في رسائله رضي الله عنه
قال رضي الله عنه : بعد حمد الله جلّ جلاله ، وعزّ كبرياؤه ، وتعالى عزّه ، وتقدّس مجده وكرمه ، يصل الكتاب إلى كافّة مَن كان بفاس وبالمغرب من الإخوان و الفقراء ، السلام عليكم ورحمة وبركاته ، يتراكم بِدَوَام مُلْك الله ، من العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني ، وبعد : نسأل الله جلّت قدرته وتعالت عظمته أنْ ينظر في جميعكم بعين المحبّة
والرضا و العناية ، وإفاضة الفضل و الإصطفاء والإجتباء ، حتّى لا يَدَعَ لكم خيرا من خيرات الدين والدنيا والآخرة إلاّ آتاكم منه أكبر حظّ ونصيب ، ولا يترك شرّا من شرور الدين والدنيا والآخرة إلاّ أبعدكم منه ووقاكم منه ، وحتّى لا يترك لكم ذنْبا كبيرا ولا صغيرا إلاّ أغرقها في بحر عفوه وكرمه ، وحتّى لا يترك لكم مطالبة بالذنوب إلاّ صفح عنها وعفا ، وحتّى لا يترك لكم حاجة ولا مطلبا في غير معصية الله إلاّ أسرع لكم بإعطائه وأمَدَّ لكم فيه بالمعونة والتأييد في إمضائه إن طابق سابق الحكم ، فإنْ لم يطابق
سابق الحكم فنسأل الله أن يعوّض لكم في جميع ذلك ما هو خير منه وأعلى منه ، وحتّى لا يترك لكم شرّا من الشرور الواردة على أيدي الخلق إلاّ جعل بينكم وبينها جندا من سطوته وسلطانه إنْ لم تكن محتّمة في سابق الحكم ، فإنْ كانت محتّمة في سابق الحكم فنسأل الله أن يمدّكم فيها بكمال اللطف والمعونة والتيسير والتسهيل حتّى تنفصل عنكم وأنتم منها في عافية .
وأوصيكم - وإيّايَ - بتقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب ، فإنّ لكلّ ذنْبٍ مصيبتين لا يخلو العبد عنهما ، والمصيبة واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة . فمصيبة الآخرة واقعة قطعا إلاّ أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى . ومصيبة الدنيا واقعة بكلّ مَن اقترف ذنْبا إلاّ أن يدفعها وارد إلهيّ بِصَدَقَةٍ لمسكين أو صِلة رحِم بمال أو تنفيس عن مديون بقضاء الدَّيْن عنه أو بعفوه عنه إنْ كان له ، وإلاّ فهي واقعة . فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله ، وإنْ وقعت مخالفة - والعبد غير معصوم - فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله ، وإنْ لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد أنّه ساقط من عين الحقّ متعرّض لغضبه إلاّ أنْ يمنّ عليه بعفوه . ويستديم في قلبه أنّه مستجوب لهذا من الله فيستديم بذلك انكسار قلبه وانحطاط رتبته في نفسه دون تعذّر .
فما دام العبد على هذا فهو على سبيل خير . وإيّاكم ، والعياذ بالله ، من لباس حلّة الأمان من مكْر الله في مقارفة الذنوب باعتقاد العبد أنّه آمن من مؤاخذة الله له في ذلك ، فإنّ مَن وقف هذا موقف بين يدي الحقّ تعالى ، ودام عليه ، فهو دليل على أنّه يموت كافرا والعياذ بالله تعالى . وما سمعتم من الخاصيّة التي في الورد فهي واقعة لا محالة ، وإيّاكم والتفريط في الورد ولو مرّة في الدهر ، وشرط الورد المحافظة على الصلوات في الجماعات والأمور الشرعيّة . وإيّاكم ولباس حلّة الأمان من مكر الله في الذنوب فإنّها عين الهلاك ، وترْك المقاطعة مع جميع الخلق ، وآكد ذلك بينكم وبين الإخوان ، وزوروا في الله وواصلوا في الله وأطعموا في الله ما استطعتم في غير تعسير ولا كدّ ، وعليكم بالصبر في أمر الله فيما وقع من البلايا والمحن فإنّ الدنيا دار الفتن ، وبلاياها كأمواج البحر ،
وما أنزل الله بني آدم في الدنيا إلاّ لمصادمة فتنتها وبلاياها ، فلا مطمع لأحد من بني آدم في الخروج عن هذا ما دام في الدنيا ، والصبر بحسب أحواله ، كلٌّ على قدر طاقته ووسْعِه ، واعملوا في نفوسكم سلوة إذا نزلت البلايا والمحن بأحدكم فليعلم أنّ لهذا خلقت الدنيا ولهذا بُنِيَت ، وما نزلها الآدمي إلاّ لهذا الأمر ، وكلّ الناس راكضون في هذا
الميدان ، فليعلم أنّه كأحدهم مُساوٍ له ، واعلموا أنّ الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الانفصال عنها ، فإنّها تنصبّ على الناس كالمطر الغزير ، لكن أكْثِرُوا من مكفّرات الذنوب ، وآكد ذلك صلاة الفاتح لما أغلق الخ ، فإنّها لا تترك من الذنوب شاذة ولا فاذة ، وكصلاة التسبيح ، وممّا هو في هذا المعنى ، يلازمه الإنسان كلّ يوم ثلاث مرات : (
اللهمّ مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي ) . وكذلك وظيفة اليوم والليلة ، ( لا إله إلاّ الله و الله أكبر لا إله إلاّ الله وحده لا إله إلاّ الله ولا شريك له لا إله إلاّ الله له الملك وله الحمد لا إله إلاّ الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ) .
وكذلك دعاء السيفي ، لمن يقدر على حفظه . وكذلك هذا الإستغفار : ( اللهمّ إنّي أستغفرك لما تبت إليك منه ثمّ عدت فيه وأستغفرك لما وعدتك من نفسي ثمّ أخلفتك فيه وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك وأستغفرك للنعم التي أنعمت عليّ فتقوّيتُ بها على معاصيك وأستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم لكلّ ذنب أذنبته ولكلّ معصية ارتكبتها ولك ذنب أتيت به أحاط علم الله به ) . وكذلك دعاء : ( يا من أظهر الجميل وستر القبيح الخ ) .
ثمّ قال رضي الله عنه : أبشروا ، أنّ كلّ مَن كان في محبّتنا إلى أنْ مات عليها يُبعث من الآمنين على أيّ حالة كان ما لم يلبس حلّة الأمان من مكر الله ، وكذلك كلّ مَن أخذ وردنا يبعث من الآمنين ويدخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب هو ووالداه وأزواجه وذرّيته المنفصلة عنه لا الحفدة بشرط الاعتقاد وعدم نكث المحبّة وعدم الأمن من مكر الله كما قدّمنا ، ويكون في جوار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أعلا علّيّين ، ويكون من الآمنين من موته إلى دخول الجنّة ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى فقراء فاس - صانهم الله من كلّ باس - ونصّه : بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلم . بعد حمد الله جلّ ثناؤه وتقدّست صفاته وأسماؤه ، يَصِلُ الكتاب إلى كافّة إخواننا فقراء فاس وما بإزائها ، حفظ الله جميعكم من جميع المحن ومن معضلات الفتن آمين . السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته تعمّكم وتعمّ أحوالكم مِنْ مُحِبِّكم أحمد بن محمّد التجاني ، وبعد : أوصيكم - ونفسي - بما أوصاكم الله به وأمركم به من حفظ الحدود ومراعاة الأمر الإلهيّ على حسب جهدكم واستطاعتكم ، فإنّ هذا زمان انهدمت فيه قواعد الأمر الإلهيّ جملة وتفصيلا ، وانهمك الناس في ما يضرّهم دنيا وأخرى بحيث أنْ لا رجوع ولا يقظة لِما يَرُدُّ القلوب إلى الله والوقوف عند حدود الله أمرا ونهيا ، ولا طاقة لأحد بتوفية أمر الله من كلّ وجه في هذا الوقت إلاّ لِمن لبس حلّة المعرفة بالله تعالى أو قاربها .
ولكن حيث كان الأمر كما ذكر ، ولم يجد العبد مصرفا عمّا أقامه الله فيه ، فالأبقع خير من الأسود كلّه ، فاتركوا مخالفة أمر الله ما استطعتم وقوموا بأمره على حسب الطاقة
واجعلوا لأنفسكم عدّة من مكفّرات الذنوب في كلّ يوم وليلة ، وهي أمور كثيرة ، كتبنا لكم منها في الوصيّة الأولى نبذة كافية . وأيضا من ذلك الحزب السيفيّ لمن اتّخذه وردا صباحا ومساء ، أقلّ ذلك مرّة وأكثره لا حدّ له . ومِن ذلك المسبعات العشر لمن اتّخذها وردا صباحا ومساء . ومِن ذلك صلاة الفاتح لما أغلق الخ ، وأقلّها مائة في الصباح والمساء ، فلا يلحقها في هذا الميدان عمل من أيّ عامل ولا ينتهي إلى غايتها أمل من أيّ آمل .
وأديموا الصلوات المفروضة في الجماعات بالمحافظة فإنّها متكفّلة بالعصمة من جميع المهلكات إلاّ في نبذ قليلة توجب العقوبات ، وأنّ الله سبحانه وتعالى للمدوام عليها عناية عظيمة ، فكَمْ يجبر له من كَسرة ، وكم يستر له من عورة ، وكم يعفو له عن زلّة ، وكم يأخذ له بيديه في كلّ كبوة . وعليكم بالمحافظة على ذكر الله والصلاة على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ليلا ونهارا على حسب الاستطاعة وعلى قدر ما يعطيه الوقت والطاقة من غير إفراط ولا تفريط ، واقصدوا بذلك التعظيم و الإجلال لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ، والتجلّي في ذلك بالوقوف في باب الله طلبا لمرضاته الله لا لطلب حظّ ، فإنّ للعامل بذلك عناية من الله عظيمة يجد بركتها في العاجل والآجل ، ويجد حلاوة في لذتها فيما هو له آمل ، وهي في الخواصّ والأسرار كالمحافظة على الصلوات في الجماعات سواء بسواء .
وعليكم بالمحافظة على الصدقات في كلّ يوم وليلة إن استطعتم ولو فلس نحاس أو لقمة واحدة بعد المحافظة على أداء المفروضات الماليّة ، فإنّ عناية الله تعالى بالعامل في ذلك قريب من محافظة المفروضات في الجماعات . وليكن من جملة أورادكم التي تحافظون عليها ، بعد الورد الذي هو لازم الطريقة ، الحزب السيفيّ وصلاة الفاتح لما أغلق ، فإنّهما يغنيان عن جميع الأوراد ، ويبلغان بفضل الله غاية المراد ، ولا يفي بقدرهما عمل .
وعليكم بِصِلَةِ الأرحام من كلّ ما يطيب القلب ويوجب المحبّة ولو بتفقّد الحال وإلقاء السلام ، وتجنّبوا معاداة الأرحام وعقوق الوالدين وكلّ ما يوجب الضغينة في قلوب الإخوان ، وتجنّبوا البحث عن عورات المسلمين ، فإنّ مَن تتبّع ذلك فضح الله عورته وهتك عورة بَنِيهِ مِن بعده ، وأكثروا العفو عن الزلل والصفح عن الخلل لكلّ مؤمن ، وآكد ذلك لِمَن آخاكم في الطريقة ، فإنّ مَن عفا عن زلّة عفا الله له عن زلاّت كثيرة ، ومَن وقع فيكم بزلّة ثمّ جاءكم معتذرا فاقبلوا عذره وسامحوه لكي يقبل الله أعذاركم ويسامحكم في زلاّتكم ، فإنّ أشرّ الإخوان عند الله مَن لا يقبل عذرا ولا يقيل عثرة . وتأمّلوا قوله سبحانه وتعالى :
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ

إلى قوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

،
وعليكم بالغفلة عن شرّ الناس وعدم المبالاة بما يجري منهم من شرور ، وعليكم بالصفح
والتجاوز عنهم ، فإنّ مناقشة الناس عمّا يبدو منهم وعدم العفو عنهم يوجب للعبد عند الله البوار في الدنيا والآخرة . وكلّما دنوت بمقابلة شرّ بمثله تزايدت الشرور وتنكسر بالعبد قوائمه في جميع الأمور ، فلا مقابلة للشرّ إلاّ الغفلة والعفو والمسامحة . وعليكم بعدم الاعتراض على الناس فيما أقامهم الله فيه ممّا ليس بمحمود شرعا ولا طبعا ، فإنّ أمورهم تجري على المشيئة الإلهيّة ، فَهُمْ مقبوضون في قبضة الله لا محيد لهم عن حكمه ، وجميع أمورهم تصدر عن قضائه وقدره ، إلاّ ما أوجب الشرع القيام به عليهم أمرا وزجرا بحسب العوارض والنائبات في بعض الأزمان لا كلّ الأزمان ، وقفوا عند قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
مُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك
» ،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
مِن حُسْنِ إسلام المرء ترْكُه ما لا يعنيه
» .
وعليكم بمناصحة إخوانكم في الطريقة برفق ولين وسياسة من غير ضغينة ولا حقد . ويجعل كلّ واحد منكم وقتا يذكر الله تعالى فيه في خلوة ، أقلّ ذلك عدد الورد الذي هو لازم الطريقة ، فإنّ العامل بذلك يجد بركته في جميع مآربه وتصرّفاته . وعليكم بطاعة المقدّم في إعطاء الورد مهما أمركم بمعروف أو نهاكم عن منكر أو سعى في إصلاح ذات بينكم ، وعليكم بملازمة الوظيفة المعلومة لمن استطاع صباحا ومساء وإلاّ مرّة واحدة في الصباح أو المساء فإنّها تكفي ، وخفّفوا من وردها إنْ ثقل عليكم واجعلوها خمسين من صلاة الفاتح لما أغلق الخ ، والاستغفار إن شئتم اذكروا ( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم ) ثلاثين مرّة يكفي عن الاستغفار مائة مرّة في الوظيفة .
وأوصي من كان مقدّما على إعطاء الورد أنْ يعفو للإخوان عن الزلل ، وأنْ يبسط رداء عفوه على كلّ خلل ، وأنْ يجتنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شينا أو حقدا ، وأنْ يسعى في إصلاح ذات بينهم وفي كلّ ما يوجب في قلوبهم بعضهم على بعض ، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها ، وليكن سعيه في ذلك في مرضاة الله لا لِحَظٍّ زائد على ذلك ، وأنْ ينهى من رآه يسعى في النميمة بينهم وأنْ يزجره برفق وكلام ليّن ، وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير والبعد عن التنفير والتعسير في كلّ ما يأمرهم به وينهاهم عنه من حقوق الله وحقوق الإخوان ، ويراعي في ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا
» ،
وعليه أنْ يتباعد عن تغريم دنياهم وأنْ لا يلتفت لِما في أيديهم ، معتقدا أنّ الله تعالى هو المعطي والمانع ، والخافض والرافع ، وليجعل همّته في تحرير دنياهم فيما في أيديهم من التشتيت والتبذير وأنْ لا يطلبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير إلاّ ما سمحت أنفسهم ببذله من غير طلب ، فإنّ عقول الناس حول هذا المطاف تدور وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور . وسلّموا للعامّة وولاّة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرّض لمنافرة أو تبغيض أو تنكير فإنّ الله هو الذي أقام خلقه في ما أراد ولا
قدرة لأحد أن يخرج الخلق عمّا أقامهم الله فيه ، واتركوا التعرّض للرياسة وأسبابها فإنّها كعبة تطوف بها جميع الشرور ، وهي مقرّ الهلاك في الدنيا والآخرة . ومَن ابتُلِيَ منكم بمصيبة، أو نزلت به من الشرور نائبة فليصبر بانتظار الفرج من الله فإنّ كلّ شدّة لا بدّ لها من غاية وكلّ كرب لا بدّ له من فرج ، وإنْ ضاق به الحال فعليه بالتضرّع والابتهال حتّى يبلغ بالفرج من الله غاية الآمال ، ولا تجزعوا من المصائب والبليّات فإنّ الله سبحانه وتعالى ما أنزل العباد في دار الدنيا إلاّ لتصاريف الأحكام الإلهيّة والأقدار الربّانيّة ممّا تضيق به النفوس من أجل البلاء والبؤس ولم يجد العباد مصرفا عن هذا ولا إمكان للعبد من التمكّن من دوام الراحة من كلّ بلاء في الدنيا ، بل على العاقل أن يعلم أنّ أحوال الدنيا أبدا متعاقبة بين ساعات انقباض وانبساط ، وخيرات وشرور ، وأفراح وأحزان ، لا يخرج أحد ممّن سكن الدنيا عن هذا المقدار ، فإن نزلت مصيبة أو ضاقت نائبة فليعلم أنّ لها وقتا تنتهي إليه ثمّ يعقبها الفرح والسرور ، فإنّ مَن عَقَلَ هذا عن الله في تصريف دنياه تلقّى كلّ مصيبة بالصبر والرضا بالقضاء والشكر التامّ عن النعماء . والسلام عليكم ورحمة الله . اهـ من إملائه رضي الله عنه .
وممّا كتب به أيضا لكافّة الفقراء ، ونصّه ، قال رضي الله عنه بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : بعد حمْد الله جلّ ثناؤه ، يَصِلُ الكتاب إلى كافّة أحبابنا الفقراء ، كلّ واحد باسمه وعينه عموما من غير تخصيص . السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته مِنْ أحمد بن محمّد التجاني ، وبعد : نسأل الله تعالى لكافّتكم وخاصّتكم أنْ يفيض عليكم بحور العناية منه والرضا منه سبحانه وتعالى على طِبْق ما منَح من ذلك أكابر العارفين من عباده وأهل الخصوصيّة حتّى تكون عنده جميع مساويكم ممحوّة غير مؤاخَذين بها ، وجميع ذنوبكم وآثار سهْوِكم مقابلة بالصفح والتجاوز منه غير مقابلين بها ، ونسأله سبحانه وتعالى أن يكتبكم جميعا في ديوان أهل السعادة الذي ما كتب فيه إلاّ أكبار أوليائه وأهل خصوصيّته بوجهٍ لا يمكن فيه المحو ولا التبديل ، وإنْ يكحّل بصائركم بنوره الذي رَشَّهُ على الأرواح في الأزل ، وأنْ يواجهكم بفضله في الدنيا والآخرة ، وأنْ ينظر فيكم بعين رحمته التي مَن نظر إليه بها صرف عنه جميع مكاره الدنيا والآخرة .
هذا وليكن في علمكم أنّ جميع العباد في هذه الدار أغراض لسهام مصائب الزمان ، إمّا بمصيبة تنزل أو بنعمة تزول أو بحبيب يفجع بموته أو هلاك أو غير ذلك ممّا لا حدّ لجمله وتفصيله . فمَن نزل به منكم مثل ذلك فالصبر الصبر لتجرّع مرارتها فإنّه لذلك نزل العباد في هذه الدار ، ومَن كبَا به منكم جواده عن تحمّل ثقلها ومقاومة ما يطرأ عليه من أعبائها، فعليه بملازمة أحد الأمريْن أو هُمَا معًا ، وهو أكمل . الأوّل وملازمة يا لطيف ألفا خلف كلّ صلاة إنْ قدر ، وإلاّ ألفا في الصباح وألفا في المساء ، فإنّه بذلك يسرع خلاصه من مصيبته . والثاني مائة صلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالفاتح
لما أغلق الخ ، ويهدي ثوابها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، إنْ قدر مائة خلف كلّ صلاة وإلاّ مائة صباحا ومائة في الليل ، وينوي بهما ، أعني يا لطيف والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم التي يهدي ثوابها له صلّى الله عليه وسلّم ، أنْ ينقذه الله تعالى من جميع وحلته ، ويجعل خلاصه من كربته ، فإنّها تسرع له الإغاثة في أسرع وقت . وكذا مَن كَثُرَتْ عليه الديون وعجز عن أدائها ، أو أكثر عياله واشتدّ فقره وانغلقت عليه أبواب أسباب المعاش ،
فليفعلْ ما ذكرنا من أحد الأمريْن ، أو هُمَا معًا ، فإنّه يرى الفرج من الله عن قريب . ومَن دهاه خوف هلاك متوقّع نزوله به مِن خوف ظالم ولا يقدر على مقاومته ، أو خوف مِن صاحب دَيْن لا يجد منه عذرا ولا إمهالا ولا يجد من المال ما يؤدّيه له ، أوْ كِلاَ الأمرين ، ومِن كلّ مخوّف ، فليلازم ما ذكرنا من أحد الأمريْن أو معًا فإنّه ينقشع عنه عن قريب . وإنْ أشرع مع ذلك بصدقة ، قَلَّتْ أو كثرتْ ، بِنِيَّة دفْع ما يتوقّعه من المخوف ، أو بِنِيَّة تعجيل الخلاص من ألمه وكربه ، كانت أجدر في إسراع الخلاص والفرج .
وتواصوا بالصبر وتواصوا بالرحمة ، وإيّاكم ثمّ إيّاكم أن يهمل أحدكم حقوق إخوانه ممّا هو جلْب مودّة أو دفْع مضرّة أو إعانة على كربة ، فإنّ مَن ابتلي بتضييع حقوق الإخوان ابتلي بتضييع الحقوق الإلهيّة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
وصونوا قلوبكم إذا رأيتم أحدا فعَل حقّا يخالف هواكم أو هدَم باطلا يخالف هواكم أنْ تبغضوه أو تؤذوه فإنّ ذلك معدود من الشرك عند الله تعالى ، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم :
«
الشرك في أمّتي أخفى من دبيب النمل على الصفا وأقلّ ذلك أن تحبّ على باطل أو تبغض على حقّ
» ،
أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم ممّا معناه هذا . وكذا صونوا قلوبكم عمّن فعل باطلا أو هدم حقّا يطابق هواكم أنْ تحبّوه أو تثنوا عليه فإنّه أيضا معدود من الشرك عند الله تعالى ، فإنّ المؤمن يحبّ الحقّ ويحبّ أهله ويحبّ أن يُقام الحقّ ويُعمل به ، ويبغض الباطل ويبغض أهله ويبغض أن يُقام الباطل ويُعمل به ، والسلام .
إستدراك : وما ذكرنا من مراعاة حقوق الإخوان فليكن ذلك في غير حرج ولا ثقل ولا كلفة ، بل بما تيسّر وأمكن في الوقت إلاّ أن يكون في بعض العوارض يخاف من أخيه العداوة والقطيعة أو فساد القلب فليسرع لإصلاح قلبه فإنّ ذلك يستجلب الرضا من الله تعالى . وأمّا ما ذكرنا من بُغْض أهل الباطل فليكن ذلك محلّه القلب فقط ، وإنْ خرج إلى جارحة من الجوارح أدّى إلى منكر أعظم منه فتَرْكُ إخراجه من القلب إلى الجوارح أوْلى ، والسلام . أهـ من إملائه رضي الله تعالى عنه .
وممّا كتب به إلى بعض الطلبة ، ونصّه ، قال رضي الله عنه ،
بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وبعد : فالذي أعِظُكَ به وأوصيك به عليك بالله عزّ وجلّ في سرّك وعلانيتك بتَصْفِيَة قلبك من مخالفة أمْرِه والتعويل على الله بقلبك والرضا بحُكمِه في جميع أمورك والصبر لمجاري مقاديره في كلّ أحوالك ، واستعنْ على جميع ذلك بالإكثار من ذِكْر الله على قدْر الاستطاعة بحضور قلبك فهو مُعِينٌ لك على جميع ما أوصيتك به . وأكبر ذِكْر الله فائدة وأعظمه جدوى وعائدة هي الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع حضور القلب ، فإنّها متكفّلة بجميع مطالب الدنيا والآخرة دفْعا وجلْبا في كلّ شيء ، وإنّ مَن أكثر استعمالها كان مِن أكبر أصفياء الله .
والأمر الثاني ممّا أوصيك به ، ترْك المحرّمات الماليّة شرْعا ، أكْلا ولباسا ومسكنا ، فإنّ الحلال هو القطب الذي تدور عليه أفلاك سائرة العبادات ، ومَن ضيّعه ضيّع فائدة العبادة ، وإيّاك أنْ تقول أين تجده ، فإنّه كثير الوجود في كلّ أرضٍ وفي كلّ زمانٍ لكن يوجد بالبحث عن توفيّة أمْر الله ظاهرا وباطنا ، ومراعاة ضرورة الوقت إنْ لم يوجد الحلال الصريح ، وهذا المحلّ يحتاج إلى فِقْهٍ دقيقٍ واتّساع معرفةٍ بالأحكام الشرعيّة ، ومَن كان هكذا لم يصعب عليه وجود الحلال . والأمر الذي لا بدّ منه بعد هذا ، وهو بداية جميع الأمور ونهايتها ، هو تعلّق القلب بالله تعالى بالانحياش إليه والرجوع إليه وترْك كلّ ما سواه عموما وخصوصا ، فإنْ قدر العبد على ارتحال القلب إلى الله بكلّ وجه وعلى كلّ حال بحركة القلب حسّا فهو الغاية ، وإنْ لم يقدر فيلازم بعد كلّ صلاة هذا الدعاء ثلاثا أو سبعا ثمّ يمرّ به على قلبه في غير الصلوات ، ويحمل نفسه عليه يصير له ذلك حالا . والدعاء هو هذا (
اللهمّ عليك معوّلي وبِك ملاذي وإليك الْتِجَائِي وعليك توكّلي وبك ثقتي وعلى حولك وقوّتك اعتمادي وبجميع مجاري أحكامك رضاي وبإقراري بسريان قيّوميّتك في كلّ شيء وعدم احتمال خروج شيء دقّ أو جلّ مِن علْمك وقهرك حتّى لحظة سكوتي ) أهـ . فإذا داوم عليه كلّما رأى من أحوال النفس ما لا يطابق هذا الدعاء ذكّر نفسه بمعاني هذا الدعاء وصبر على حمل نفسه سَهُل عليه تعلّق القلب بالله تعالى برفض كلّ ما سواه ، وهذا باب كبير من العلم يعلمه مَن ذاق أدنى شيء من علوم الرجال ويعلم قدره ، فلا تهمله . وعليك بإصلاح نفسك قدر الاستطاعة ، فإنّ العمر قصير والسفر طويل والعقبة كؤود والحمل ثقيل والحساب بين يدي الله شديد ، والعمل بأمْر الله هو المُنْجِي مِن جميع هذه الأمور .
قال الشيخ الصالح والصدر المبرز ، العارف بالله سيّدي محمّد السمّاك رضي الله عنه : " مَن أقبل على الله بقلبه أقبل الله عليه برحمته وصرف وجوه الناس إليه ، ومَن أعرض عن الله أعرض الله عنه جملة ، ومَن كان مرّة ومرّة فالله يرحمه وقتا مّا " . والحاصل ، عليك بالله برفض ما سواه ، وإذا ابتليت بمعاملة الناس ومخالطتهم فخالطهم وعاملهم لله فإنّ الله يحبّ الإحسان إلى خلْقه . وأكبر ما أحضّك عليه هو كثرة الصلاة بحضور
القلب على رسول صلّى الله عليه وسلّم ، فهو الكنز الأعظم . أهـ من إملائه علينا رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى كافّة الإخوان أينما كانوا ، ونصّه ، قال رضي الله عنه بعد البسملة والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وبعد :
فأوصيكم بما أوصى الله به ، قال سبحانه وتعالى :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ

،
وقال سبحانه وتعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا

إلى قوله :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا

إلى قوله :
قَدْرًا

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا

إلى قوله :
وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا

،
واعلموا أنّ التقوى قد صعب مرامها ، وتناءت بُعْدا عن أنْ تمدّ بيد أحد خطامها واحتكامها ، وكَلَّتْ الهمم دونها فلا يصل بِيَدِ أحد أساسها واحتكامها ، إلاّ الفرد الشاذّ النادر ، لِما طُبِعَتْ عليه القلوب والنفوس مِنَ الإدبار عن الله وعن أمْره بكلّ وجهٍ واعتبار وحلها في ربع الأحوال البشريّة وحلا لا مطمع لها في الانفكاك عنه ، وهذا حال أهل العصر في كلّ بلد من كلّ ما على الأرض ، إلاّ الشاذّ النادر الذي عصمه الله تعالى .
وبسبب ما ذكرنا ، هاج بحر الأهوال والفتن ، وطما بحر المصائب والمحن ، وغرق الناس فيه كلّ الغرق ، وصار العبد كلّما سأل النجاة من المصيبة وعصم منها اكتنفته مصائب ، وفي هذا قيل : " سيأتي على الناس زمان تتراكم فيه بحور المحن والفتن ، فلا ينفع فيه إلاّ دعاءٌ كَدُعَاءِ الغريق " . وليكنْ ملازمتكم الأمر المُنجِي لِما ذكرْنا أو مطفئ لأكثر نيرانه ، وهو كثرة الاستغفار والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وذِكْر لا إله إلاّ الله مجرّدة ، وذكر لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين ، وقول حسبنا الله ونعم الوكيل ، فإنّه بِقَدْر الإكثار من الأذكار تتنائى عن العبد كثرة المصائب وشرور الأوزار ، وبقدر تقليله منها يقلّ بُعده عن المصائب والشرور .
وليكنْ لكلّ واحد منكم قدْرٌ مِنْ هذه الأذكار على قدْر الطاقة ، وعليكم بكثرة التضرّع والابتهال لِمَنْ له كمال العزّ والجلال فإنّ الله رحيم بعباده ودود ، فإنّه أكرم وأعظم فضل مِنْ أنْ يتضرّع إليه متضرّع أحاطت به المصائب والأحزان ومدّ إليه يديه مستعطفا نواله راجيا كرمه وإفضاله أنْ يَرُدَّهُ خائبا أو يعرض عنه برحمته ، والعاجز مَنْ عجز حتّى عن التضرّع والابتهال ، ومَنْ ضيّع نفسه من الله فلا جابر له .
وليكنْ لكم بباب الله لمّاتٌ على مرور الساعات وكرور الأوقات ، فإنّ مَن اعتاد ذلك في كرور أوقاته خشيه من رحمة الله ونفحاته ما يكون ماحقا لمصائبه وكدوراته ومسهّلا لِثِقلِ أعباء ما ثقل عليه من ملمّاته ، فإنّه سبحانه وتعالى غنّي كريم يستحي لكرمه إذا رأى عبدا قد تعوّد الوقوف ببابه ، ولو في أقلّ الأوقات ، أنْ يسلمه للمصائب التي لا مخرج له منها أو يكدحه بهلكة يعزّ الخلاص منها . إحفظوا هذا العهد
واركضوا في هذا الميدان ، ولو في أقلّ قليل من مرور اليوم والليلة ، تجدوا التيسير في جميع الأمور والخلاص من كثيرة من الشرور ، وإنْ قدر الواحد على أن يكون تضرّعه في كلّ ليلة بهذا الدعاء ، وهو (
إلهنا أنت المحرّك والمسكّن لكلّ ما واقع في وجود من الخيرات والشرور ، و في حكمك الحلّ والعقد لجميع الأمور ، وبيدك وعن مشيئتك تصاريف الأقدار والقضاء المقدور ، وأنت أعلم بعجزنا وضعفنا وذهاب حولنا وقوّتنا عن تباعدنا ممّا يحلّ بنا من الشرور عن اتّصالنا بما نريد الوقوع فيه من الخيرات أو ما يلائم أغراضنا في جميع الأمور ، وقد وقفنا ببابك، والْتَجَأْنَا بجانبك ووقفنا على أعتابك مستغيثين بك في صرْف ما يحلّ بنا من الشرور وما ينزل بنا من الهلاك ممّا يجري به تعاقب الدهور ممّا لا قدرة لنا على تحمّله ولا قوّة بنا على طلّه فضلا عن وابله وأنت العَفُوُّ الكريم والمجيد الرحيم الذي ما استغاث بك مستغيث إلاّ أغثته و لا توجّه إليك مكروب يشكو كربه إلاّ فرّجته ولا ناداك ضرير من أليم بلائه إلاّ عافيته ورحمته ،
وهذا مقام المستغيث بك والملتجئ إليك ، فارحم ذلّي وتضرّعي بين يديك وكنْ لي عوْنا وناصرا ودافعا لكلّ ما يحلّ بي من المصائب والأحزان ، ولا تجعل عظائم ذنوبي حاجبة لِما ينزل إلينا من فضلك ولا مانعة لِما تتحفنا به من طَوْلِك وعاملنا في جميع ذنوبنا بعفوك وغفرانك وفي جميع زلاّتنا وعثراتنا برحمتك وإحسانك ، فإنّا لفضلك راجون وعلى كرمك معوّلون ولنوالك سائلون ولكمال عزّك وجلالك متضرّعون ، فلا تجعل حظّنا منك الخيبة والحرمان ولا ينيلنا من فضلك الطرد والخذلان ، فإنّك أكرم من وقف ببابه السائلون وأوسع مجدا من كلّ من طمع فيه الطامعون ، فإنّه لك المنّ الأعظم والجناب الأكرم وأنت أعظم كرما وأعلى مجدا من أن يستغيث بك مستغيث فتردّه خائبا أو يستعطف أحد نوالك متضرّعا إليك فيكون حظّه منك الحرمان ،
لا إله إلاّ أنت يا عليّ يا عظيم يا مجيد يا كريم يا واسع الجود يا برّ يا رحيم ، عشرين مرّة تذكر هذه الأسماء مِن قولك لا إله إلاّ أنت الخ ، ثمّ صلاة الفاتح لما أغلق الخ عشرا في أوّله وعشرا في آخره ) ، فإنّ المداومة لهذا الدعاء في كلّ ليلة سبعا أو خمسا أو ثلاثا تدفع عنه كثيرا من المصائب والأحزان ، وإنْ تحتّم نزولها نزل به لطف عظيم فيها . اهـ من إملائه رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى كافّة تلامذته ، ونصّه ،
بعد البسملة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحمد له ، قال رضي الله عنه : بعد السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، أمّا بعد ، فالذي أوصيكم به - وإيّاي - المحافظة على قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
ثلاث منجيّات وثلاث مهلكات فأمّا المنجيّات فهي تقوى الله في السرّ والعلانية وكلمة الحقّ في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأمّا المهلكات فشُحٌّ مُطاع وهوى مُتَّبَع وإعجاب ذي رأي برأيه
»
،
وعلى قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
ما تحت قبّة السماء إله يعبد من دون الله أعظم مِنْ هوى
مُتَّبَع
»
،
وعلى قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
مِنْ حُسْن إسلام المرء ترْكُه ما لا يعنيه
»
،
وعلى قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
ولا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا
»
،
الحديث .
وهذا ، وإنْ وَرَدَ في ميادين الجهاد في قتال الكفّار ، فهو منقلب في هذه الأزمنة في الصفح عن شرّ الناس . فمَن تمنّى بقلبه أو أراد تحريك الشرّ منه على الناس سلّطهم الله عليه مِن وَجْهٍ لا يقدر على دفعهم . وعلى العبد أن يسأل الله العافية من تحريك شرّ الناس وفتنهم ، فإنْ تحرّك عليه من غير سبب منه فالوجه الأعلى الذي تقتضيه رسوم العلم مقابلتهم بالإحسان في إساءتهم ، فإنْ لم يقدر فبالصفح والعفو عنهم إطفاءً لنيران الفتنة ، فإنْ لم يقدر فبالصبر لثبوت مجاري الأقدار . ولا يتحرّك في شيء من إذايتهم لإساءتهم ، فإنْ اشتعلت عليه نيران شرّهم فليدافع بالتي هي أحسن بِلِينٍ ورفق ، فإنْ لم يُفِدْ ذلك فعليه بالهرب إنْ قدر ، والخروج عن مكانه ، فإنْ عوّقت العوائق عن الارتحال ولم يجد قدرة فليدافع بالأقلّ فالأقلّ من الإذاية ، فليفعل ذلك ظاهرا و يكثر الضرع إلى الله والابتهال سرّا في دفْع شرّهم عنه مُدَاوِمًا ذلك حتّى يفرّج الله عليه ، فإنّ هذه الوجوه التي ذكرناها هي التي تقتضيها رسوم العلم .
والحذر الحذر لِمَنْ تحرّك عليه شرّ الناس منكم أنْ يبادر إليه بالتحرّك بالشرّ لمقتضى حرارة طبْعِه وظلمة جهْله وعزّة نفسه ، فإنّ المبادر للشرّ بهذا ، وإنْ كان مظلوما ، فاضت عليه بحور الشرّ من الخلق حتّى يستحقّ الهلاك به في الدنيا والآخرة ، وتلك عقوبة لإعراضه عن جناب الله أوّلا ، فإنّه لو فزع إلى الله بالتضرّع والشكاية واعتراف بعجزه وضعفه لدفع الله عنه ضرر الخلق بلا سبب أو بسبب لا تعب عليه فيه ، أو يشغلهم الله بشاغل يعجزون عنه . فإمّا أنْ يفعل الله له هذا ، وإمّا أنْ ينزل به اللطف العظيم أو الصبر الجميل فيكابد غصص تلك الشرور بما هو فيه من اللطف والصبر حتّى يَرِدَ عليه الفرج من الله تعالى فيكون مُثابًا دنيا وأخرى .
أمّا ثواب الدنيا فبحمد العاقبة وظهور نصره في الخلق على قدر رتبته . وأمّا ثواب الآخرة فبالفوز بما لا غاية له من ثواب الصابرين الذي وعده الله تعالى ، قال سبحانه وتعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا

،
وقال سبحانه وتعالى :

واعلموا إن الصابرين
[ البقرة 2 الآية 153 ] ، و قد قال تعالى ، حاكيا عن نبيّه يوسف عليه الصلاة والسلام :
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

،
وقال تعالى :
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ

،
إلى غير ذلك من الآيات . ولعدم اعتبار الناس بما ذكرنا ترى الناس أبدا في عذاب عظيم من مكابدة شرور بعضهم بعضا ، ووقعوا بذلك في المهالك العظام في الدنيا والآخرة ، إلاّ مَن حفّته عناية عظمة إلهيّة فإنّ العامّة لا يرون في تحريك الشرّ عليهم إلاّ صورة الشخص الذي حرّكه عليهم لغيبتهم عن الله سبحانه وتعالى وعن غالب حكمه فنهضوا
في مقابلة الشرور بحولهم واحتيالهم وصولة سلطان نفوسهم فطالت عليهم مكابدة الشرور وحبسوا في سجن العذاب على تعاقب الدهور .
فإنّ الكيّس العاقل إذا انصبّ عليه الشرّ من الناس أو تحرّكوا له به رآه تجلّيا إلهيّا لا قدرة لأحد على مقاومته إلاّ بتأييد إلهيّ ، فكان مقتضى ما دلّه عليه علمه وعقله الرجوع إلى الله بالهرب والالتجاء إليه وتتابع التضرّع والابتهال لديه والاعتراف بعجزه وضعفه ، فنهض معتصما بالله في مقابلة خلْقه ، فلا شكّ أنّ هذا يدفع عنه الشرور بلا تعب منه ، ولو التهبت عليه نيران الشرّ من الخلق لعجزوا عن الوصول إليه لاعتصامه بالله تعالى ، فإنّ مَن تعلّق بالله لا يقوى عليه شيء . قال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا

إلى قوله
فَهُوَ حَسْبُهُ

،
وهذا الباب الذي ذكرناه ، كلّ الخلق محتاجون إليه في هذا الوقت ، فمَن أدام السير على هذا المنهاج سعد في الدنيا والآخرة ، ومَن فارقه و كّله الله إلى نفسه فنهض إلى مقابلة الشرور بحوله واحتياله فهلك كلّ الهلاك في عاجله وآجله . وفي ما ذكرناه كفاية .
وعليكم بشكر النعم الواردة من الله تعالى بسبب أو بلا سبب . والشكر يكون في مقابلتها بطاعة الله تعالى إنْ قدر على أن تكون كلّية وإلاّ فالأبقع خير من الأسود . وأقلّ ذلك شكر اللسان ، فلا أعجز ممّن عجز عن شكر اللسان . وليكن ذلك بالوجوه الجامعة للشكر ، فأعلى ذلك في شكر اللسان تلاوة الفاتحة في مقابلة ما أنعم الله عليه شكرا وليَنْوِ عند تلاوتها أنّه يستغرق شكر جميع ما أحاط به علم الله من نعمه عليه ، الظاهرة والباطنة والحسّيّة والمعنويّة والمعلومة عند العبد والمجهولة لديه والعاجلة والآجلة والمتقدّمة والمتأخّرة والدائمة والمنقطعة ، ويتلو بهذه النيّة ما قدر عليه من الفاتحة مرّة إلى مائة ، فمَن فعَل ذلك كتبه الله شاكرا ، وكان ثوابه المزيد من نعمه على قدر رتبته ، بحسب وعده الصادق .
أمّا وجوه المحامد الجامعة فهي كثيرة لا نطول بذكرها ، مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
» ،
ومنها ( إلهي لك الحمد ولك الشكر مثل جميع ما أحاط به علمك من صفاتك وأسمائك وجميع محامدك التي حمدت بها نفسك بكلامك والتي حمدك بها كلّ فرد من خلقك بأيّ لفظ ذكروك به كلّ حمد من ذلك منك ومن جميع خلقك عدد ما أحاط به علمك على جميع ما أحاط به علمك من نعمك عليّ ) ، فهو حمْد جامع لأنواع المحامد مستغرق للشكر على جميع النعم .
وأحذّركم لكلّ من خوّله الله نعمة أن يمدّ يده بها في ما لا يرضي الله مثل شراء الخمر، والوقوع في الزنا ومدّ اليد في المعاملة في الربا أو صرْفها في وجوه طلب الرياسة والسلطنة أو في طلب إذاية المسلمين مِن سفْك دمائهم ونهْب أموالهم أو هتْك حريمهم أو بإذايته ولو بأقلّ قليل ، فإنّ الفاعل لهذه الأمور بما أنعم الله عليه مستحقّ لسلب النعمة من الله مع ما يعرض له من مقت الله وغضبه . فإنْ فعَل الأمور ، أو بعضها ،
بما أنعم الله به عليه ، ولم ير من الله سلب نعمه ، فليعلم في نفسه أنّه ممّن يحلّ عليه غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة . والسعيد إذا وقع في شيء من هذه الأمور يرى عن قريب تعجيل العقوبة ، ويرى التنبيه في قلبه من الله أنّ هذه المصيبة وقعت على تلك الفعلة .
وأوصيكم في معاملة الأسواق على محافظة قواعد الشرع وأصوله على حسب ما يعطيه الوقت ، وتجنّبوا جميع وجوه الغشّ والتدليس والكذب في تقويم الأثمان واقتحام ما حرّم الله من ذلك بنصوص الشرع ، فإنّ المنهمك في ذلك يهلك كلّ الهلاك . ثمّ إذا ألجأت الضرورة واشتدّت الحاجة ولم يجد العبد ملجأ إلاّ أنْ يأخذ قُوتَهُ ممّا حرّم شرعا في الأسواق فليأخذ قدر ما يتقوّت ، وليكن جاريا في ذلك على حكم المضطرّ في أكْلِ الميتة ، فإنّه إنّما يأكلها بلاغا وسدّا للفاقة لا كسْبا وتمولا .
وأحذّركم أن تتهافتوا في المعاملات المحرّمات شرعا تهافت الجهلة من العامّة محتجّين بعدم وجود الحلال المعيّن ، يريدون أن يسقطوا عنهم الأحكام الشرعيّة في المعاملات ، فقد صاروا في ذلك كأنّهم لا تكليف عليهم ، وهو كَذِبٌ على الله وزورٌ ، فقد قال سبحانه تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

الآية . فهذه الآية ، وإنْ نزلت في مطلب خاصّ ، فهي مشتملة على كلّ ما تحتمله من القضايا ، إمّا تضمينا وإمّا تلويحا ، والعالم يأخذ حكمه من كلّ آية في كلّ ما تحتمله إن لم تنزل لأجله ، والواقع منه من الآية في قضيّتنا هذه أنّ الذي في الأرض هو ما أمكن وجوده من حلال أصليّ أو عارض على حسب عوارض الوقت ، وهي الأمثل فالأمثل على حسب ما فصّلنا في جواب المعاملة ،
وخطوات الشيطان التي نهى الله عنها هي المعاملات والمحرّمات شرعا حيث يجد العبد عنها معدلا ، فإنْ لم يجد عنها معدلا ، وألجأته عوارض الأقدار بحكم القهر والتحتّم إلاّ أن يأخذ قُوتَهُ من المحرّم شرعا وإنْ لم يأخذ منه مات في الوقت أو مات بعض عياله جوعا لضيق الوقت وفقد السبيل لغيره ، فهو الواقع في قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ

.
ولا تلتفتوا لِما نقل عن السيّد الحسن بن رحّال في قوله : " كلّ عقدة لا يوجد فيها إلاّ من يعامل بالحرام فهي حلال " فهو قول باطل لكونه تغافل عن ضبط القاعدة الشرعيّة فيه ، والتحقيق فيها هو ما ذكرناه قبلها آنفا ، يشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
» ،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا
» ،
وقوله سبحانه وتعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا

،
وقول الشاعر :
إذ لم تستطع شيئا فَدَعْهُ
وجاوزه إلى ما تستطيـع
وفي هذا ، مع ما في الرسائل الأوّل ، كفاية ، والسلام . أهـ من إملائه رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى إخوانه وأصحابه الفقراء الأغواط ، يتحدّث بما أنعم الله به عليه وتفضّل ، قال رضي الله عنه : بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، بحمد الله يَصِلُ الكتاب إلى يد أحبابنا وأصفيائنا فلان وفلان وكافّة الفقراء الذين معه بالأغواط ، كلّ واحد باسمه وعينه ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مِنْ كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني ، وبعد ،
نسأل الله عزّ وجلّ أن يتولاّكم بعنايته ، وأنْ يفيض عليكم بحور فضله وولايته ، وأن يكفيكم هَمَّ الدنيا والآخرة ، وأن ينجيكم من فقر الدنيا و عذاب الآخرة ، يليه إعلامكم أنّ فضْل الله لا حدّ له ، وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من شاء ، وأقول لكم إنّ مقامنا عند الله في الآخرة لا يَصِلُهُ أحدٌ من الأولياء ولا يقاربه ، لا مَن صغر ولا من كبر ، وأنّ جميع الأولياء من عصر الصاحبة إلى النفخ في الصور ليس فيهم مَن يَصِلُ مقامنا ولا يقاربه لِبُعْدِ مرامه عن جميع العقول ، وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول . ولم أقُلْ لكم ذلك حتّى سمعتُه منه صلّى الله عليه وسلّم تحقيقا . وليس لأحدٍ من الرجال أنْ يُدخِل كافة أصحابَه الجَنَّةَ بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلاّ أنا وحدي .
ووراء ذلك ممّا ذكر لي فيهم وضمنه صلّى الله عليه وسلّم لهم أمر لا يَحِلّ لي ذِكْرُهُ ولا يُرى ولا يُعرف إلاّ في الآخرة . ومع هذا كلّه فلسنا نستهزئ بِحُرْمَةِ سادتنا الأولياء ولا نتهاون بتعظيمهم ، فعظّموا حُرمة الأولياء الأحياء منهم والأموات ، فإنّ مَنْ عظّم حرمتهم عظّم الله حُرمته ، ومَنْ أهانهم أذلّه الله وغضب عليه ، فلا تستهينوا بِحُرمَة الأولياء ، والسلام . وانتهى .
وممّا كتب به إلى بعض أحبّائه ، ونصّه ، قال رضي الله عنه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : قال كاتبه أحمد بن محمّد التجاني ، بعد السلام التامّ عليكم ورحمة الله وبركاته ، أمّا ما ذكرتم من رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوم ، نسأل الله أن يمكّنكم منها عاجلا ، ولكن عليكم ، إنْ أردتموها ، بالمداومة على جوهرة الكمال سبعا عند النوم على وضوء دائما ، فإنّها كفيلة بها ، وهي ( اللهمّ صلّ وسلم على عين الرحمة الربّانيّة الخ ) .
وأمّا سند طريقتنا ، فطريقنا عنه صلّى الله عليه وسلّم اتّصالا منه إلينا ، وسندنا أيضا في الورد المعلوم مع السيفي عنه صلّى الله عليه وسلّم متّصلا إلينا ، وأمّا المسبّعات العشر فأخذناها مشافهة عن شيخنا الشيخ محمود الكرديّ المصريّ رضي الله عنه ، وهو أخَذَهَا عن الخضر مشافهة ، وأما أحزاب الشاذليّ ووظيفة الزروق ودلائل الخيرات والدوْر الأعلى فكلّها أخذنا الإجازة فيها عن شيخنا القطب الكامل سيّدي محمّد بن عبد الكريم السمّان قاطن المدينة المنوّرة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام .
وأمّا ما ذكرتم من شرط اتّحاد الوقت في ذكر الخلوة ، فهو أمر مطلوب في جميعها ولا يضرّ إنْ تخلّف إلى غير وقته ، اللهمّ إلاّ في الأسماء الإدريسيّة فإنّه إنْ تخلّف الوقت تضرّر العامل ضررا كبيرا . وأجَزْنَا لكم في الورد في كلّ ما ذكرنا لكم سنده فيما طلبتم في السند ، نفعكم الله بذلك ، والسلام .
وأجازنا سيّدنا في كلّ ما أجاز فيه صاحب الرسالة ، وكتب لنا بخطّ يده في هذا المحلّ في غير هذا ، والسلام .
وممّا كتب به إلى بعض أحبّائه ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله عنه ، وبعد : فتعلّقك بالخواصّ في طلب الدنيا وأغراضها و شهواتها وأنت مشغول بإطلاق لسانك في الغيبة والنميمة وفي ما لا يرضي الله ، ومنهمك في البعد عن الله ، لا ربْح في هذه التجارة إلاّ التعب ، فلا تظفر منها بشيء .
إنّ الخواصّ بحر الطمع متعلّق بها كالذي يريد الظفر بسراب بقيعة ، إنّما الخواصّ وأسرارها لا يتمكّن منها أحد من خلق الله إلاّ أحد الرجلين ، إمّا رجل ظفر بالولاية ، وإمّا رجل جعل أكثر أوقاته في ذكر الله . وفي صحّة التوجّه إليه سبحانه وتعالى ، وفي الصلاة على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم طلبا لوجه الله الكريم لا لغرض غير ذلك ، وداوم على هذا المنوال ، وصان لسانه عن الأقاويل التي لا ترتضى شرعا كالغيبة والنميمة والكذب والسخريّة وسائر ما لا يرتضى ، وصان قلبه عمّا لا يرتضى ، وصان قلبه عمّا لا يرضي الله كالكبر والحسد وظلم الناس والبغض بغير أمْر شرعيّ إلى غير ذلك ، وهو في هذا كلّه قائم لله تعالى ،
فهذا هو الذي لعلّه يدرك بعض أسرار الخواصّ ، وسوى هذين لا يفيده التعلّق بالخواصّ إلاّ التعب ، والذي يليق به وقته أن يجعل ورديْن لله تعالى من الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ورد في الليل وورد في النهار ، في كلّ ورد من الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خمسمائة مرّة في كلّ ورد ، ثمّ تتدرج كلّ ورد بالزيادة خمسين مرّة في كلّ أسبوع ، لا تزال كذالك حتّى يصير الوردان ألف مرّة في كلّ ورد ، ودوام على الورديْن هكذا أبدا سرمدا لا تزيد ولا تنقص ، واقصد بذالك صحّة التوجّه إلى الله تعالى لوجهه الكريم فقط لا لغير ذلك ، فإنّك بالدوام على ذلك تنفرج عنك الأمور ، وزدْ مع ذلك وردا من قولك ( يا لطيف ) ، ألفا بالليل أو بالنهار فقط ، واقصد بذلك الاستغاثة بالله من ضرر الفقر ، وداومْ عليه يفرّج الله عنك ما أنت فيه ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى بعض الفقهاء من أحبّائه بفاس ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : مِنْ أفقر العبيد إلى مولاه الغنيّ الحميد أحمد بن محمّد التجاني ، عامله الله بفضله ، إلى محبّنا في الله تعالى فلان بن فلان ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وأمّا بعد ، فالذي سألتَ عنه من التصرّف بالدائرة الشاذليّة وأسمائها وخواصّها ، فالجواب عن ذلك : إعلم أنّ التمسّك بما في كتب أهل الخواصّ من دائرة
الشاذليّة رضي الله عنه ، وأسماء الله ، والحروف والجداول ، كلّه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ما في جميعها إلاّ التعب والطمع الذي لا يوجد فيه القليل من الفائدة ولا جدوى من الفائدة . إلاّ أنّ لتلك الأسرار تصاريف عالية وأفعالا عظيمة ، لكنّها مشروطة بالوقوف على أمريْن لا ينال أحد بدونهما شيئا .
الأمر الأوّل ، وهو الفتح للعبد في كمال المعرفة العيانيّة الباطنيّة ، فصاحبها لا يتوقّف على وجود شرط أو زوال مانع ، متى أراد شيئا أوجده بتلك الأسباب .
والأمر الثاني ، لتلك الأسرار أرواح علويّة طاهرة مطهّرة قائمة بتصريف تلك الأسرار ، دائمة التمادي في التصرّف بأسرارها . وتلك الروحانيّة لها طرق مخصوصة ، يتوصّل بتلك الطرق إلى تسخير روحانيّتها حتّى لا يتوقّف على داعيها في شيء إلاّ أجابت في أسرع مِن طرفة العين ، وهذه الطرق لا يعلمها إلاّ الأولياء .
وقد أخذ العهد على الأولياء في ظاهر الغيب أنّهم لا يطلعون على هذه الأسرار ، أو شيء منها ، أحدا من الواقفين على حظوظهم ، ومَن تعدّى منهم في شيء وأطلع عليه أحدا من أهل الحظوظ ابتُلِي ببليّة عظيمة ، إمّا بقتْلة شنيعة ، وإمّا أن يسلّط عليه واردا من قبل الحقّ يستأصل ماله وولده ، وإمّا أن يبتليه الله بالفقر وعدم الصبر عليه ، أو بالسلب ، أو بالكفر ، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك كلّه بجاه النبيّ وآله .
وما مثال ذلك إلاّ كَحُصْن عظيم مملوء بخزائن الكنوز والأموال والتحف ممّا يقضي بتوفية جميع الأغراض ، وعلى ذلك الحصن أسوار عظيمة من حديد في غاية ما يكون من الغلظة والتوثيق ، ولا أبواب لتلك الأسوار ولا مفاتيح ، ثمّ إنّ لتلك الأسوار وذلك الحصن أبوابا وطرقا مخبوءة تحت الأرض تأتي من الحصن على مسيرة ستّة أيام أو سبعة تحت الأرض ، كلّ مَن سَلَكَ طريقا من تلك الطرق أفضتْ به إلى باب الحصن الذي تحت الأرض ودخل الحصن وأخذ كلّما أراد ورجع من طريقه ، فهو أبدا يدخل من تلك الطريق ويخرج منها ، ووضعت أبواب تلك الطرق من خارج مغلقة مدلّسة عليها بحيث أن لا يوقف عليها إلاّ بالنقل والإخبار ، ومن لم يخبر بتلك الأبواب لا يهتدي لتلك الطرق ولا يدخل إلى الحصن .
فالرجل الأوّل المفتوح عليه بالمعرفة متى جاء إلى الحصن زالت عنها تلك الأسوار من غير تعمّل منه ووصل إلى كنوزها من غير مشقّة . وأصحاب الأمر الثاني هُم العلماء بالطريق التي يهتدي بها إلى تسخير الروحانيّة والتعرّف فيها والبلوغ بها إلى كلّ غرض هُم الذين في المثال الثاني المطّلعون على الطرق المخبوءة تحت الأرض المدلّسة أبوابها . والعامّة الخارجون عن هذيْن الأمريْن بمنزلة من يطوف حول الحصن يريد أن ينال ممّا في داخله من الكنوز من غير باب ولا مفتاح ، فليس له من طوافه إلاّ التعب .
نَعَمْ ، قد يقع في بعض الأحيان للعاميّ الذي لا حظّ له في الأمريْن الأوّليْن إجابة في أمر من الأمور وقعت بنفحة إلهيّة اقتضت تلك النفحة منه سبحانه وتعالى أنّ كلّ مَن طلب منه في وقت تلك النفحة شيئا ، سواء علم تلك النفحة أو جهلها ، أو علم وقتها أو جهله ، أنْ يعطيه في ذلك الوقت سؤاله سواء كان على جادّة مستقيمة أو على غير صواب وسواء كان أهلا لذلك السؤال أم لا ، لكن لا يطّرد له في كلّ ساعة أو في كلّ مطلب لأنّ تلك الإجابة اقتضتها تلك النفحة الإلهيّة البارزة من الحقّ سبحانه وتعالى ، لا أنّه اقتضاها علْمُه بذلك السرّ وتلك الخاصّيّة . فإنّ أصحاب الأمريْن الأوّليْن تطَّرِد لهم الإجابة في كلّ مطلب وفي كلّ ساعة ، وهذا الثالث لا تقع له الإجابة إلاّ إذا وافقت النفحة الإلهيّة بحكم الاتّفاق ، وفي ما ذكرناه كفاية لمن فَهِمَ ، فلا تتعبوا أنفسكم من الأسرار والخواصّ في شيء ، وألزموا الأمر الذي قلناه لكم في الوصيّة وهو أنفع .
سرّ شريف : قال سيّدنا رضي الله عنه : إذا تجلّى الله لسرّ عبد ملّكه جميع الأسرار وألْحَقَه بدرجة الأحرار وكان له تصرّف ذاتيّ ، متى ما توجّهت إرادته لأيّ خارق كان انخرق له في الحين ، إلاّ أنّ بعضهم يضيف لها كلمة ( كُنْ ) ، وبعضهم بمجرّد الإرادة . قال سبحانه وتعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ

إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه بمجلس واحد ، والسلام .
وممّا كتب به إلى بعض الفقهاء من أصفيائه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله عنه : قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني لطف الله به ، وأجزتُ لحبينا وصفيّنا فلان بن فلان بقراءة الفاتحة بِنِيَّة تلاوة الإسم الأعظم بتلاوتها ، وفي قراءة الحزب السيفيّ ، وسندنا في ذلك عنه صلّى الله عليه وسلّم . وأجزتُ له في قراءة سورة الإخلاص إحدى عشر مرّة صباحا ومساء للتحصين من جميع الشرور ، والسلام . إنتهى من خطّ سيّدنا رضي الله عنه .
وممّا كتب به سيّدنا رضي الله عنه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أن قال : وأمّا ما ذكرتَ من الإخبار لك ببعض الأمور ليطمئنّ قلبُك وتزيد محبّتك ويدوم سرورك فأقول لك : الأولى من ذلك ، الكرامةُ التي شاعت وذاعت عند المعتقد على رغم المنتقد ، وهي أعظم خير يرجى وأفضل موعدة للعاقل تترجّى ، هو أنّ كلّ مَن أخذ وردنا وداوم عليه إلى الممات ، أنّه يدخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب ، هو ووالداه وأزواجه وذريّته إنْ سلم الجميع من الانتقاد ، وأمّا مَن كان مُحِبّاً ولم يأخذ الورد لم يخرج من الدنيا حتّى يكون وليّا ، وكذلك مَن حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الإثنين يدخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب إنْ لم يصدر منه سبّ في جانبنا ولا بغض ولا إذاية ، ومَن حصل له النظر في هذين اليومين فهو من الآمنين إن مات
على الإيمان ، وإنْ سبق أنّه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلاّ كافرا . فهذا ما يمكن به إعلامكم في هذا الوقت ، وفي وقت آخر يفعل الله ما يشاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . إنتهى .
وممّا كتب به أيضا إلى بعض خواصّه وأصفيائه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله تعالى عنه : يصل الكتاب إلى يد حبيبنا وصفيّنا فلان بن فلان ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وعلى كافّة أهليكم وأولادكم وكلّ مَن يلوذ بكم ، مِن كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني ، وبعد : نسأل الله جلّ جلاله وتقدّست صفاته وأسماؤه أنْ يفيض عليكم في الدنيا بحور الأموال والخيرات والبركات بلا نقص ، والعافية التامّة من شرّ ما خلق ومن الاحتياج إلى الخلق .
وأمّا الآخرة فنسأله سبحانه وتعالى أن يعاملكم فيها جميعا وجميع أهليكم بمعاملته لأكابر أحبّائه وأصفيائه من أوليائه وخواصّ حضرته بلا عمل منكم بل بمحض فضله ، وأن يفيض عليكم بحور رضاه وفضله في الدنيا والآخرة ، وأن يكون لربّكم في الدنيا وفي كلّ موطن من مواطن الآخرة وليّا وناصرا ومحبّا وراضيا ومتفضّلا وملاطفا ، ولجميع الشرور والمكاره والمضارّ دافعا ومنجيا ، وأن يلبسكم لباس عزّه وعنايته في الدنيا والآخرة ، وأن يخلص وجهتكم إليه وانقطاع قلوبكم إليه مثل إخلاصه لوجهات قلوب العارفين والصدّيقين من عباده ، وأن يجعل انقطاع قلوبكم إليه سبحانه وتعالى مثل انقطاع قلوب الأقطاب من خلقه ، وتلك الحالة من الله للعبد مستكمِلة لعصمته من كلّ زيغ وكلّ ضلال وكلّ غفلة عن الله وكلّ تفريط في حقوق الله ، وتوجب لصاحبها أن يموت على السعادة العظمى التي توجب بعثه من الآمنين ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه . وكونك طلبتَ هذه الحالة منّي فاصبر حتّى يأتي الوقت إن شاء الله ، فإنّ لكلّ شيء أجلا مقدّرا ، والسلام عليكم ورحمة الله . إنتهى من خطّه رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى أعيان فقهاء سلا ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وبعد الثناء على الله بما هو أهله ، قال رضي الله عنه ، وبعد : فقد وصلنا كتابكم وقرأناه ، وفهمنا ما تضمّنه خطابكم ، وسألت فيه عن أحوالنا وأحوال أصحابنا . فاعلم أنّنا والحمد الله بخير وعلى خير ، فله الحمد والشكر حتّى يرضى بما يرضى ، وقد عَمَّنَا وعَمَّ أصحابَنا ما عَمَّ عامّة المسلمين ، فالحمد لله على كلّ حال ونسأل الله عزّ وجلّ أن يحفظنا وإيّاكم بلطفه في الدنيا والآخرة ، وأن يغمرنا وإيّاكم بسوابغ فضله وكرمه حالا ومآلا أبدا سرمدا ، وأن يكون لنا ولكم وليّا وناصرا ومعينا ومؤيّدا في جميع أحوال الرخاء والشدّة ، وأن يتحفنا وإيّاكم بكمال العافية ودوام العافية وعزّ العافية ، والاستتار من جميع نواحينا بالعافية ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه .
والذي أوصيك به ويكون عليه سيرك وعملك هو أن تعلّق قلبك بالله ما استطعت ، ووطّن قلبك على الثبوت لمجاري الأقدار الإلهيّة ، ولا تعوّد نفسك بالجزع من أمر الله فإنّ ذلك مهلكٌ للعبد دنيا وأخرى . وإن اشتدّ بك الكرب وضاق بك الأمر فالجأ إلى الله تعالى وقف موقفك في باب لطفه واسأله من كمال لطفه تفريج ما ضاق وزوال ما اشتدّ كربه ، وأكثِر الضراعة والابتهال إلى الله تعالى في ذلك ، وليكن ذلك منك على حالة منفرد القلب بالله متفرّدا عن الشواغل ،
مثل حالة المرأة الكبيرة السنّ التي ليس لها إلاّ ولد واحد أُخِذَ من بين يديها ليقطع رأسه ، فهي تتوسّل بالله وبالناس في كشف ما نزل بها ، فإنّها في هذا الحال ليس لها هَمٌّ غير ولدها ، ولا يلتفت قلبها لأمر من أمور الدنيا والآخرة ، فإنّ مَن كان على هذه الحالة وفزع إلى الله تعالى في نزول الكرب والشدائد على هذا الحدّ وناداه باسمه اللطيف ما استطاع ، أسرع إليه الفرج في أقرب وقت ، وإن لم يكن على هذه الحالة أبطأ به الأمر .
وإيّاك والانهماك في مطالب دنياك حتّى تتعدّى حدود الله التي حدّها في شرعه فتهلك نفسك، وما لك ملجأ من الله ، وانظر إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح :
«
ألا وأنّ روح القدس نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنّكم استبطاء شيء أن تطلبوه بمعصية الله فإنّ الله لا ينال ما عنده إلاّ بطاعته
» ،
وهذا البحر هو الذي ترى فيه جميع الخلق غرقى وهلكى إلاّ مَن عصمه الله بفضله . ثمّ الحذر الحذر من تكرّر الفزع إلى الله تعالى في كلّ كرب ، فإنّك بذلك يصير لك الجزع من أمر الله عادة ولا تنتفع بحياتك ، بل يكون الأمر مرّة ومرّة ، مرّة تثبت لأمر الله ولا تجزع ولا تطلب التفريج ، ومرّة تسأل من الله التفريج ، فمن سار إلى الله على هذا المنوال فتحت له أبواب السعادة الآخرويّة ، وتمكّن في حياته من الحياة الطيّبة الواقعة في قوله سبحانه وتعالى :
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً

الآية . وفيما ذكرناه كفاية ، والسلام عليكم ورحمة الله . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم .
وممّا كتب به أيضا رضي الله عنه إلى بعض فقهاء زاوية زرهون عمّرها الله بذكره ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، والثناء عن الله بما هو أهله ، قال رضي الله عنه ، وبعد : نسأل الله جلّتْ عظمته وتقدّست أسماؤه أن يسلك بك حالا ومآلا مسالك أوليائه المتّقين ، وأن يوقفك بين يديه مواقف أحبابه العارفين في الدنيا والآخرة ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه . ثمّ إنّك طلبت منّي أن آذن لك في زيادة الأذكار على الورد ، فاعلم أنّي أجزتُكَ في كلّ ما أردت من الأذكار والأسماء والآيات والأدعية حيثما أردتَ وكيفما أردتَ ، إلاّ ما كان من أوراد الشيوخ التي هي لازمة للدخول في طرقهم ، فلا آذان لك . واعلم أنّ كلّ ما تذكره من الأذكار والصلوات على
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والأدعية لو توجّهتَ بجميعها مائة ألف عام ، كلّ يوم تذكرها مائة ألف مرّة ، وجميع ثواب ذلك كلّه ما بلغ ثواب مرّة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق الخ .
فإنْ كنتَ تريد نفْع نفسك للآخرة فاشتغل بها على قدر جهدك فإنّها كنز الله الأعظم لمن ذكرها ، وكلّ ما تريده من الأذكار فوق الورد فزدْه منها زائدا على الورد ، فقد نصحتك لله . وأمّا ما ذكرتَ من صعوبة انقياد نفسك عليك لأمر الله ودوامها على التخبّط فيما لا يرضى ، فتلك عادة جارية أقامها الله في الوجود لكلّ مَن أهمل نفسه وتركها جارية في هواها أن لا يسهل عليه سبيلا إلى القيام بأمر الله ، بل لا يرى من نفسه إلاّ الخبث والمعاصي والخروج عن أمر الله . ومن أراد تقويم اعوجاج نفسه فليشتغل بقمع نفسه عن متابعة هواها مع دوام العزلة عن الخلق والصمت وتقليل الأكل ، والإكثار من ذكر الله بالتدريج وحضور القلب مع الذكر ، وحصر القلب عن الخوض فيما يعتاده من الخوض في أمور الدنيا وتمنّيها وحبّها ، وحصر القلب عن جميع المرادات واختيارات التدبيرات ، وعن أخبار الخلق ، وذمّ القلب عن الجزع من أمر الله . فبدوام هذه الأمور تتزكّى النفس وتخرج من خبثها إلى مطابقة أمر الله ، وإلاّ فلا ،
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا

.
والشيخ في هذه الأمور دالٌّ ومُعِينٌ لا خالق ولا فاعل ، إذ الخلق والفعل لله والدلالة للشيوخ ، والسلام . وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما . وكتبه العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني عامله الله بلطفه . إنتهى مِن خطّه رضي الله عنه حرفا بحرف ، والسلام .
وممّا كتب به رضي الله عنه لبعض رؤساء الدولة ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وبعد حمد الله جلّ جلاله وعزّ كبرياؤه وتعالى عزّه وتقدّس مجده وكرمه ، يصل الكتاب إلى العلاّمة النبيه الدرّاكة الفقيه السميدع الوجيه ، حلو الشمائل كريم الأخلاق والفضائل ، فلان بن فلان ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحيّاته ورحماته ، مِن كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني الحَسَنِيّ ، وبعد : نسأل الله جلّت عظمته وتقدّست أسماؤه وصفاته أن يجعلك في الدنيا والآخرة من أخيار الأمّة ، وأن يجعلك ممّن ينظر فيهم بِعَيْنِ العناية والاستخلاص والمحبّة الكاملة منه وخلوص الاختصاص حتّى تكون ذنوبك كلّها كَلاَ شيء ، وحتّى تكون حسناتك مقبولة على أيّ حالة كنتَ ، وإيّاك أن تستبعد هذا ، فإنّ لله سبحانه وتعالى دائرة من فضله جعلها مكنوزة من وراء خطوط الدوائر التي هي دوائر الأمر والنهي ، والجزاء خيرا وشرّا ، والاعتبارات واللوازم والمقتضيات ، فإنّ هذه المراتب هي مراتب عموم الخلق ، وتلك الدائرة الفضيلة هي دائرة اختصاصه واصطفائه سبحانه وتعالى لمن شاء من خلقه ، وهذه الدائرة جعلها سبحانه وتعالى عنده فيضا فائضا من بحر
الجود والكرم لا يتوقّف فيضها على وجود سبب ولا شرط ولا زوال مانع ، بل الأمر فيها واقع على اختصاص مشيئته فقط ، ولا يبالي بمن كان فيها أوفى العهود أم انتهج الصراط المستقيم أم سقط من المعاصي في الطريق الوخيم ، لا يبالي فيها لمن أعطى ولا على ما إذا أعطى ، ومن وقع في هذه الدائرة من خلق الله كملت له السعادة في الآخرة بلا شوب ألم ولا ترويع .
وأمّا ما أعِظُكَ به ، فاسمع ما يقوله ربّنا في كتابه وكفى به واعظا ، قال سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ

إلى قوله :
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ

، وقال سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا

إلى قوله :
فَوْزًا عَظِيمًا

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ

إلى قوله :
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

،
وقال سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا

إلى قوله:
يُؤْمَرُونَ

. واعلم أنّك في مرتبة قد حَوَتْ ما لا يحاط به من الخيرات والبرور ، وجمعت ما لا ينتهي إلى غاية من البلاء والشرور ، وأنت واقف بينهما في هذه المرتبة ، فراقب الله في قلبك وانظر إلى خلق الله بعين الشفقة ، و لضعيفهم ومسكينهم بعين الرأفة وقضاء حوائجهم ، وإيّاك والاستهزاء والتواني بهم في تبليغ أمورهم إلى مولانا السلطان فإنّ لله سبحانه وتعالى نظرا في العبد عند كلّ نظرة ينظرها ، فمن رآه من ذوي العلى والارتفاع نظر في خلقه بعين الرأفة والرحمة ، وأخفض لهم جناحه ، ونظر إليهم بعين إضافتهم لله تعالى ، وعظّمهم لذلك النظر وسارع في قضاء حوائجهم بما يقدر عليه ، وكان منه ذلك لله تعالى ، نظر فيه ربّنا سبحانه وتعالى بعين الرحمة وعين التكريم والتعظيم ، وسارع له في قضاء حوائجه وكلأه كلأة الوليد من أبيه ،
فيا سعادة مَن بهذه النظرة ظفر من ربّه . ومَن كان على الأخرى ، والعياذ بالله ، مِن عدَم المبالاة بخلق الله ، والتباعد عن قضاء حوائجهم ، والتنائي عن رحمتهم والشفقة عليهم ، فجزاؤه ما هو معلوم من النار ، يقول سبحانه وتعالى في من اتّصف بهذه الصفة :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ

إلى قوله :
إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ

الآية. وهذا يكفيك إن اتّعظت . ونسأل الله لك التوفيق والرشاد ، والغرق في بحر الهدى والسداد ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا كتب به إلى بعض أحبابه من تجّار فاس ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال : بحمد الله جلّ جلاله وعزّ كبرياؤه وتقدّست صفاته وأسماؤه يصل الكتاب إلى يد حبيبنا ورفيع القدر والمكانة من قلوبنا ، فلان بن
فلان ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياته ورضوانه ، مِن كاتبه إليكم محبّكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني الحسنيّ ، وبعد : نسأل الله لكم جلّ جلاله وعزّ كماله أن يعاملكم في الدنيا والآخرة بفضله ورضاه ، وأن ينظر فيكم بعين رضاه ورحمته ومحبّته وكلأته وحفظه وولايته في جميع تقلّباتكم وحركاتكم وسكناتكم ، وأن يكفيكم شرّ ما يأتي به الليل والنهار من جميع ما ينافي كمال السرور ، ويليه إعلامكم عمّا كتبتم به إلينا من شكواكم بإعطاء مالكم للسائلين ومضايقتهم ، وعدم طاقتكم لردّهم .
فاعلم يا أخي أنّك في هذا الحال مضرّ بنفسك شرعا وطبعا ، أمّا من جهة الشرع فإنّ الله تعالى ذكر في كتابه العزيز ، حيث مدح عباده المخصوصين بالزلفى منه ، قال :
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

،
وقال سبحانه وتعالى لنبيّه ورسوله وحبيبه وصفيّه صلّى الله عليه وسلّم :
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا

،
وقال سبحانه وتعالى :
وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا

.
والنهي عن إضاعة المال ولزوم حفظه هو أمر اجتمعت عليه الأمّة ولا تعلم بينهم فيه خلافا ، هذا وقد سمعت ألفاظ القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وليس لك إلاّ السمع والطاعة والاتّباع ، فلا تنهمر في إعطاء المال حتّى تنتهي إلى التبذير فتقع في ما حرّمه الله تعالى ، ولا تمسك يدك عن الإعطاء حتّى تنتهي إلى البخل فإنّه مذموم شرعا وطبعا ، وكنْ في وسط الأمرين بين البخل والتبذير ، يعني توسّطْ في ذلك ، وأعط الله بقدر اتّساع مالك ، وقدر مصروفك على أهلك ونوائبك ، وعلى قدر ما يدخل يدك من التجارة والأسباب في كلّ وقت ، ومَن كان عنده خمسون قنطارا من المعهودة عندكم ، وكان كثير الآهل والعيال ، وصرف لله في كلّ يوم مثقالا ، أجزأه ولم يطالب بحقوق المال في شيء ، فإنْ زاد وأعطى كلّ يوم مثقاليْن فقد أكثر العطاء ، وإنْ زاد على مثقاليْن كلّ يوم فقد خرج إلى التبذير ، وهذا في غير سائل أتاك جائعا يطلب خبزة أو خبزتين يأكلهما ، من واحد إلى اثنين إلى ثلاثة ، فلا سبيل لردّهم ، وإن زاد على ذلك فلا حرج عليك فيما تمنعه من الإعطاء .
وإن جاءك ما يزيد على هذا فقل لهم " يفتح الله علينا وعليكم " ، فإن ذكر لك وجه الله تعالى ووجه رسوله صلّى الله عليه وسلّم فأعطه مِن أوْقِيَةٍ إلى أوقيّتيْن ، ولا عليك فيما وراء ذلك . فاحفظ هذا القدر واعْتَنِ بتحصين مالك من التلف فإنّ مالك به يصان إيمانك بالله تعالى ، فإنْ أتلفتَه أتلفتَ إيمانك بالله ، فإنّه وقع في الخبر
أنّ من الناس من لا يصلح إيمانه إلاّ بالغنى ، ولو افتقر لَكَفَرَ . ولعلّه يقصّ عليك حكاية أكابر الأولياء وإفراطهم في إعطاء المال حتّى تفرغ أيديهم من كلّ شيء طلبا لتأسّيك بهم ، ولا يقصّ عليك هذا إلاّ جاهل بالوقت وتصاريفه ، وجاهل بقواعد الشرع وأصوله ، فلا يلتفت إليه ولا تبال به فإنّه من جنود الشيطان ، لأنّ الأولياء الذين يذكرهم لك غرقى في بحار اليقين والتوحيد بين يدي الحقّ سبحانه وتعالى لا يخطر في قلوبهم غيره لا يلتفتون لغيره في كلّ حركة وسكون ، لأنّ أصحاب هذه المرتبة أصحاب عناية عظيمة من الحقّ بهم لا يتركهم فارغين ، بل يسوق إليهم الأموال من كلّ جهة على رضا الخلق أو كرهٍ منهم ، ومع ذلك فَهُمْ على بصيرة من الله سبحانه وتعالى ، يعلمون منه ، لِغامض العلم اللدنّي الذي وهبه الله لهم ، أنّ كلّ ما يجب منهم فراغهم من الدنيا وتفريغها عنهم ، ويهب لهم من قوّة الصبر والرضا واليقين عندما تشتدّ بهم الحاجة إلى المال في نوائب الدهر وصروفه حتّى لا يحسّ بألم ذلك الاحتياج . وأصحاب هذه المرتبة لا يلام أحدهم في تفريق الدنيا كلّها في ساعة واحدة .
وأمّا أنت وأمثالك فليست لكم تلك القوى ، واعرف المرتبة التي أقامك الله فيها وقف عند حدّها وتصرّف في أحكامها ، ولا تَرْقَ بنفسك إلى مراتب أهل الخصوص إذ ليست لك قوّتهم ولا يقينهم ،
وقد قيل في المثل " النملة لا تحمل حمْل الجمل " ، فإنْ أرادت التعدّي إليه تخطّتْ طورها ، ولا قوّة لها على ما تريد . وإنّ للشيطان ، لعنه الله ، مكرا خفيّا بصاحب المال إذا رآه تقيّا مقيما لأمر ربّه فيما يقدر عليه ، كافّا كثيرا من شرّه ، منغمسا في كثير من أمور التقوى ، ويراه في ذلك مطمئنّا بماله لا ينزعج ، فيأتيه اللعين بمكره الخفيّ ، ويسوق الناس إليه لطلب العطاء لله ، ويخوّفه في قلبه من منعه لهم ، يقول له في قلبه : إن رددت هؤلاء سخط الله عليك أو سلبك نعمته ، ولا يزال يستدرجه في مثل هذا ، وقصْده أن يفرّق عنه المال ليذهب دينه وإيمانه ، فلا يزال كذلك ، إن لم يكفّ عنه ، حتّى يفرّق جميع ماله ، فإذا فرّقه وقع التشويش في قلبه ، فيريد أن ينفق نفقته التي كان ينفقها في سعة اتّساع المال فلا يجد السبيل إليها فيقع التشويش والترويع له من أهله طلبا لما اعتادوه من اتّساع النفقة ، فإن لم يأت بها آل الأمر بينه وبين أهله إلى اتّساع السخط والغضب والعداوة ، فيكثر عليه الضيق والغيظ فلا يجد وقتا يذكر فيه ربّه ولا يؤدّي فيه أمرا من طاعة ربّه ، وربّما أضاع عليه فرض الصلاة ، فيحمله ذلك على أخْذ الدين من الناس وإتلافه في النفقة ، فعن قريب يحلّ به البلاء والويل من عدم وجوده ما يقضي به ديْن الناس ويصبح في زمرة الهالكين ، فقد تلف دينه وعقله ودنياه وآخرته .
فهذا مراد الشيطان منه فيما كان يرغبه فيه من الإعطاء لله وعدم المنع . فاحذر هذا المكر ، وفي ما ذكرناه لك كفاية .
وأمّا ما ذكرتَ لنا من أمْر أورادك ، فإن قدرت على أن تأتي بالفاتح
لما أغلق إلخ مائتين بين الليل والنهار زائدة على ما في الورد المعلوم ، واجعل في اليوم والليلة مائة مرّة من قولك ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم ) ، فمرّة واحدة من هذا التسبيح أفضل من استغراقك الليل والنهار في ذكر الله تعالى ، واترك عنك تلك الأذكار مع الفاتحة على ما ذكرت ، وإن قدرت على أن تجعل بين اليوم والليلة عشرين مرّة من قولك هذا الدعاء ، وهو (
يا من أظهر الجميل وستر القبيح ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر يا عظيم العفو ويا حسن التجاوز ويا واسع المغفرة ويا باسط اليدين بالرحمة ويا سامع كلّ نجوى ويا منتهى كلّ شكوى ويا كريم الصفح ويا عظيم المنّ ويا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا ربّي ويا سيّدي ويا مولاي ويا غاية رغبتي أسألك أن لا تشوّه خلقتي ببلاء الدنيا ولا بعذاب النار ) إنتهى . واجعلها متفرّقة أو مجموعة ، وأحضر قلبك عند التلاوة قدر ما تطيق فإنّ المحضور هو روح الأعمال .
واعلم أنّ هذا الدعاء أتى به جبريل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقال له : يا رسول الله إنّي أتيتك بهديّة ، فقال له صلّى الله عليه وسلّم : وما تلك الهديّة يا جبريل ، فذكر له هذا الدعاء ، فقال له صلّى الله عليه وسلّم : ما ثواب من قرأ هذا الدعاء ، قال له جبريل : لو اجتمعت ملائكة سبع سموات على أن يَصِفُوهُ ما وصفوه إلى يوم القيامة ، وكلّ واحد يَصِفُ ما لا يصفه الآخر ، فلا يقدرون عليه .
ومن جملة ذلك أنّ الله يقول فيه : أعطيه من الثواب بعدد ما خلقت في سبع سموات وفي الجنّة والنار وفي العرش والكرسيّ وعدد قطر المطر والبحار وعدد الحصا والرمل . ومن جملتها أيضا أنّ الله تعالى يعطيه ثواب جميع الخلائق . ومن جملتها أيضا أنّ الله تعالى يعطيه ثواب سبعين نبيّا كلّهم بلغوا الرسالة ، إلى غير ذلك . وهذا حديث صحيح ثابت في صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وَجَدُّه هو عبد الله بن عمرو بن العاص من أكابر الصحابة رضي الله عنه ، صحّحه الحاكم وقال روّاته كلّهم مدنيّون . واترك عنك جميع الأذكار ، فلو ذكرت أذكارك التي تذكر مائة ألف عام من غير الفاتح لما أغلق الخ لم تبلغ مرّة واحدة منها ، ففيها كفاية عن جميع الأذكار .
وأمّا ما ذكرت من تفرّغ قلبك إلى الاشتغال بالله وعدم المبالاة بسواه ، فاعلم أنّ لذلك وقتا وأجلا ليس هذا وقته ، واعلم أنّ ذكرك للفاتحة بنيّة كذا وكذا يغنيك عن جميع الأمور ، وكلّ العبادات إذا جمعت بالنسبة إليه كنقطة في بحر . ولازم ما ذكرناه لك ، فلو اجتمعت عبادة جميع العارفين ما بلغوا مرّة واحدة منها . ونسأل الله لكم ولأولادكم وجميع متعلّقاتكم أن يجعلكم في كفالة الله وكفالة رسوله صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا والآخرة ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه ، وكتب هنا في هذا
المحلّ بخطّه الشريف ، قال العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني كلّ ما كتب في هذا الكتاب من أوّله إلى آخره كلّه بإملائنا على الكاتب حرفا حرفا ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .
وممّا أوصى به كافّة أصحابه وغيرهم ، ونصُّ الوصيّةِ ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال رضي الله عنه : وصيّة لكلّ مَن أراد نصيحة نفسه ، ونصيحة ربّه الجارية على حدّ قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ولكتابه ولعامّة المؤمنين وخاصّتهم
» .
فأوّل ذلك تقوى الله الذي لا إله إلاّ هو الواقعة في وصيّة عليّ لأولاده رضي الله عنهم ، وهو أنّه قال : يا بَنِيَّ أوصيكم بتقوى الله العظيم في الغيب والشهادة ، وكلمة الحقّ في الرضا والغضب ، والعدل على الصديق والعدوّ ، والقصد في الغنى والفقر . ثمّ بعد ذلك الفزع إلى الله تعالى واللجأ إليه من ضغط كلّ لاحق من الأمور ، وتعلُّقِ القلب به سبحانه وتعالى على قدر مرتبة صاحبه ، والحياء منه سبحانه وتعالى الجاري على حدّ قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إستحيوا من الله حقّ الحياء قالوا إنّا نستحي والحمد لله قال ليس ذلك كذلك ولكن الحياء أنْ تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمَن فعَل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء
» ،
وهذا الحياء الذي خاطب به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطاب العامّة ، أمّا الحياء في حقّ الصدّيقين فهو إطراق الروح من هيبة الجلال كما يقول بعض العارفون :
أشتاقـه فإذا بـدا
طرقت من إجلالـه
لا خيفة بل هيبـة
وصيانـة لجمالـه
وأصدّ عنه تجلّـدا
وأروم طيف خياله
فالموت في إدباره
والعيش في إقبالـه
وكما قال بعض العارفين رضي الله عنه :
سبحان من لو سجدنا بالعيون له
على شفا الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته
ولا العشيـر ولا عشرا من العشـر
ثمّ أنشد بعدها أبياتا وغاب في وسط الخلق ، وكان في موقف عرفة ، فسألت عنه ، فقيل لي : هو أبو عبيدة الخواصّ ، وله منذ أربعين سنة ما رفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى ، وهذا هو حياء العارفين . ثمّ التقرّب إلى الله تعالى بمحق العلائق وقطع العوائق وترك
الملابسات والمساكنات والملاحظات ، لا لغرض ولا لتختلْ على الله تعالى ، بل قياما بحقّ عظمته وجلاله ، وحبّا لذاته ،
لكن كلّ شخص في هذا على قدر مقامه ورتبته . ومن ابتلى بشيء من مخالفة هذا لأمر فليرجع إلى الله تعالى بالضراعة والابتهال والاستغفار والانكسار والتذلّل والاحتقار ، معترفا بين يدي الله تعالى بعجزه وضعفه ، ثمّ الوقوف مع الله تعالى بلزوم الذلّ والمسكنة في مركز الافتقار والاضطراب وخوف القلب من مزعجات سطوته وفَرَقاً من خَفِيِّ مَكْرِه ،
ولزوم الرضا والتسليم له سبحانه وتعالى لكلّ واقع في الوجود بلا انزعاج ولا اضطراب ولا طلبا لزواله إلاّ ما كان من أفعال نفسه ، فليبادر إلى التوبة فيما وقع من خروج أفعاله عن الشرع فإنّه لا يحلّ البقاء في ملابسته شرعا ، وأنْ يعلم أنّه من حكم الله فلا عذر له في ترْك التوبة ، وليعمل بعضا من أوقاته فيما يجري على يديه من النفع لعباد الله لا عموما بل خصوصا ، الأقرب فالأقرب ، من غير إفراط ولا تفريط ، وليكن شديد الاهتمام من بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكنه التأخّر عنها ، لكن ملازمة الواجب منها فقط من غير أن يجعلها هجيرا ، فإنّ لكلّ عاقل أوقاتا يخلو فيها بربّه لا يمكنه التأخّر عنها والاشتغال عنها ، وأوقاتا يجالس فيها إخوانه في الطريقة لله تعالى لتذكير أو تعليم أو استفادة ممّا لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط .
ثمّ ليتحيّن في خلوته مع الله تعالى الأوقات الفاضلة ، كوسط الليل بعد نوم الناس إلى طلوع الفجر ، وبعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى ، وبعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء ، عاملا في ذلك بالتسديد والتقريب في معرفة ما يقدر عليه وما يوجب للنفس كسَلا و لا ضجرا ، جاريا على حدّ قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ هذا الدين يُسْر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وبشىء من الدلجة
» ،
وقول صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ الدين متين فتوغّل فيه برفق ولا تبغّض لنفسك عبادة الله فإنّ المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظَهْرًا أبقى
» ،
الحديث ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
خذوا من الأعمال ما تطيقون فإنّ الله لا يَمَلّ حتّى تملّوا
» .
وليحذر كلّ الحذر من المجالس ومآخذ العلم التي تؤدّي إلى الدخول في مداخل العامّة أو الأحوال المخزية ، فإنّ مَن تبع ذلك لا يفلح ، لا في الدنيا و لا في الآخرة ، وليكن اهتمامه بالأخذ في خاصّة نفسه ، و لا يجعل لإخوانه في منافعهم إن أهل لذلك إلاّ ما فضل عن أوقاته ،
قال مالك رضي الله عنه ، وقد سئل عن طلب العلم ، فقال : " حَسَنٌ ، ولكن اعرف ما يلزم من صباحك إلى مسائك فألزمه " ، فإنّه أكّد على لوازم الشخص في خاصّة نفسه من الأمور التي يطالبه الله بها ولا يسامحه في ترْكها ، ومن أعرض عن ذلك متعلّلا بطلب العلم فقد خسر الدنيا والآخرة . والقول الحقّ في ذلك فليس لك إلاّ الله سبحانه وتعالى ، فلا تشتغل عنه بغيره ولا تجعل لنفسك إلى سواه منتجعا ولا إلى الإعراض عن بابه
تعلّلا ولا عن الانحياش إليه في الشدائد والمضائق والكروب ملجأ ولا في الرخاء وتواتر النعم عن مراعاة شكره مصرفا .
ولكن الأمر في ذلك جاريا على قول أبي العباس المرسي : " أوقات العبد أربعة لا خامس لها وهي ، إمّا أن تكون في وقت نعمة فمقتضى الحقّ منك وجود الشكر ، أو تكون في وقت شدّة فمقتضى الحقّ منك وجود الصبر ، أو تكون في وقت معصية فمقتضى الحقّ منك وجود التوبة ، أو تكون في وقت الطاعة فمقتضى الحقّ منك شهود المِنَّة " .
وهذه الحدود التي ذكرناها فيها استغراق أوقات العبد كلّها ، وهي المذكورة في قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
من أعطى فشكر وابتلي فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر ثمّ سكت صلّى الله عليه وسلّم حتّى قال بعض الجالسين ماذا له يا رسول الله قال
أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
» ،
أراد صلّى الله عليه وسلّم بقوله
لَهُمُ الْأَمْنُ

يعنى لهم الأمن من عذاب الله في الآخرة ،
وَهُمْ مُهْتَدُونَ

في الدنيا . وليكن في جميع ما ذكرناه أن يكون خالصا لله لا يخالطه شيء من غير الله تعالى . وهذه الوصيّة لأصحاب الحجاب .
وأمّا مَن صفتْ له المعارف حتّى رسخت قدمه فهو مع ما يعطيه وقته وحاله ومقامه وتجلّيه ، ليس له عن نفسه اختيار ولا مع غير الله قرار ، والسلام ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما . إنتهى بحمد الله تعالى من إملائه علينا رضي الله عنه مِنْ حِفْظِهِ ولفظه ، والسلام .
وممّا كتب به إلى بعض الأمراء ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، بعد حمد الله مثل جميع ما أثنى به على نفسه في حضرة ذاته العليّة من حيث لا اطّلاع لغيره جلّ جلاله وعزّ كبرياؤه وتعالى عزّه وتقدّس مجده وكرمه ، يصل الكتاب إلى الدرّة اليتيمة ، والنسمة الكريمة ، ذي الأوصاف الجليّة شرفا ، والأخلاق البهيّة ترفا ، والجوانب الواسعة كنفا ، الجوهرة التي انطبقت عليها أفراد الأحياء صدفا ، حلو الشمائل ، كريم الأخلاق والفضائل ، الحائز قصب السبق إلى ملاك كلّ غالي ، والمرتفع في أوج العزّ إلى معانقة المعالي ، رافع راية العلا والكرم ، والسامي بعلوّ همّته عن مواقف الذلّ التُّهَم ، مَن أحدقت به من الله جنود العزّ والتأييد ، وأهرعت إلى حماه سوابق الجلالة والتفريد ، مَن طلعت شمس سعده في سماء المجد والعلا ، وضياء بدره في غياهب الوقت قد تجلّى ، أعني بذلك أمير المؤمنين خليفة ربّ العالمين ، سيّدنا ومولانا فلان بن فلان ، الشريف الأصيل ، الماجد الأثيل ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، مِن كاتبه إليكم العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمّد التجاني الحسني .
هذا ونسأل الله لك جلّت عظمته ، وتقدّست أسماؤه وصفاته ، أن يديم على سيّدنا عواصف رياح نصره وتأييده ، وأن يحمله من رياض الهدى محلّ توفيقه وتسديده ، وأن يملأ قلبه بالخوف من الله في سرّه وعلانيته ، فإنّ تلك المرتبة ما سعد من سعد في الدارين إلاّ بها ، ولا فاز برضا الله من فاز في الدنيا والآخرة إلاّ بها ، ويا لها من مرتبة ترقى بالعبد إلى
أوج ملاك المعالي ، وتطهّره من رذائل الأخلاق التي تهبط به إلى حضيض الاتّصاف بالأوصاف الرديّة البوالي ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، وبعد :
فالذي أوصيك به كلّ الوصيّة ، بل هي واجبة مَنْ خالفها هلك ، وهو الكتم عمّا ذكرناه لك قبل ، ثمّ الكتم مطلقا من غير استثناء ، فالأسرار قبورها صدور الأحرار ، والأسرار قبورها صدور الأخيار ، والأسرار قبورها صدور الكبار . قال بعض الكبار :
السـرّ عندي في بيت له غلـق
ضاعت مفاتيحه والباب مقفول
وليس يكتم السرّ إلاّ كلّ ذو كرم
والسرّ عند لئام الناس مبـذول
والتي تسمع في الوصيّة أنّه ما استغنى عن الوصيّة من غيره لا كريم ولا كامل .
إعلم أنّ الله عزّ وجلّ قد ولاّك أمر خلقه ، وائتمنك على بلاده وعباده ، فأنت أمين من أمناء الله في بلاد الله وعباده ، والله سائلك عن أمانته وعمّا فعلت فيها ، فاحذر من الله أن يجدك فرّطتَ أو اشتغلت عن أمره بلعب . لكن تكمّل الأمر من كلّ وجه لا يستطاع بحكم الوقت والحال وعدم المساعف وعدم القابليّة في الخلق ، لكن ليكن سيرك على حدّ قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

،
وعلى حدّ قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا
» .
وأحذّرك بما سمعت من الخصوصيّة التي أعطيتها من فضل الله تعالى ، فلا تأمن من مكر الله في حال من الأحوال ، قال سبحانه وتعالى :
فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ

فإنّ لله سبحانه وتعالى من وراء خصوصيّته مكرا وتدبيرا وغيرة يؤاخذ عبده بها من حيث لا يظنّ وإن كان من ذوي الخصوصيّات . وأوصيك في الضعفاء من الخلق فإنّهم محلّ نظر الله من خلقه ، فعلى قدر اعتنائك بهم ترتفع رتبتك عند الله ، وأوصيك بالمظلومين ، يقول صلّى الله عليه وسلّم ممّا معناه :
«
من ولاّه الله ملكا فأتاه ذوو الحاجات فاحتجب عنهم إحتجب الله من حاجته
» ،
الحديث ، ومعناه إن احتاج إلى الله في أمر نزل به ، فرفع حاجته إلى الله مستغيثا ممّا نزل به ، احتجب الله عن حاجته فلا يلتفت إليه ولا يعبأ بدعائه واستغاثته ، فالله الله دبّر كيف ترضي ربّك في حوائج المظلومين ولا تتغافل ولا تفرّط . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، والسلام ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم .
وممّا كتب به إلى بعض أصحابه ، ونصّه ، بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخ ما قال : وأنا أظنّ أنّه تعلّق قلبك ممّا سمعت وقوعه لفلان ظنّا منك أنّي آثرته ، فاعلم أنّه لم يقع منه شيء ، لكنّي أخبرك بأمر لا علم به لأحد هو أنّ لله نفحات وتوقّعات من الغيب يهبها لمن يشاء ، لكنّه سبحانه وتعالى يبعث تلك النفحات على أيدي صور الغيب ، يظهرها الله متصوّرة في صور بعض الأولياء الأحياء أو
الأموات تلقي تلك الصور بعض الأسرار التي يقع عنها الفعل والانفعال ، أو بعض النفحات لمن أراد الله في النوم أو اليقظة فينتفع بها من ألقيت إليه ويراها ، أيّ الصورة ، في صورة وليّ يعرفه ، فيقول من نال ذلك : أعطاني سيّدي فلان السرّ ، ولا علم لذلك الوليّ بشيء ممّا ذكر ، ثمّ أنّ مَن وقع له ذلك شرط انتفاعه أن يدوم اعتقاده وتعظيمه لذلك الوليّ الذي وقعت الصورة على صورته ، فإنْ ساء اعتقاده في ذلك الوليّ الذي جاءته الصورة على صورته وأنقص تعظيمه من قلبه سلَبه الله سرّه وتحوّلت عنه تلك الصورة فلا تأتيه أبدا ولا ينال سرّا أبدا وبقي في ذلّ وإهانة . إنتهى ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما .
وممّا كتب به إلى بعض أصحابه بتونس ، بعد البسملة والصلاة و السلام على الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، وبعد : نسأل الله عزّ وجلّ أن ينزل عليك اللطف والراحة ممّا تشتكي منه ، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينظر فيك بعين اللطف والرحمة والمعافاة من كلّ بليّة ، وأنْ يبلّغك جميع الآمال ، وأن يتكفّل بقضاء جميع حوائجك في الدنيا والآخرة ، ونسأل منه سبحانه أن يفيض عليك بحور الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة ، وأن يفيض عليك بحور رضاه وفضله في الدنيا والآخرة ، آمين .
وأمّا ما كتبته لي وأخبرتني به من تصرّفات الأولياء السابقين طالبا منّي أن أفعل في ضررك مثل ذلك كي تستريح ، فالجواب أنّ أحوال الأولياء لا تجري على قانون واحد ولا في سبيل واحد ولا حيث كلّ ما أرادوا ، بل الأمر في ذلك موكول إلى الله جاريا على قانون مشيئته ، فما قام وليّ في أمر باختياره ، ولا تصرّف وليّ في شيء بأمره وإرادته ، بل ذلك كلّه جَارٍ على حكم مشيئة الله ، فإنّه هو الفاعل لِمَا يريد . فَكَمْ من وليّ يجري في إظهار الكرامات على القانون الذي تعلمه العامّة حيث شاء وكيف شاء ، وكم من وليّ عظيم القدر عالي المقام قد أدبر عن الكون إليه بحيث أن لا علْم له بكلّ ما سوى الله ، فإذا أراد التصرّف وإظهار الكرامة على حدّ ما
هو معروف للأولياء منع من ذلك بحكم مشيئة الله لأمر يعلمه الله لا يعلمه غيره .
قال الجنيد رضي الله عنه : لقد مشى باليقين رجال على الماء ، ومات بالعطش رجال أفضل منهم . ثمّ إنّ الأمر الذي طلبته منّي في التصرّف في زوال ضررك لم أجد إليه سبيلا ولا حيلة ولا تعويلا ، وكلّ بقضاء الله وقدره والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . والخواصّ على الجملة والتفصيل لا تدخل تحت القياس ، والحكم لله بحكم مشيئته في جميع أحوال الناس ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما . إنتهى من خطّه حرفا حرفا من غير واسطة ، والسلام .