في كلّ بلد لذهاب رسوم الشرع بالكلّيّة وتمسّك الناس بالعادة . وقد صارت هذه العادة شرعا مستقرّا يحكم به كلّ قاض لجهلهم بقواعد الشرع وأصله ، وعدم معرفتهم بمقاصده . وحيث كان الأمر كذلك ، فيؤمر الزوج بالمشي إليها طلبا لردّها حيث لا إمكان لأصل الشرع الأوّل ، كالذي يتقوّت بالميتة عند فَقْدِ الطعام لشدّة الجوع وخشية الموت . فإن سبق منه وتبيّن أنّه لا مَشْيَ لها ، ولم يكن ظالما لها لاستمساكه بأصل الشرع الأوّل العزيز القديم ، بل عليها أن ترجع وحدها ، أو مع مَن شاءت إلى دار زوجها ، فإنْ لم ترجع ولم يذهب الزوج إليها بحكم الشرع أنّها عاصية خارجة عن أمر الله لا نفقة لها ، وإنْ طال أمْرها في قعودها ذلك بلا زوج فلا تُطَلَّق ولا كلام لها إن اشتكت بالضرر ، ولا تُطَلَّق بهذا الضرر لكون هذا الضرر رفعه هيّن عليها ، فهي التي أوقعت الضرر على نفسها باختيارها فلا تُجاب إلى الطلاق إنْ دعت إليه ، ومَن أجابها مِن أهل العلم إلى الطلاق بصورة هذا الضرر الذي ذكرناه ، وطلّقها على زوجها ، كان هذا العالم فاسقا جائرا . فإنْ تزوّجت بعد هذا الطلاق كان كلّ وطء فيها محض زنا مكتوبا على الحاكم وعليها وعلى مَن أعان عليها ، وكلّ واحد لا ينقص من وزر الآخر شيئا . وما أجهل هذا العالم حيث لم يعرف قواعد الشرع ، ولا عرف وجوه تفصيل الضرر الموجب للطلاق والذي لا يوجب الطلاق . وأمّا سقوط النفقة عن الزوج لهذه الزوجة ، على صفة الأمر الذي ذكرناه بينهما ، فأمْرٌ بَيِّنٌ اقتضته قواعد الشرع لم يخالف فيه أحد ، وقد اتّفقوا على أن النفقة في مقابلة الاستمتاع ، فمتى امتنع أحدهما امتنع الآخر ، وهذه المرأة هي التي منعت زوجها من الاستمتاع بها ظلما وعدوانا فلا نفقة لها على الزوج المذكور . قال في المختصر : يجب لممكنة مطيقة للوطء وليس أحدهما مشرفا قوت وأدام بالعادة ، ومفهوم الصفة ، وهي الممكنة ، أنّ غير الممكنة مع فقد العذر لا نفقة لها ، وهو الأصحّ والمعوّل عليه ، اللهمّ إلاّ أنْ تكون حاملا منه فلها نفقة الحمل ولو كانت عاصية لأنّه حينئذ ينفق على ولده لا عليها ، ونفقة الولد لا تسقط بعصيان أمّه . إنتهى.
ثمّ الجواب عن السؤال الثالث ، والله الموفّق للصواب : إعلم أنّ إرضاع الأمّ لولدها لا يخلو إمّا أن تكون في عصمة أبِ الولد أو خارجة عن عصمته بطلاق أو موت . أمّا إنْ كانت في عصمة أبِ الولد فإرضاع ولدها واجب عليها بإجماع ، قال الله عزّ وجلّ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ إلى قوله : وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وهذه الصفة فيها إذا كانت المرأة في عصمة أب الولد فإنّ الله فرض عليها الرضاعة بما ذكر لكن بشرط أن يكون أب الولد قادرا على نفقتها . فإن عجز عن النفقة طُلِّقت عليه بعسر النفقة ، وإنْ طُلِّقت عليه خرجت من عصمته ، وبالخروج عن عصمته سقط عنها الرضاع وصار الولد واجب النفقة ، والقيام بأمره على جماعة المسلمين ، ولا يجب على أمّه إرضاعه اللهمّ إلاّ أن يكون الولد لا يقبل غير أمّه ، فحينئذ تُجبَر أمّه على إرضاعه قهرا، ونفقتها واجبة على جماعة المسلمين لأجل نفي إضاعة الولد وهلاكه . وإن كانت المرأة الحامل بالولد خارجة عن عصمة أبيه بموتٍ أو طلاقٍ فلا يجب عليها إرضاع هذا الولد ، قال سبحانه وتعالى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ، وهذا الذي ذكره الله عزّ وجلّ في حقّ المطلّقات ، فإنّه لمّا قال : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ دلّ ذلك على عدم وجوب الرضاعة عليهنّ ، وهي في سورة الطلاق . وفي سورة البقرة ذكر الرضاعة ولم يذكر أجرا دلّ ذلك على وجوب الرضاعة عليهنّ ، وهي وذلك في حقّ من كانت في عصمة أب الولد ، وهذا أمرٌ بَيِّنٌ لا يحتاج على تأويل ولا تردّد . وإنْ كانت المرأة خارجة عن عصمة أب الولد بموت أبيه ينتقل الحكم في الرضاعة إلى الولد ، إنْ كان له مالٌ يُنفَق منه على الأمّ ويُعطَى منه أجرها ، فإنْ شاءتْ أرضعتْ ولدها وإن شاءت امتنعت واستأجرت له امرأة غيرها من ماله إنْ كان الولد يقبل غير أمّه ، فإنْ كان لا يقبل غير أمّه أُجبِرتْ أمّه على رضاعته وأُعطِيت أجرها من ماله . وإنْ لم يكن للولد مالٌ ، وجب أمره في الرضاعة والاستئجار لمن يرضعه على جماعة المسلمين ، وينتقل الحكم إلى ما تقدّم ، إنْ كان الولد يقبل غير أمّه فلا رضاعة على أمّه إلاّ باختيارها وأجرتها على جماعة المسلمين ، وإنْ كان لا يقبل غير أمّه أجبرت الأمّ على إرضاعه بحكم الشرع لدفع إضاعة الولد ، وأجرتها واجبة على جماعة المسلمين . وإذا تقرّر هذا من قواعد الشرع ، وظهر بما تقدّم أنّ المرأة المذكورة في السؤالات لم تخرج عن عصمة الزوج المذكور ولو طال قعودها ببيت أبيها ، ولا تطلّق بطول هذا القعود ، وليس هذا من الضرر الموجب للطلاق على الزوج لكونها أوقعته على نفسها باختيارها وهي قادرة على رفْعِه برجوعها إلى دار زوجها ، وإذا كان هذا ، فإرضاع ولدها من زوجها المذكور واجب عليها شرعا لبقائها في عصمة الزوج أب الولد ولا أجر لها في ذلك لِمَا قدّمناه ، لكن النفقة عليها من الزوج واجبة عليه لكونها هنا على الولد لا على الأمّ وإنْ كانت عاصية إذ لا تسقط نفقة الولد على أبيه بعصيان أمّه . إنتهى .
تنبيه : قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني : كنتُ كتبتُ في جواب وجوب الرضاع على كلّ والدة إذا كانت في عصمة أب الولد ونفقته جارية عليها تذكّرتُ قولة محشوّة في كتب الفقهاء يعوّل عليها مَن لا عِلْم له لكونهم يعتقدون أنّ كلّ ما سطّر في الكتب صحيح معمول له فيضلّوا بمخالفة أمر الله . وتلك القولة هي أنّ بعض من ينتسب إلى الفقه قال : أنّ المرأة الشريفة لا يجب عليها إرضاع ولدها . بعضهم يقول : إنّها إنْ كانت عادة البلد أنّ نساء الأشراف بها لا يرضعن أولادهنّ فلا رضاعة على الأمّ الشريفة . قلنا : أنّ هذا محض الكذب والافتراء على الله بما لم يشرّعه في كتابه ولا في دينه بما سنُبَيِّنُه الآن إن شاء الله ، فأقول : إعلم أنّ إرضاع الأم لولدها التي هي في عصمة أبيه ونفقته جارية عليها واجب من طريقين : طريق نظريّ فقهيّ وطريق قطعيّ مصرّح في قول الله العظيم . فأمّا الطريق النظريّ فهو أنّ مراد الله من خلقه عمارة الدارين ، الجنّة والنار ، ولم يرد أن يكون خلقه دفعة واحدة بل خلقا بعد خلق كما قال في القرآن ، وإنّ هذا الخلق لم يَتَأَتَّ تكوينه إلاّ مِن ماء الذكر والأنثى معا لا من أحدهما فقط ، فدعا ذلك إلى الازدواج . ومن أجل ذلك شرع عقد النكاح بشروطه ليقع مراد الله من إخراج الأولاد من الأصلاب إلى الأرحام ، ثمّ من الأرحام إلى ظهر الأرض ، ودعا هذا النكاح إلى التنكاح الذي هو الجماع ، ثمّ فرض حفظ الحمل من كلّ ما يوجب فيه فسادا ، ولو جاز فساد الحمل لأدّى إلى إضاعة النسل وبطل مراد الله ولا سبيل إلى ذلك . وبعد الحمل ، إذا خرج الولد ، وجب على الأمّ والأب حفظه وتنميّته حتّى يصير إلى البلوغ فتسقط حينئذ مؤنة نفقته عن الأبوين . فحِفْظُ الولد بعد خروجه من البطن واجب على الأمّ والأب لأنّ ذلك من توابع شرع النكاح والإجماع بحفظ الأمّ إرضاعه وصونه عن المهالك ، وغسْل الأذى عنه مسحا وغسلا إلى أن يكمل أجله ، وحفْظ الأب هو سعيه في نفقة الأمّ وكسوتها وكلّ ما يحتاج إليه الولد ممّا خرج عن التربية كالدهن والحناء وما أشبههما ، فلو لم يكن حفظ الولد واجبا على أبويه لأدّى ذلك إلى إضاعة الولد ، وإضاعة الولد محرّمة شرعا إجماعا ، فلو لم يكن واجب الرضاعة والتربية على الأمّ لضاع الولد إذ لا يوجد من يتحمّل ثقله ومعاناة تعبه إلاّ أمّه فقط ولا يتأتّى ذلك لغيرها إذْ لا صبر لامرأة على معاناة أمر الرضيع غير والدته . ولو لم تَجِبْ نفقته ونفقة أمّه على الأب لأدّى إلى إضاعته أيضا . ودليل تحريم الإضاعة قوله صلّى الله عليه وسلّم : « كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت » ، فترْك رضاع الأمّ لولدها الذي هو مولود لصاحب عصمة المرأة موجب لإضاعة الولد وهو محرّم ، ولو سقط الوجوب عن كلّ والدة لضاعت الأولاد . فالقول بوجوب رضاعة الصبيّ على أمّه التي هي عصمة أب الصبيّ الجارية عليها نفقته هو مقتضى الحكمة الإلهيّة ، وترْك الوجوب فيه يوجب إضاعة الصبيّ وهو حرام إجماعا . فهذا هو الطريق النظريّ في ذلك . وأمّا الطريق القطعيّ فقوله سبحانه وتعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ إلى قوله : بِالْمَعْرُوفِ ، وهذه الآية في من كانت في عصمة الأب ، وأمّا إن كانت خارجة عن عصمته بطلاق فقد قال في سورة الطلاق : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، فالمطلّقة لا وجوب عليها في رضاعة ولدها ، والتي في العصمة يجب عليها رضاعة ولدها ، وهي من توابع النكاح ، يدلّ عليه أنّ الله عزّ وجلّ ذكر الأجر في سورة الطلاق لم يذكره في سورة البقرة وهو ظاهر ، ثمّ زاد في البيان والإيضاح قوله سبحانه وتعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ، وهذا خطاب للرجال فقط دون النساء ، فإنّ المرأة إذا أرادت أن تسترضع ولدها ، أعني تطلب له أجيرة ترضعه بالأجرة ، فلا كلام لها في ذلك لكونها لم يجعل الله لها شيئا في ذلك ، بخلاف الأب إذا أراد استرضاع ولده فله ذلك باختياره . وقد أشفقت أنّ القضيّة ربّما رفعت إلى طويلب قصير الباع عاجز الاطّلاع في العلم لظنّ العامّة أنّه ذو علم واطّلاع فيقول : أنّ الخطاب في تسترضعوا أولادكم شامل للرجال والنساء لأجل الجمع وذلك من عدم كمال المعرفة بوجه السياق ، وبيان ذلك أنّ الخطاب للرجال فقط ، ولو أريد دخول النساء لقال : تسترضعن أولادكنّ ، فإنّ الرجال تجمع بالميم والنساء يجمعن بالنون . ويدلّ أيضا على نفيه في النساء قوله : إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وهو أجرة المرضعة ، وليس للمرأة مال تؤدّي منه أجرة المرضعة ، فإنْ كان لها مال فلا يجب عليها دفع الأجرة لأنّها من توابع النفقة ، ولا نفقة على الأمّ بل على الأب . فقد بان لك بما قرّرنا وجوب الرضاعة والتربية على الأمّ ، وأنّ القول بسقوطها عن المرأة الشريفة باطل لا يحلّ ارتكابه . وأيضا أنّ الذي مضى عليه عمل الإسلام في جميع الأعصار والبلدان في البادية والأمصار هو أنّ كلّ والدة ترضع ولدها بلا محاشاة منهم ولا مشاحّة في ذلك في عصره صلّى الله عليه وسلّم وبعده إلى هلمّ جرّا ، ولم يكن بين الأمّة نزاع في وجوب الرضاعة على الأمّهات لأولادهنّ اللواتي هنّ في عصم آبائهنّ ، ولم يوجد في جميع بلاد الإسلام وفي كلّ عصر قولة لقاض أو مُفْتٍ بسقوط الرضاعة عن الأمّ ، ومضى على وجوب الرضاعة عمل المسلمين في عصره صلّى الله عليه وسلّم وفي جميع الأعصار بعده إلى هلمّ جرّا ، فبان لك أنّ تلك القولة التي فيها سقوط الوجوب للرضاعة على المرأة الشريفة محض الكذب والزور بيّنة البطلان لمخالفتها لقول الله عزّ وجلّ وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، وهي من الأقاويل المزوّرة التي دخلت في كتب الفقه وحشيت بها وبنظائرها كتب الفروع ، وهي مسائل كثيرة ، منها هذه ، ومنها قتْل الثلث لإصلاح الثلثين جوازا ، ومنها إباحة وطء الزوج في دبر زوجته ، ومنها نكاح المتعة ، ومنها الزيادة على جمع النسوة على أربع ، ومنها تحليل شحم الخنزير مع تحريم لحمه ، ومنها إباحة طعام أهل الكتاب الذين ذبائحهم الميتة إذا طبخها في الطعام ، ومنها إباحة النبيذ المسكر ، ومنها شفعة الجار ، ومنها مسألة العروس في أيّام أسبوعها الأوّل إذا كان العطر في رأسها كثيرا جدّا أنّها لا تغتسل وتمسح على رأسها فقط في الغُسْل من الجنابة دون الغَسْل لرأسها خوفا من فساد العطر لكونه إضاعة مال لا يحلّ ، وكلّ هذه المسائل وأشباهها ظاهرة البطلان ، وأنّ اتّباع أقاويل مَن نصَّ عليها ضلال لا جزاء لصاحبه إلاّ النار ، ولولا خوف الإطالة المخلّة لسردنا كثيرا من المسائل المحشوّة في كتب الفقه الظاهرة الإبطال من له بصيرة بمعاني الكتاب والسنّة ، وما أحوج الناس إلى عالم أو علماء يتتبّعون لهم كتب الفقهاء ينقّحونها ممّا حُشيت به من الباطل ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « يحمل هذا الدين من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الضالّين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين » . ولنا قاعدة واحدة عنها تنبّأ جميع الأصول : أنّه لا حُكْمَ إلاّ لله ورسوله ولا عبرة في الحكم إلاّ بقول الله وقول رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وأنّ أقاويل العلماء كلّها باطلة إلاّ ما كان مستندا لقول الله أو قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكلّ قول لعالم لا مستنَد له من القرآن ولا من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو باطل ، وكلّ قولة لعالم جاءت مخالفة لصريح القرآن المحكم ولصريح قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحرامٌ الفتوى بها وإنْ دخلت في كتب الفقه لأنّ الفتوى بالقول المخالف لنصّ القرآن أو الحديث كفْر صريح مع العلم به ، قال الله عزّ وجلّ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، وقال صلى الله عليه وسلم : « مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » . والقول بسقوط الرضاعة عن المرأة الشريفة مخالف لصريح القرآن في قوله : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ فحكمه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . وتلك القولة محدثة لم تستند للكتاب والسنّة ولا هي من أمر الله ، فهي ردّ ، لحديث : « مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لأبي هريرة : « إن أردت أن لا توقف على الصراط طرفة عين فلا تحدثن في دين الله حدثا برأيك وامتثل أمر القرآن واتّباع أمره ونهيه » وهو سُنَّتُهُ صلّى الله عليه وسلّم . وسئلت عائشة رضي الله عنها كيف كان خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فقالت : « كان خلقه القرآن » ، يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه ، وحيث عرف أنّه صلّى الله عليه وسلّم كانت سنّته متابعة أحكام القرآن وجب اتّباعه في هذه المسألة ووجب رفض تلك القولة الرذيلة التي هي سقوط الرضاعة عن المرأة الشريفة لأنّها بدعة مخالفة لقول الله ولسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم . قال صلّى الله عليه وسلّم : « خير الهدي هدي محمّد صلّى الله عليه وسلّم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة وصاحبها في النار » الحديث ، ومن أعرض عن قول الله عزّ وجلّ في الحُكم فقد حَكَمَ بحُكم الجاهليّة ، قال الله تعالى : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ الآية . إنتهى .

وقد وَرَدَ سؤالٌ على سيّدنا رضي الله عنه ، ونصّه : ما تقول العلماء أهل النظر والبصيرة وكمال المعرفة برسوم الشرع ومقاصده في زوجةٍ ذات عصمة صحيحة شرعا لزوجها في بلد لا حاكم بها فَرَّتْ مِن زوجها بغير ضرر يوجب فرارها إلى دار أهلها ، فطلب زوجها من أهلها ردّ زوجته إلى داره فمنعوها منه ظلما حيث لا حاكم ينصفه منها ، فلمّا كثر النزاع بين الزوجة وأهلها والزوج المذكور قام جماعة من أهل تلك القرية وأوقعوا الطلاق على تلك الزوجة بغير إِذْنِ زوجها معتمدين في نظرهم على وجوب الصلح والطلاق دفْعا للمشاجرة المُفْضِيَةِ للقتال إنْ دامت ، والزوج دائم الإباية عن الرضا بذلك الطلاق . ثمّ بعد أيّام هدأ النزاع وتراضى الزوج المذكور مع أهل المرأة المذكورة ورُدَّتْ إليه زوجته لداره وهو يعتقد عدم طلاقها ، بل إنّها رجعت إليه بدون طلاق لكونه لم يرض بطلاق الجماعة ، وأهل المرأة يعتقدون أنّها رُدَّتْ إليه بأثر طلاقٍ ، وَهُمْ مُعْتَدُّون به . ثمّ بعد مدّة هربت أيضا إلى دار أهلها بغير ضرر من الزوج معتقدة هي وأهلها أنّه لا عصمة عليها لزوجها المذكور لِصِحَّة طلاق الجماعة في زعمهم ، ثمّ بعد أيّام تراضى الزوج المذكور مع أهلها وردّها إلى داره ، فبقيت بدار زوجها مدّة أيضا ثمّ هربت إلى دار أهلها بغير ضرر من الزوج معتقدة أيضا ، مع أهلها ، أنّه لا عصمة للزوج عليها لصحّة طلاق الجماعة في زعمهم . إنتهى السؤال .
فأجاب سيّدنا رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ هذا السؤال مُحْتَوٍ على ثلاثة فصول : الفصل الأوّل في صحّة طلاق الجماعة المذكورة وعدم صحّته ، الفصل الثاني في جواز تطليق المرأة من زوجها بغير رضاه إذا كان بقاؤها في عصمته يؤدّي إلى القتال والقتل تحقيقا وعدم جوازه ، الفصل الثالث في الكلام على ردّ الزوجة لزوجها بعد إيقاع الطلاق المذكور ثمّ هروبها معتدّة بالطلاق الأوّل .
فأمّا الجواب عن الفصل الأوّل : هو أنّ عصمة الزوج على زوجته الشرعيّة لا تنحلّ إلاّ بموت الزوج أو طلاقه صريحا أو كناية أو تطليق الحاكم ، وهو القاضي أو السلطان الشرعيّ ، بشروطه من وقوع الضرر الثقيل أو الخفيف الدائم من الزوج لا غير ، وما سوى هذه الأمور لا تنحلّ بها عصمة الزوج عن زوجته شرعا . فإذا عُرِفَ هذا ، فطلاق الجماعة باطل لا يُلتفَت إليه شرعا لأنّ كلّ مَن طلّق زوجة غيره بغير إذن زوجها فضوليّ ، وطلاق الفضوليّ كبيعه موقوف على إجازة مَن بيده العصمة ، إنْ أجازه صحّ وإلاّ بطل ، ما لم يكن المطلّق لزوجة غيره حاكما شرعيّا بسبب ضرر من الزوج يبيح تطليق الزوجة منه بغير اختياره ، فطلاق الحاكم حينئذ صحيح بإجماع الأمّة . وأمّا سوى الحاكم فلا سبيل له إلى تطليق زوجة الغير بغير إذنه . فحينئذ طلاق الجماعة لم يصادف محلاّ إذ ليسوا في مرتبة الحاكم الذي له النظر ، ولم يكن الزوج أجاز طلاقها ، فظهر إبطال طلاق الجماعة شرعا لبيان أنّهم فضوليّون ، فلا حكم لهم في الطلاق .
وأمّا الجواب عن الفصل الثاني ، وهو جواز تطليق المرأة من زوجها للحاكم بغير ضرر من الزوج لكن بقاؤها في عصمته يفضي إلى القتل والقتال وعدم جوازه ، والله الموفّق للصواب : إعلم أنّ خوف وقوع القتل والقتال على دوام عصمة زوج شرعيّ على زوجته لا يوجب تطليق الزوجة المذكورة من زوجها ما لم يقترن بضرر من الزوج يبيح التطليق منه بحكم الحاكم لا غير لكون انحلال عصمة الزوج بغير اختياره وبغير ضرر ، إلاّ خوف التأدّي إلى القتال ، عن زوجته لا محلّ له في رسوم الشرع ، لا كتابا ولا سُنَّةً ولا في كتب الفروع . فإنْ قال قائل : إنّ سفْك الدماء مِن أعظم الفساد في الأرض ومِن أعظم الضرورات الشرعيّة حيث لا حاكم يرفعه ، وإيقاع الطلاق كرها على الزوج دفْعاً لسفك الدماء هو أمر أخفّ من سفك الدماء وارتكاب أخَفّ الضرريْن أوْلى ، قلنا : أنّ هذا النظر باطل ، وبيانه أنّ الطلاق حينئذ طلاق إكراه في الشرع ، باطل لا يلزم ، لِما ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : « لا طلاق في إغلاق » ، والإغلاق هو الإكراه . فإنْ قال المعارض إنّ طلاق الحاكم بالضرر بغير إذن الزوج إكراه ، وطلاق الإكراه باطل ، فكيف طلاق الحاكم بالضرر ؟ قلنا : إنّ طلاق الحاكم بالضرر متبّع لأمر الله ، قال الله عزّ وجلّ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ، وقال سبحانه وتعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ إلى قوله : وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا الآية ، وهذا ، وإنْ كان في مسألة الرجعة عند كمال العدّة مضارّة بالزوجة من زوجها ، فهو متناول جميع وجوه الإمساك بالضرر ، وقال سبحانه وتعالى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . فمن خالف أمر الله سبحانه وأضرّ بزوجته طلّقها الحاكم عليه كرْهاً وليس من ضرر الطلاق بالإكراه لأنّ الطلاق بالإكراه باطل إذا لم يكن من الحاكم عن ضرر من الزوج ، وأيضا إذا طلّقت المرأة من زوجها بغير اختياره دون ضرر لَحقَها من زوجها ، بل لأجل خوف القتل والقتال ودفعا للفساد بِهِمَا ، فإنّ فرجها حينئذ لا يحلّ وطؤه لغير زوجها الذي طلّقت منه إذا تزوّجت بعد ذلك لأنّها باقية في عصمة الأوّل ، ولا سبيل لطلاقها منه فهي محصّنة بعصمته ، والله تعالى حرّم نكاح المحصنات من النساء ، قال سبحانه وتعالى ، بعد أنْ ذكر محرّمات النكاح عاطفا عليها بالتحريم : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ . فإن قال المعارض إنّها ليست مُحْصَنَة ، بل إنّما طلّقناها خوفا من وقوع القتل والقتال وهي منحلّة العصمة ، قلنا : قد قدّمنا أنْ لا وجود لهذه المسألة في الشرع أصلا ، ولا قائل بها من الأئمّة ، فالطلاق لأجلها باطل .
وأمّا الجواب عن الفصل الثالث فيغني عنه ما قدّمناه في جواب الفصليْن ، والله الموفّق للصواب . إنتهى من إملاء سيّدنا رضي الله عنه على محبّنا أبي عبد الله سيّدي محمّد بن المشري ، وكتبتُه من خطّه ، وبالله التوفيق .

وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن رجل تَخْرُجُ العمارة من مكحلته بغير قصْد منه وتضرب البندقيّة حيوانا آخر تجرحه أو تقتله ، ماذا يلزم صاحب المكحلة ؟ فإنّ الفقهاء عندهم هذا ليس من باب الخطأ ولا من باب العمد ، أعني فقهاء عصرنا لفقدهم وجود النصّ في النازلة في كتب الأوائل لعدم وجود المكحلة في الزمان المتقدّم .
قال سيّدنا رضي الله عنه : والذي أقول به وأجيب به السائل أنّ صاحب المكحلة إذا لم يحطّ الزناد من نصف الطلعة ، وتركَه على حاله حتّى طلع وحده ، فالضمان لازم له ، وعليه الدِّيَّة وحده ، وليس هذا من الأمور التي لا ضمان فيها لأنّ الشارع سمّاها بأعيانها وهي : البئر والمعدن والعجماء ، وليس من الخطأ حتّى تكون الديّة على العاقلة في ما زاد على الثلث لأنّه فرّط حين لم يحطّ الزناد عن الموضع الذي تقدح منه النار ، وكلّ مَن فرّط في شيء يقع من تفريطه الضرر لغيره فالضمان عليه وإنْ كان وقوع هذه نادرا بالنسبة لغيرها . هكذا قرّرها سيّدنا رضي الله عنه . وتحرير المسألة ، على ما فهمتُ من كلام الشيخ رضي الله عنه ، أنّ حدّ العمد وحدّ الخطأ عنده فإنّ العمد عنده رضي الله عنه هو أنْ يقصد الفاعل إتلاف المال أو النفس ابتداء أو يقصد ضرْب أحد ظلما فتجوز الضربة لغيره ، أو يفعل فعلا مأذونا له فيه من ضربه لصيد أو غرض وهو في وسط العمارة ولم يعلم ما وراء الصيد أو الغرض من آدميّ أو غيره فيجوز السهم أو البندقيّة فتصيب غير ما أراده ، فهذا ، وإنْ كان لم يقصده ابتداء ، هو من باب العمد لكونه مفرّطا لعدم بحثه على ما وراء المرمى من صيد أو غرض ، والمفرّط ضامن على ما هو معلوم عند الفقهاء . وأمّا حدّ الخطأ فهو كلّ فعْل مأذون فيه لفاعله ولم يكن مفرّطا فيه . مفهومه إذا فرّط فعليه الضمان وإنْ كان العمل مأذونا له فيه . فإذا فهمتَ هذا ، علمتَ أنّ من جعل البارود والبندقة في مكحلته وترك زناده في الطلعة الصغرى وطاح فيها من غير قصد منه وقتل أحدا فالضمان لازم له وحده لتفريطه لأنّه كالعامد لخلافه المأمور به شرعا لأنّ المأمور إذا كان في محلّ الأمن أن لا يعمل البارود وما معه في المكحلة ، وعلى تقدير عمله فيها فليحط الزناد من طلعته الصغرى ، فإذا خالف ما ذكرنا فهو مفرّط وعليه الضمان ، ويفهم من الأمن أنّه إذا كان في محلّ خوف ولم يمكنه أن يحطّ زناده من الطلعة السفلى للخوف ممّا يفجأه من لصّ أو سَبُع فإنّه يؤمر برفع فم مكحلته إلى ناحية السماء ، فإذا لم يرفعها وطاح الزناد وضربت أحدا فعليه ديّة خطإ لأنّه مفرّط ، ولم يكن كالعمد لأنّ الشارع يعزّره للخوف ، ولكن لا يلزم العاقلة إلاّ إذا قامت البيّنة على صدقه ، وتصدّقه العاقلة لعدم التهمة لأنّ العاقلة لا تحمل إلاّ ما قامت عليه البيّنة ، فإذا لم تقم البينة على دعوى القّاتل ولم تصدّقه العاقلة فهو محلّ نظر عند سيّدنا رضي الله عنه ، توقّف فيه ولم يجزم فيه بشيء لشدّة ورعه ومحافظته على أحكام الله تعالى . وليست هذه النازلة من الهدر الذي لا ديّة فيه ولا قصاص لأنّ الأمور التي لاشيء فيها، ذكرها الشارع بأعيانها ، وهي : العجماء والبئر والمعدن ، ويلحق بها مَن قتَل نفسَه والعياذ بالله ، فإنّه لا ديّة له لِنهْيِ الشارع عن فعله ، وكذلك مَن سقط من سطح وهو نائم للنهْي أيضا عن النوم بالسطح وليس فيه حائل يقيه من السقوط لأنّه قال في من نام على هذه الحالة : فقد برأت ذمّة الله منه ، فإنّ هذا لا ديّة فيه لكونه فعل ما نُهي عنه . هكذا سمعته من سيّدنا رضي الله عنه . إنتهى ما فهمه وسمعه من تقرير سيّدنا رضي الله عنه محبُّنا أبو عبد الله سيّدي محمّد بن المشري حفظه الله بمنّه ، آمين .

وورد على سيّدنا سؤال ، ونصّه : سادتنا العلماء ما جوابكم في من حصد زرعه وجمعه، وبقي إلى آخر رمضان وشرع في الدراس من غير ضرورة تلحق الزرع وأكل في رمضان . هل يجوز له ذلك الأكل ؟ أو يبقى حتّى تمضي الأيّام الباقية من الصيام ، نحو الستة أيّام فقط ، ويشرع في الدراس ، والحالة أنّ ربّ الزرع المذكور لم يكن معينا في الخدمة ، وهو ملىء يقدر أن يؤاجر على درس زرعه من ماله ؟ أجيبوا لنا ولكم الأجر من الله والثواب .
فأجاب سيّدنا رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ وجوب صوم شهر رمضان بعينه لازم لكلّ مكلّف معلّق في رقبته لا ينحطّ عنه وينحلّ ولا يباح فطره إلاّ لناقل أصليّ كالعلّة التي ذكرها الله عزّ وجلّ من المرض والسفر فقط . أمّا السفر فمعلوم عند المسلمين من جوازه، ومسافة القصر المشترطة فيه وغيرهما من الشروط ، وأمّا المرض فيختلف باختلاف الأبدان ، ولا نطيل بتفصيله هنا إذْ ليس منصوصا . فإن كان العلّة هي إضاعة المال المنهيّ عنها فلينظر إنْ كان إذا تركَها حتّى يكمل صوم رمضان لم يفسد فلا يباح له فعلها المؤدّي لإفطاره ، فإنْ فعَلها وأفطر فعليه القضاء والكفّارة ، وإنْ كان إذا تركها تفسد وتهلك فيباح له الفطر ، هذا لأجل خدمته لكن إنْ لم يقدر على الخدمة وهو صائم ، فإنْ كانت له قدرة فلا يباح له الفطر ، هذا عامّ في كلّ فعْل . وأمّا مسألة الزرع الذي ذكرها ، أمّا الدراس فلا يباح له الفطر لأنّه لا يفسد ولو بقي أكثر من شهر كما هو معلوم عند العامّ والخاصّ فضلا عن الأيّام القليلة التي ذكرتم ، فمَن أفطر بفعله له فعليه القضاء والكفّارة ، وهو عاص منتهك لحرمة الشهر التي لا تباح إلاّ بوجود العلّة التي ذكرها الشارع وهي إضاعة المال ، وهي منفيّة هنا . وأمّا الحصاد فلينظر صاحب الزرع إنْ كان إذا ترَكَه لا يخاف هلاكه بسقوطه لشدّة يبسه أو بأمر آخر متحقّق وقوعه فيتركه ويتمادى على صومه ، فإنْ حصده مع هذا لو أدّاه للإفطار، فعليه القضاء والكفّارة أيضا ، وإن كان يخاف عليه بتركه ممّا ذكرنا فيجوز له الفطر لأجل خدمته له . وأمّا قولكم يقدر أن يؤاجر عليه ، هذا إذا كان الأجير كافرا ، وأمّا إن كان مسلما فحكمه وربّ الزرع سواء ، فلا يباح له الفطر لأجل خدمته إلاّ إذا لم يجد ما يسدّ به رمقه في ذلك الوقت إذا ترك الخدمة وصار حكمه ممّن تحلّ له الميتة ، فعند هذا يباح له الفطر لخدمته ، وإنْ لم يَصِل إلى هذه الحالة التي ذكرنا وأفطر لخدمته فعليه القضاء والكفّارة ، وهو عاص أيضا ، ولا أظنّه يصل إلى هذه الحالة التي ذكرنا إلاّ في وقت الجوع الشديد ، ولا جوع اليوم في قطرنا والحمد لله . فهذا هو الطريق الذي يجب سلوكه والصراط الذي قال سبحانه وتعالى فاتّبعوه ، وأمّا ما يوجد من الفتاوى في القياسات التي لا أصل لها صحيح فهي بيّنة الطريق نهى عنها بقوله : وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الآية . إنتهى من إملائه رضي الله عنه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشريّ رضي الله عنه .

وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن مسائل ، منها : ما حكم الله في مال الأعراب المحاربين، الناهبين أموال بعضهم بعضا ؟ وما حكم المعاملة معهم ؟ وما الحكم في صدقاتهم وعطيّتهم ، مشارطة الطلبة عندهم للقراءة .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ إجماع الأمّة انعقد على أنّه لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس ، وكلّ ما أخذ من غير طيب نفس فحرام ، إلاّ ما يأخذه بصورة شرعيّة قهريّة ، كأخْذِ الزكاة من مانعها ، وكأخذ حقوق المظلومين من مانعها ، وما يتبع ذلك من الحقوق اللازمة شرعا ، وهي كثيرة مفصّلة في كتب الفروع فلا نُطِيلُ بذِكْرِها ، فإنّ أخْذَ ذلك من صاحبه عن غير طيب نفس حلال لِتَعَلُّق الحقّ الشرعيّ لِقوله صلّى الله عليه وسلّم : « أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله » . وأمّا غير هذا فإنّ أخْذَ مال المسلم عن غير طيب نفس حرام بالإجماع ، يشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع : « إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا اللهمّ هل بلّغت فقالوا اللهمّ نعم » ، والحديث وقضيّته مشهورة في كتب الحديث فلا نطيل بذكره . وقال سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ . فالمرجع في الحكم إلى هذه النصوص القطعيّة والوقوف عند حدودها فرْضٌ لازم على كلّ مسلم . فإذا عُرِف هذا ، فما مضتْ عليه عادة الأعراب والظلَمَة من اقتحامهم وأخْذ مال المسلمين بغير صورة شرعيّة فكلّ ما بأيديهم حرام لا يحلّ لمسلم معاملتهم بوجه من وجوه العوض ولا قبول عطيّاتهم وهداياهم ، كلّ ذلك حرام ، فهذا حدّه في الأصل . ثمّ إنْ كان البلد غلب عليها جميع ذلك ، ولا يوجد غيره بأيديهم بوجه من جوه المخالطة ، فكلّ ذلك حرام . ومن تعلّل ، ممّن يُنسَب إلى الفقه أو إلى الإسلام ، فأخَذَ ذلك مستحِلاّ له معتذرا بعدم وجود غيره ، فلا عذر له في الشرع ، ويسجّل عليه في الشرع بأنّه مقتحم ما حرّم الله ظلما ، ولا يحلّ سكناه في تلك البلد ولا بقاؤه بينهم ، والهجرة عليه من ذلك المكان واجبة بتواتر نصوص الشرع . وما كان مختلطا عندهم بوجوه التجارة في ذلك الحرام وإتلف عينه واشتراء بدله عينا أخرى ، وبوجوه الحراثة والصناعة ، أو ضمّ مال بصورة شرعيّة إليه ، فالأصل المعوّل عليه أنّ ذلك كلّه حرام بجميع ما اختلط فيه ، فمن قدر على ذلك تمسّك بهذا الأصل وجرى عليه . ثمّ إنْ تنزّل الأمر إلى عموم ذلك في الأرض واختلاط ذلك بصورة حلال وصورة حرام بأيدي كاسبيه ، كما هو صورة الوقت ، فعلى المؤمن في إقامة طلب فرض الحلال أنْ يجتنب ما عُلِمَتْ صورته صورة الغصب والمحرّم ، وما جُهِلَ من ذلك وكان الأصل الاختلاط بصورة حلال وصورة حرام كما ذكرنا أوّلا ، وعمّ الفساد في الأرض كما هو صورة الوقت ، رجع إلى أصل الحلال الثالث ، وهو أنّ الحلال ما جُهِلَ أصله ، فإنّ صورة الحلال كان في عهده صلّى الله عليه وسلّم ما عُرِف أصله وأصل أصله ، ثمّ لمّا انقضت مدّة الخلافة ورجعت مُلْكاً عضوضا رجع الحلال ما عُرِفَ أصله فقط ، ثمّ لمّا زاد الفساد وطمى بحره صار الحلال ما جُهِل أصله ، وهي المرتبة الثالثة في الحلال . وعلى هذا الحدّ وهذا المنوال يجري الحكم في معاملة هذه الطوائف بوجوه العوض وقبول عطياتهم ، فلا يجتنب منها إلاّ ما عرف صورة الحرام فيه ، مثل الشيء المغصوب والمأخوذ في ثمن الخمر ، والمأخوذ في صورة ربا النسيئة وهي كثيرة ، يقاس ما لم يذكر منها على ما ذكر . وأمّا ما جهلت صورته ، فإنْ علم من صاحبه أنّه لم يكن عنده إلاّ الحرام لم يخلطه بصورة أخرى كالحراثة والتجارة وإبدال عين بعين أخرى فكلّ ما بيده حرام لا تحلّ معاملته ولا قبول عطيّاته . وما اختلط بهذه الصور من تجارة وحراثه وصناعة وإبدال عين بعين أخرى وإضافة حلال له لم يحرم ما في يديه إلا ما له عين قائمة في التحريم ، وأمّا ما جهل أصله فحلال . وقولنا في هذا المحلّ حلال فإنّما هو حلال عرضي لا أصليّ لعدم وجود غيره بكثرة الفساد وعمومه في الأرض واحتياج العبد إلى القوت ، فيكون حلالا بما أعطاه حكم الوقت والضرورة . فقد قال سبحانه وتعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، وكذا قال القطب الكامل والوارث الواصل والقدوة الشامل ، سهل بن عبد الله التستريّ رضي الله عنه : " لو كانت الدنيا عبطة من دم لكان قوت المؤمن منها حلالا " لأنّ الله تعالى فرض العبادة على العبد وأباح له أن يأكل ممّا في الأرض حلالا طيّبا كما هو نصّ الآية . فإذا تتبّع في الأرض وجوه الحلال وعمّت البليّة في الأرض كان اقتحامه للحلال للأعلى فالأعلى ، إمّا أن يكون ممّا عرف أصله وأصل أصله كمعاملة الحربيّين بأخذ الأجرة منهم على الخدمة والاشتراء ممّا بأيديهم ، فإنّ كلّ ما بأيديهم كلّه حلال لا معارضة فيه ، فمن وجد السبيل إلى هذا وأمكنه فلا يحلّ له معاملة المسلمين بوجه من الوجوه ، ولا يعامل إلاّ الكفّار الحربيّين لتمحّض الحلال بأيديهم ولو أخذوا مال المسلمين ، فكلّه حلال ، ومعاملتهم حلال في غير الخيانة والأخذ بالأيْمان الكاذبة والغدر ، فإنّ ذلك حرام . ثمّ إن لم يجد هذا فيتنزّل إلى ما عرف أصله كمن وجد كنزا من المال بصورة الجاهليّة في أرض غير مملوكة ، وكذلك المعدن على هذه الصورة ، والصيد ، وغيره . ودون هذا من المراتب ما جهل أصله وعرف اختلاطه بأيدي كاسبيه ، وله مراتب مفصّلة في كتب الفروع . وآخر مراتب الحلال إذا عمّت البليّة في الأرض فلم يجد المؤمن منها لِقُوتِه إلاّ الصورة المحرّمة ، وألجأه الحال إلى ذلك ، حلّ له أخْذ قوته فقط كاقتيات الجائع من الميتة ولحم الخنزير فقط .
وأمّا الزكاة في المحرّم فصورة الغصب وشبهه فلا زكاة فيه لأنّ الزكاة فيما يتعلّق ملك الشخص به ولا ملكيّة في الغصب وشبهه . وأمّا ما اختلط وذهبت عينه بعين أخرى وخلط بالحراثة والتجارة والصناعة فيزكّى كلّه . وأمّا أخْذ الزكاة من مانعها لمستحقّها بصورة السرقة أو الخيانة أو الغصب فكلّه حرام ، فلم يعرف فيه مخالف من أهل الأصول ، ولا يحلّ ذلك إلاّ للسلطان فقط لا ما عداه ، ولا يقول بإباحتها إلاّ من لا دين له ولا أمانة .
ثمّ مشارطة الطلبة ، فهي داخلة في تفصيل المعاملة السالفة . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .

وسألته رضي الله عنه عن الزكاة إذا طلبها الأمير ، هل تعطى له أم لا ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إنْ كان صاحبها يأمن شرّ الأمير لا يعطيها له ، وإن كان لا يأمن من شرّه يعطيها له والله حسيبه . والمزكّي إن حصلت له مشقّة فيجعل يوما معيّنا في السنة يخرج فيه زكاته على جميع ما بيده من العروض والديون والناضر وغيره . وأمّا لو صرف الذهب بالفضة وحصل نقص فالنقص لازم له في ذمّته ، فإنّ الله لا يأخذ إلاّ كاملا .
وقد سأل شيخنا رضي الله عنه سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم بقوله : ما تقول فيمن يعطي الزكاة للملوك ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : أنا أمرتهم بطاعتهم ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، فقلت ، في ما معناه : فمن كان يقدر على منعها منهم ولا يخاف من شرّهم وأعطاها لهم على هذا الحال ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم : من فعل ذلك فعليه لعنة الله . إنتهى .
وأمّا صرْف الزكاة للأشراف فلا تحلّ لهم على أيّ حالة كانوا إلاّ أنْ نحلّ لهم الميتة . فإنْ دفعها إليهم فهي في ذمّته لا تجزيه ولا تسقط عنه لقوله عليه والصلاة والسلام : « ألا إنّ الصدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لأهل بيته » .
وأمّا قول من قال : إنّ الزكاة تجوز للأشراف إلاّ أن تكون لهم أرزاق من بيت المال فتحرم عليهم .
الجواب : أنّه لا يصحّ هذا التوجيه ، وقائله لا معرفة له بالأصول ، بل الذي حرّمت الصدقة عليهم لأنّه هو شدّة قربهم من الله تعالى وعلوّ منصبهم عنده ، والزكاة أوساخ الخلق يتطهّرون بها ، فما رضي لهم أن يتقذّروا ويتلطّخوا بأوساخ الخلق ، وهذا الوصف قائم إلى يوم الدين ولا حجّة لمن يقول بها للأشراف بوجه من الوجوه . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .

وسألته رضي الله عنه عن قولهم : من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : الكلام على اختلاف المجتهدين رضي الله عنهم في قولهم : من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد واخطأ فله أجر واحد ، وعندهم أنّ المصيب واحد إلى آخر أقوالهم ، قال سيّدنا رضي الله عنه : الكلام على هذه المسألة من الاجتهاد ، قال : الاجتهاد هو الحكم في نازلة لا نصّ فيها بعينها عن طريق الاستنباط ، وهو أخْذ الحكم للنازلة الحادثة من نصّ من الكتاب أو السنّة لعلّة جامعة بين النازلة وذلك النصّ المستنبَط منه بالحكم . وأمّا ما نَصَّ الله عليها أو نَصَّ عليها رسول صلّى الله عليه وسلّم فليس فيها اجتهاد ، كما هو معروف عند الأصوليّين . ثمّ قال رضي الله عنه : والنوازل الواقعة منها ما وقع النصّ فيها بعينها من القرآن أو من قوله صلّى الله عليه وسلّم سواء كان هذا النصّ معلوما عند الناس أو كان منسيّا لم ينقله أحد . ومن النوازل ما لم يقع فيها نصّ من الله ولا من رسوله صلّى الله عليه وسلّم . فأمّا ما وقع فيه النصّ ، وكان معلوما بالغا للخلق ، فيلزم الوقوف عنده في تلك النازلة ، والحاكم الذي حكم له في تلك النازلة بذلك النصّ فيسمّى حاكما بالحقّ ، والحاكم الذي تعدّى ذلك الحكم المنصوص في النازلة يسمّى حاكما بالجوار . ثمّ هنا بحث في هذا النصّ ، إمّا أن يكون على رتبة أهل الصحيح في نقله وبلغ حدّ التواتر ، فمن حكم بخلافه عمدا كفر ، ومن النصّ ما هو خبره خبر الآحاد وبلغ حدّ التواتر ، فمن خالفه أيضا كفر كالأوّل . ومن النصوص ما نقل غريبا فبقي غريبا لم يتواتر ولم يشتهر ، فمخالف هذا النصّ لا يكفّر مخالفه عمدا مع العلم ، ولكن عليه إثم عظيم . وما كان من المنصوص لم يخرج للوجود أصلا ونسي ، أو خرج ونسي ، فهذا يلزم الحكم به في نفس الأمر وإن لم يبلغ ، ثمّ إنّ الوصول إلى هذا النص متعذّر لا يمكن الوصول إليه بوجه ، ووجب الرجوع إلى الاجتهاد . ثمّ إنّ المجتهدين إذا اختلفوا في هذه النازلة التي وقع النصّ فيها أو نسي ، فمن صادف من المجتهدين ذلك الحكم الذي وقع النصّ به ونسي هو المصيب من المجتهدين في نفس الأمر والباقون مخطئون في نفس الأمر . وعلى هذا الفصل يتنزّل قول من قال من المجتهدين أنّ جميع المجتهدين مخطئون، والمصيب منهم واحد لا بعينه ، ونعني به الذي صادف الحكم الواقع في نفس الأمر أو نسي ، فجميع من صادف هذا الحكم من المجتهدين فهو المصيب في تلك النازلة والباقون مخطئون . وأمّا إن كانت النازلة لم يبرز فيها نصّ ، لا من الله ولا من رسوله صلّى الله عليه وسلّم لا ظاهرا ولا باطنا ، فهذا محطّ المجتهدين . ففي هذه النازلة وأشباهها كلّ مجتهد مصيب وليس لأحدهم أن يقول أخطأ الغير والصواب عندي ، حرام عليه هذا ، لئلاّ يلزم عليه تضليل العلماء . ثمّ إنّ المجتهدين أن يكون المجتهد منهم ، من كان على شرطه ، له معرفة بنصوص الكتاب والسنّة ، وله معرفة بالعلل التي وقع الحكم لأجلها في كلّ نصّ ، وعرف العلّة الجامعة بين حادثته وبين النصّ الذي أوردها عليه . هذا شرط المجتهد الذي نقول فيه أنّ كلّ مجتهد مصيب لا غير ، لا كلّ قائل في العلم ، فإنّ أكثرهم لا يدري إيراد الحوادث على النصوص الصحيحة ، ولا علم له بالعلّة الجامعة بينهما ، فمثل هذا الأخير هو الذي يقول فيه صلّى الله عليه وسلّم في حديث : « إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء كلّما مات عالم ذهب بما معه حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ الناس رؤوساء جهّالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا » ، والقسم الذي ذكرناه آخرا هو المراد بآخر الحديث ، والذي يشهد للقِسْم الأوّل ، وهو المجتهد الصحيح الذي ذكرنا شروطه أوّلا ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم : « وما أشكل عليكم من شيء فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبروكم بتأويله » وكما قال تعالى في الآية الصريحة : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، فالآية والحديث شاهدان لصحّةالاستنباط ، وإجماع المحقّقين على مسألة واحدة ، من خالفها خرج عن إجماع أهل الإسلام ، وهي قولهم : لا تخلو الأرض عن وليّ إمّا قائم لله بحجّة في دينه ، وإمّا مدفوع به البلاء عن خلقه . ثمّ إنّ هذا الذي هو قائم لله بحجّة في دينه قد اتّسع علمه في معرفة النصوص القطعيّة على اختلاف أصناف ، كتابا وسنّة وناسخا ومنسوخا ، وعرف العلّة في كلّ نصّ التي هي سبب الحكم في ذلك النصّ ،وأعطاه الله تعالى من قوّة النور الإلهيّ ما لو عرضت عليه ألف مسألة في الوقت ، كلٌّ لا نصّ فيها ، لأورد كلّ مسألة على نصّها الذي يقوم الحكم منه عليها بالعلّة الجامعة بينهما ، ويعرف هذا كلّه على التمام ، ويكون بحيث أن لو نُسِيَت الشريعة كلّها من الأرض، لدَوَّنَ الدواوين وجمع الشريعة كلّها من صدره ، وهذا المظهر في هذا الشخص لا يكون بشدّة السعي ولا بكثرة الحفظ فقط ، بل بنور إلهيّ وتأييد ربّانيّ مع شدّة سعيه وتعلّمه لحفظ العلوم ظاهرا وصل به إلى هذه المرتبة ، فإنّه لو خَلَت الأرض من هذا الشخص لسقطت حجّة الله على خلقه . وليس بهذه الصورة إلاّ الفرد الكامل . وقد يكون هذا المظهر في غيره ممّن أيّده الله بفضله ، جعلنا الله منهم بمنّه وجوده وكرمه ، آمين .


<< عودة إلى فهرس الباب الخامس