في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الثامنة .
ولا تسأل عمّا يجده هنالك من الفرح واللذّات والشرف والرفعة ، ولا يعلم غايته إلاّ الذي تفضّل به ، ولم يحظ بهذه المقامات إلاّ العارفون لانخلاعهم إلى الله عزّ وجلّ من جميع ملابس الأكوان ، وتطهيرهم من النظر إليها لحظة أو أكثر أو أقلّ ، فرجعوا إلى الله عزّ وجلّ بأسرار مختطفة عمّا سواه ، مغمورة بشهوده ، غائبة عن وجود سوى الله عزّ وجلّ ، مقيّدة في حضرته ، جالسة على بساط تفريده بأرواح مطهّرة من علائق الأجسام الظلمانيّة ، متعالية عمّا يثبّطها عن الطيران في رياض الجبروت ، منزّهة عمّا يقدح في حبّها وكمال شوقها إليه جلّ وعلا دائما وبعقول مطهّرة من دنس الهوى ،
دائمة السير والفكر والنظر في مصنوعاته جلّ وعلا ، ملتقطة أسرار حكمته في خلقه بقلوب قد كمل تعلّقها به بقطع العلاقات والتطهير من الأدران والانخلاع من المألوفات وغضّ البصر عن جميع الموجودات ، ووقوفها على حدود الأدب بين يدي خالق الأرض والسموات بنفوس زكيّة مطمئنّة عن جميع الاضطرابات ، طاهرة مطهّرة منخلعة عن الهوى والشهوات ، وبأجساد مستغرقة البعض والكلّ ، لا تتخلّف منها شعرة ولا ذرّة عن خدمة خالق الموجودات .
واعلم أنّ الذي حجب الخلق عن الله تعالى هو سكونهم إلى غيره ، ولولا ذلك لرأوه كلّهم ببصائرهم عيانا ، ولكن بعضهم في الحجاب أشدّ من بعض ، والكلّ في الإنحجاب عنه على حدّ سواء لاستحالة المسافة والأمكنة والجهات عنه جلّ وعلا ، وإنّما ذلك بنسبة ما حجب العبد عن شهوده سبحانه . فطائفة حجبهم حبّ الدنيا والانكباب عليها ، وهذا أعظم الحجب ، وطائفة حجبهم عن الله عزّ وجلّ شهواتهم وأغراضهم وهواهم ونفوسهم ، وهذا أدنى من الأوّل ، وطائفة حجبتهم الآخرة من أنواع نعيمها وحورها وقصورها وأليم عذابها والخوف من دركات جهنّم ، وطائفة حجبهم عن الله عزّ وجلّ سكونهم إلى العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال والمقامات لكونها هي مقصودهم من الله تعالى وطلبهم منه ، فَهُمْ يسكنون لوجودها ويضطربون لفقدها .
والعارفون خرقوا هذه الحجب كلّها وجلسوا مع الله عزّ وجلّ على بساط شهوده والتبرّي عن رؤية الأحوال والمقامات وإرادتها لأنّها من جملة الأكوان التي خرجوا عنها . وإنّما كان الأوّلون أعظم ممّن بعدهم في الحجاب لأنّهم حجبوا بالحجاب الأوّل بعد الثاني . وأهل الحجاب الثاني خرقوا الحجاب الأوّل بالزهد فقطع عليهم الطريق دواعي النفس والهوى فحجبوا . وأهل الحجاب الثالث خرقوا الحجابين فقطع عليهم الطريق لذّة النعيم الدائم فحجبوا . وأهل الحجاب الرابع خرقوا الثلاثة وقطع الطريق عليهم إرادة الرفعة والمنزلة بحصول المقامات . إلاّ أنّ الثلاثة الأوّلين حجبوا بالظلمات ، والآخرين حجبوا عن الله عزّ وجلّ بالأنوار ، وكلّها مستوية ، حيث لم ينظروا إلى الله تعالى . ومَن خرق الحجب كلّها نظر إلى الله تعالى بعين البصيرة .
وأمّا تفسير إقامة النفس لله عزّ وجلّ على ما يريد فهو القيام بمراده عبوديّة لأجله وابتغاء وجهه بإسقاط الرجاء منه على العبادة فقط لا أنّه ينقطع رجاؤه منه قنوطا من غيره ، فإنّ ذلك عين الكفر المنهيّ عنه . وإنّما يسقط الرجاء عن العبادة لتتخلّص عبادته لربّه عن شرك الأغراض ، ويرجو الخير من ربّه لمحض الفضل والكرم والرجاء ، هو حُسْن الظنّ بالله تعالى لِما هو عليه من محاسن الصفات العظيمة .
وأمّا الرجاء لِنيْل شيء من الدنيا أو الآخرة فهو طمَعٌ عند العارفين ، وكلّه حرام لِما علم من سبْق تقديره وقسمته في الأزل ، فلا مطمع في نيْل ما لم يقدّر ، كما لا خوف من
فوْت ما قدّر حصوله ، فأيّ شيء الرجاء بعد هذا ، وما هو حسن الظنّ به تعالى بقطع الطمع منه في نيل ما لم يقدّر ، وقطع اتّهامه في فوْت ما قدّر . فلم يبق إلاّ تخليص العبوديّة له جلّ وعلا على ما يريد بحكم شرعه بمفارقة الحظوظ ، وقطع الاختيار معه ، ومباينة الإرادات مع إرادته جلّ وعلا ، وليكن معه كالميّت بين يدي غاسله يقلّبه كيف يشاء ، فلا يرى لنفسه حوْلا ولا قوّة ، ويبقى مستسلما للأحكام تجري عليه من غير كراهة لشيء منها ، فإنْ صبّت عليه جميع الأضرار التي جرت على الخلق ما تألّمت منه شعرة لمّا تحقّق من قيّوميّة محبوبه ، وهذا من الأحوال التي هي محض المواهب الإلهيّة ليس للكسب إليها سبيل ، ولن يستكمله من فيه أدنى لحظة من الالتفات لنفسه أو سوى الله عزّ وجلّ ، أنالنا الله ذلك بمحض فضله ، آمين ، بجاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
والواجب في حقّ السائل أن يمسي ويصبح ويظلّ ويبيت وليس له مراد إلاّ شيئان ، الأوّل: هو الله عزّ وجلّ اختيارا له من جميع الموجودات ، واستغناء به عنها ، وأنفة من لحظها لمحة ، وغيرة أن يختار سواه ، وليكن الله عزّ وجلّ هو مبدأ مراده ومنتهاه ، وأوّل مراده وآخره ومفتتحه وختمه ، ومستغرقا لقصر مراده عنه فيما بين ذلك كلّه حتّى لا تبقى لمحة يريد فيها غيره لأنّ إرادة الغير إمّا طمع أو عبث كما تقدّم .
والثاني من مرادات السالك أن يكون كلّه لله عزّ وجلّ خالصا من رقية غيره ، كامل التعلّق به تعلّقا سرّا وروحا وعقلا ونفسا وقلبا وقالبا حتّى لا تكون منه ذرّة متخلّفة عن الله تعالى ، واقفا مع مراده عزّ وجلّ ، منسلخا عن جميع الإرادات والاختيارات والتدبيرات، والحظوظ والشهوات والأغراض ، واقفا في ذلك لله بالله مع الله ، لا شيء منه لنفسه ولا بنفسه ولا مع نفسه ، وليكن ذلك عبوديّة لله عزّ وجلّ من أجله وإرادة لوجهه وأداء لحقّ ربوبيّته لا ليعود عليه منه شيء ، ولا يختر على الله عزّ وجلّ أن يكمل مراده بل لتخلص عبوديّته لربّه عزّ وجلّ لا قنوطا من خيره لئلاّ يكفر ، ويحسن ظنه به لما هو عليه من كمال الصفات الإلهيّة . إنتهى . وهذا التنبيه قد كتبه سيّدنا رضي الله عنه حين كان يدرّس العلم . وكتبته من خطّه ، وبالله التوفيق .
وسألته رضي الله عنه عمّن احتلم في السفر ولم يقدر على الاغتسال بوجه من الوجوه ، هل يذكر جميع ما عنده من الأوراد أم لا ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إنّه يتيمّم ويذكر جميع أوراده كالسيفيّ وغيره ، إلاّ الفاتحة بِنِيَّة الاسم فلا يقربها ولو طال الحال إلى الأبد إلاّ بطهارة مائيّة كاملة . قال الشيخ رضي الله عنه : سألتُ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل أذكر الاسم الأعظم بالتيمّم للمرض إذا أصابني ولم أقدر على الوضوء ؟ قال لي : لا ، إلاّ أن تذكره بالقلب دون اللسان .
ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : هذا حكم من احتلم في السفر .
وأمّا من احتلم في الحضر والصحّة فلا يذكر شيئا من ورده إلاّ إذا اغتسل . ثمّ قال : إيّاك إيّاك أن تؤخّر صلاة الصبح أو غيرها من صلاة الفرض حتّى يخرج الوقت لأجل الغسل ، فإنّه لا يحلّ إلاّ للمرض أو لعدم القدرة على استعمال الماء . وأمّا ذكر الفاتحة بنيّة الاسم فلا تقربها بالتيمّم ، لا في السفر ولا في المرض ، ولو طال الحال إلى الأبد . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قول الشيخ الجزولي رضي الله عنه في حزب الفلاح " أفضل ما هو أهله " ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله :
إعلم أنّ للربوبيّة إفاضات متباينة في الكيفيّة وفي العظم واللذّات والخواصّ على المرتبة الواحدة المفاض عليها سواء كان الفيض في مقابلة عمل أو توجّه من المرتبة المفاض عليها أو غير مقابلة شيء . والحقّ سبحانه وتعالى لم تخل رتبته طرفة عين من هذا الفيض أبدا سرمدا . وهذا الفيض هو المعبّر عنه بالفضل والعطايا والمنح والإنعام إلى ما يتبع ذلك من ظهور سرّ العناية منه والمحبّة منه سبحانه وتعالى والتعظيم والتبجيل والتكريم للمرتبة المفاض عليها ما ذكر قبل من الفضل والعطايا والمنح .
وإذا علمت هذا ، علمت قطعا أنّ ما أفاضه الحقّ على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم عاجلا وآجلا من العطايا من المنح التي لا تقدر العقول على درك أدانيها فضلا عن أقاصيها ، وعلمت أنّ تلك الإفاضات منه سبحانه وتعالى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم متباينة الكيفيّات والحدود في الكثرة والقلّة والصغر والعظمة . وفي كلّ ذلك يلوح للناظر فيها تصريحا لعلوّ رتبته صلّى الله عليه وسلّم من جميع خلق الله ، وعظمة مكانته من كلّ ما عداه . وأهليّته صلّى الله عليه وسلّم لتلك العطايا ثابتة بحكم عناية الحقّ به ومحبّته فيه ، فهو أهل لنيلها كما هو أهل لعظيمها .
والداعي طَلَبَ من الله عزّ وجلّ أن يجازي نبيّه صلّى الله عليه وسلّم عمّا علّمنا من الخيرات والمكارم ، وما أتاح لنا صلّى الله عليه وسلّم من النعم العظيمة والمواهب العظام التي يدهش العقل ويكع جواد عزمه عن الإحاطة بأقل قليل منها ، وما بَذَلَ إلينا من النصيحة وعلّمنا من مكارم الأخلاق والآداب التي تصلح لمن توجّه بها إلى حضرة الربوبيّة ، ثمّ ما وقانا به ذلك من أليم العذاب الأبديّ الذي لا تطيق العقول وصْفه ، وما أعقبنا بسبب ذلك من النعيم السرمديّ الذي يُدهش العقول ذكره ، وكان شكْره صلّى الله عليه وسلّم علينا في هذا غير متناه ، لو استغرقنا طول أعمارنا للقيام بشكره صلّى الله عليه وسلّم لم نؤدّ حتّى مثقال هبئة في مقابلة برّه صلّى الله عليه وسلّم .
ولمّا علِم الداعي عجْزه عن القيام بشكره صلّى الله عليه وسلّم على ما ذكر ردّ ذلك إلى الحقّ سبحانه وتعالى لِما له من سعة القدرة الإلهيّة على توفية شكره عنّا صلّى الله عليه وسلّم بأضعاف مضاعفة . فكأنّ الداعي يقول : يا ربّنا إذ علمت عجزنا عمّا وجب علينا من القيام بشكره صلّى الله عليه وسلّم فأجْزِه عنّا بأعظم ما منحت رتبته العظيمة من مواهبك ومنحك التي خصّصته بها التي كان أهلا لعظيمها كما هو أهل لقليلها صلّى
الله عليه وسلّم ، فجازه عنّا بأعظم ما هو أهله من منحك ومواهبك ليكون ذلك منك سبحانك نيابة عنّا في شكرنا له الذي لا طاقة لنا به ، والسلام .
فافهم هذا المهيع الصافي والتعبير الواقي ، ولا تلتفت لمناقشة الألفاظ المضطربة بين أهل الظاهر ، أكرمنا الله وإياك بمحبّة الكمّل العارفين بالله المغترفين من فيض الأسرار الباطنة الإلهيّة ، وأماتنا على محبّتهم ، وحشرنا في زمرتهم ، آمين . إنتهى من إملائه على بعض الفقهاء ، ومن خطّه كتبتُ ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الزهد .
فأجاب رضي الله عنه بقوله :
حقيقة الزهد في المزهود فيه هو الترك والإعراض عنه . وبدايته الترك والإعراض ، وتمكّنه الاستئناس بترْكه ، ونهايته دوام نسيانه حتّى لا يخطر بالبال ، ونهايته العظمى احتقار الزهد والمزهود فيه ، فلا يرى الزهد شيئا ولا يلتفت إليه . وما دامت الأشياء قائمة في النفس فالزهد فيها مطلوب ، حتّى إذا تركت الأشياء من النفس ، وصفَتْ من جميع المكدورات ، وذهبت صور الأكوان من القلب عينا وأثرا ، فلا زهد ، فإنّه في هذا الحال يتمكّن منه حبّ الذات المقدّسة ، وإذا تمكّن حبّ الذات المقدّسة ذهبت الأكوان ومحقت فلا عين ولا أثر ، فلا يتصوّر خطورها على القلب ، فهنا لا زهد ولا مزهود فيه .
وفي هذا الاشارة يقول الشبلي رضي الله عنه ، حين سئل عن الزهد ، فقال له ، ما معناه : إنّما الدنيا كلّها بجميع ما فيها كحصاة ملقاة في فلاة مرّ عليها مارٌّ ، فإنّ ترْك المارّ لتلك الحصاة لا يعدّ زهدا . وأمّا ما ذكر من زهد أصحاب المقامات ممّا وراء هذه المرتبة فلا تخطر الدنيا بباله حتّى يزهد فيها ، وإنّما لهم في الزهد حقيقة واحدة ، وهي البعد عن كلّ ما لا يلائم مقام كلّ واحد من أصحاب المقامات أو يوجب فيه نقصا أو خللا في الكمال ، وما سوى هذه فلا زهد في شيء ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : لكلّ جوهر قلبٌ وخلاصةٌ ، فما في الأوّل صورة ما في الثاني ، وما في الثاني صورة ما في الثالث ، ولذلك كان الجسم صورة ما في الطبيعة ، والطبيعة صورة ما في النفس ، والنفس صورة ما في العقل ، والعقل صورة ما في الروح ، والروح صورة ما في العما ، والعما صورة ما في العين ، والعين صورة الذات المطلقة عن الاعتبارات .
وقد قال بعضهم : أنّ العالم صورة العلم الإلهيّ . إنتهى من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري ، ومِن خطّه كتبتُ .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه ، قال : يقال في الإشارة عن الله ، قال : إنّ في الجسد مضغة ، وفي المضغة قلب ، وفي القلب فؤاد ، وفي الفؤاد ضمير ، وفي الضمير سرّ ، وفي السرّ أنا . معناه ، المضغة هي اللحمة الصنوبريّة ، والذي فيها هو القلب ، والمراد بالقلب الروح في مرتبة كونها قلبا ، وفي القلب فؤاد والفؤاد هو الروح في مرتبة كونها نفسا مطمئنّة ، وفي الفؤاد ضمير والمراد بالضمير
هو الروح ، وهي مرتبة كونها نفسا راضيّة ، وفي الضمير سرّ والسر هي الروح ، وهي مرتبة كونها نفسا مرضيّة ، وهي التي الْتَحَقَتْ بمرتبة فناء الفناء ، وهو مقام السحق والمحق والدكّ والاستهلاك حتّى لا عين ولا أثر ولا غير ولا غيريّة ، وفي هذه المرتبة يقول : وفي السرّ أنا . وفي هذا المعنى يقول ابن الفارض رضي الله عنه : فإن دعيت كنت المجيب الخ . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : زبدة الأعمال الشرعيّة وغاية ارتفاعها هو التعلّق بالله تعالى بلا انفصام ولا تزلزل ولو دهمته دهمات الفتن الصعبة التي لا ينجو منها إلاّ بانخلاع يده من سوى الله تعالى وانفصامه عنه ، فهذا غاية العمل ومنتهاه ، وهذا هو الفقه في الدين ، يقول سبحانه وتعالى في هذه الصفة حين ذكر ما حلّ بالمنافقين من سوء الظنّ بالله ورسوله ممّا لحقهم من الضيق الأعظم ، حيث يقول تعالى :
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ

إلى قوله
غُرُورًا

، فهتك سبحانه وتعالى أستار المنافقين بما أخبر عنهم من سوء الظنّ بالله ورسوله ، والكذب في الحال ، حيث قال :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ

إلى قوله :
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ

،
وأخبر الله عن الطائفة الأخرى حيث قالوا :
إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا

.
ثمّ أخبر سبحانه وتعالى عن أكابر المؤمنين حيث يقول :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

،
وكما قال عنهم :
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا

،
هكذا هو ثبوت التعلّق بالله تعالى وعدم الانفصام عنه إذا هاجمت أمواج الفتن الصعبة ، إنتهى .
وليست هذه إلاّ صفة العارفين بالله تعالى ، فهذا هو الفقه في الدين ، وعلى هذا ينزل صفاء اليقين . وعين الفقه في الدين غير هذا الذي ذكر ، بل هو انكشاف صفات الله وأسمائه الباطنة وتكميل القيام بحقوقها وآدابها ، فهذا هو الفقه في الدين ، وهو خارج عن دائرة الفقهاء لا يصل إليه إلاّ النبيّون والعارفون والصديقون ، فهذا هو الفقه في الدين المشار إليه في الحديث . قال صلّى الله عليه وسلّم :
«
ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ولفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد
»
. إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى العافية وحقيقتها .
فقال : إعلم أنّ حقيقة العافية هي القيام مع الله تعالى في مطابقة مراده بكمال الرضا والتسليم والتفويض والاستسلام وسقوط التدبير والحيل ودوام التبرّي من جميع
الملاحظات والمساكنات والمصاحبات والمرادات حتّى لا يكون ثَمّ غير الله في كلّ نفَس أبدا دائما سرمدا . وصحّة ذلك و مصداقه أن لا يخطر غير الله على قلبه دائما . فهذه هي العافية . وإذا سألت العافية من الله فاسأله العافية من حيث يعلمها لك عافية لا فيما تريده وتختاره . وأمّا قول القائل ، منكِرا على المرسيّ رضي الله عنه ، حيث قال : " إنّ أبا بكر سأل الله العافية فمات مسموما ، وعمر سأل الله العافية فمات مقتولا ، وعثمان سأل الله العافية فمات مقتولا ، وعليّ سأل الله العافية فمات مقتولا " ، فتلك مرتبة الفقهاء عن الله ، والذي أنكرها غريق بحر هواه ، قد انطمست حضرة قدسه ومناه ، فأنكر ما أنكر وهو لا يعلم . قال الشاعر :
فكم من عائب قولا صحيحا
وآفتـه من الفهـم السقيـم
وقد ذكر الشيخ مولانا عبد السلام ، مشيرا إلى هذا الذي ذكرناه في مرتبة العافية ، قال رضي الله عنه : " لا تختر من أمرك شيئا واختر أن لا تختار ، وفرَّ من ذلك المختار ومن اختيارك ومن فرارك ومن كلّ شيء إلى الله ، وربّك يخلق ما يشاء ويختار " .
وأمّا قتل هؤلاء السادات الكرام ، فالقتل لهم عين العافية . أترى سيّدنا يحي عليه الصلاة والسلام قُتِل ؟ أتراه خرج عن العافية ؟ حشاه من ذلك عليه السلام . وأما السادات رضي الله عنهم وغيرهم ، والحسين وطلحة والزبير ، وغير ذلك من السادات ، فإنّه أكمل لهم العافية التامّة الكاملة في ذلك القتل ، وشرّفهم بذلك على جنسهم ، ولم يعلم هذا العلم إلاّ الأكابر من الرجال . وكذلك لا يطيقون لحمل أعباء هذه العافية إلاّ أولئك الرجال ، وأمّا غيرهم فلا كلام عليهم . والعافية في حقّهم ليست خارجة عن البلاء إلاّ بتأييد إلهيّ ، والعافية التي عندهم هي تواتر النعم الظاهرة المطابقة للأغراض والشهوات ، والأمن من البلايا والمحن ، فهذا غاية البلاء والمحنة الشديدة .
قال بعض التابعين ، وهو من فقهاء هذا الميدان ، لبعض السادات مستغيثا به : " يا سيّدي أدع الله لي فقد قرنت بالعوافي مع توفير النعم " ، أو كما قال له ، وخاف سوء عاقبة هذا الأمر فاستغاث بالله منه . وأهل الظاهر واقفون مع نفوسهم ، غارقون في بحر الهوى ، فلا كلام معهم ولا عليهم .
قال الشيخ زرّوق ، يوصي أصحابه ، ومن جملة ما أوصاهم به قال لهم : " عظّموا العلماء فإنّهم حَمَلَة الشريعة ، ولا تخالطوهم فإنّ نفوسهم غالبة عليهم " ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة العجب .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : هو استعظام العمل ونسيان مِنَّة الله عليه . وحقيقة الرياء هو العمل لأجل الناس لرجاء نفع منهم حسّيّ أو معنويّ أو لدفع ضرّ أو خوف منه . وحقيقة العمل هو مطابقة أمر الله ظاهرا وباطنا من حيث ما هو هو ونيّة التوجّه إلى الله بامتثال أمره . والذي يعمل لله متوجّها إليه راجيا منه الثواب على عمله فهذا محلّ تدافع فيه
الرجال ، فمِن قائل بإبطاله ولا ثواب له ، ومِن قائل بصحّته وصحّة ثوابه ، ومِن قائل بإبطال العمل حتّى يرجو الثواب عليه .
و التحقيق في هذا أنّ العمل لله تعالى خالصا لا للثواب ولا لطمع هو الأفضل والأعلى ، دليله قوله تعالى سبحانه وتعالى ما حكى عنه في الزبور ، يقول : إن أود الأوداء من عبَدَني لغير نوال لكن ليعطي الربوبيّة حقّها . وحكى عنه في بعض الكتب المنزلة يقول فيها : ومن أظلم ممّن عبدني لجنّة أو لنار لو لم أخلق جنّة ولا نارا ألم أكن أهلا لأنْ أُعْبَد . وإن كان لطمع ورجاء الثواب فالعمل صحيح مقبول مثاب عليه ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى اسمه العدل .
فأجاب رضي الله عنه بقوله :
العدل الإلهيّ هو إعطاؤه لكلّ شيء من نفسه على طبق ما سبق له في العلم الأزليّ بحيث أن يستحيل عليه النقص والزيادة ، فهذا معنى اسمه العدل . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه . ومما أنشده سيّدنا رضي الله عنه :
من فاته حُسْن وجهي فاته الإحسـان
ومَن رآني رأى التحقيق والتبيـان
ظهرت في الجسم في كشف وفي كتمان
فلـي خفاء ولي سـرّ ولي إعـلان
لمـا خلصنـا نجونـا من تنـاجينـا
أوحـى لنا فوق ما نرجو مناجينـا
و مـذ جلانـا تجلّـي فـي مجالينـا
فمـن له محونـا حتّـى يجـالينـا
ذكر أنّ سيّدنا موسى عليه الصلاة السلام مرض فطال مرضه ، فنادته عشبة أن كُلْنِي فشفاؤك يحصل بي ، فقال لها : لا جرم أنّ الله هو الشافي ، ثمّ بعد ذلك شكى مرضه إلى الله تعالى ، فأمره بأكْل تلك العشبة فأكَلَها ، فازداد مرضه ، فشكى إلى الله تعالى ، فأمَره بالذهاب إلى الطبيب ، فلمّا ذهب إلى الطبيب وشكى إليه ، أمَرَه بأكْل تلك العشبة ، فأكلها فبرىء ، فقال : يا ربّ ما هذا ؟ فقال له ربّه سبحانه وتعالى : شفيتك من غير مداواة لتعلم قدرتي ، وشفيتك بالحشيشة لتعلم حكمتي ، وزدت في مرضك بها لتحقّق قهري وسطوتي ، وأحلْتك على الطبيب لتعرف ترتيب مملكتي ، أنا الشافي لمن أشاء بما أشاء ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة المكر .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : حقيقة المكر هو إظهار النعمة على العدوّ وبسطها له ثمّ يستدرجه إلى غاية الهلاك في تلك النعمة ، يقول سبحانه وتعالى :
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ

،
وصفة العبد أن يكون دائما خائفا من ربّه لا يأمن على نفسه بحال ، ولا يطمئنّ قلبه من خوف عذاب الله تعالى . قال سبحانه و تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ

.
والإيمان له جناحان كالطائر ، جناح ، وهو الأوّل ، هو الخوف ، وهو توجّع القلب من خشية الوعيد . وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام :
«
المؤمن يرى ذنوبه كأنّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنوبه كالذباب مرّ على أنفه
» .
والجناح الثاني ، وهو الرجاء في الله سبحانه وتعالى بأن يغفر له ولا يعذّبه ، ولا يتوقّع فيه الأمان . فإذا تمحّض الرجاء وحده بلا خوف كان أمنا ، والأمن من الله تعالى عين الكفر بالله ، وإذا تمحّض الخوف وحده كان يأسا من الله عزّ وجلّ ، واليأس من الله عزّ وجلّ عين الكفر ، والسلام . وفي هذا المعنى يقول الشريشي :
ولا تريّن في الأرض دونك مؤمنا
ولا كافـرا حتّى تغيب في القبـر
فـإنّ ختام الأمـر عنك مغيّـب
ومَن ليس ذا خسر يخاف من المكر
والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : كلّ العارفين في شغل عن الله تعالى لأنّهم بقي لهم ضرْبٌ من حظوظهم ، إلاّ أهل التجلّي الأكبر الذين لا حظّ لهم في الجنّة فإنّهم عنده سبحانه وتعالى مقيّدون في حضرة قربه ووصلهم بما لا تحيط العقول وصفه ، ولو أنّه واصل العارفين بتجلّيه لهم وما أعطاهم في ذلك لذابوا من هيبة الجلال ، فإنّ هؤلاء لا الْتفات لهم إلى الجنّة ونعيمها ، ولا عبرة لهم بها أوُجِدَتْ أم عدمتْ ، وفيهم يقول بعض العارفين: قوله بشهوات الفرج والبطن مشغولون ، وللمجالسة قوم آخرون ، فما فاز بالله غيرهم ، فإنّهم في كلّ لحظة يتجلّى عليهم بما نسبته للتجلّي الأوّل كبحر إلى نقطة ،
وهكذا فيما يدركون من اللذات والنعيم والفرح والسرور ، بحيث أن لو طولبوا بالحور لحظة واحدة لاستغاثوا منهم كما يستغيث أهل النار من النار ، فَهُمْ الخاصّة العليا من صفوة الله ، وهذا المقام أفضل المقامات وأعلاها ، وهذا المقام لم يكن لأحد من العالمين سوى هذه الطائفة ، إلاّ هو صلّى الله عليه وسلّم له هذه الرتبة العليّة مع مشاركته للعالمين في شهوتيّ البطن والفرج ، فهذا لا يحجبه عن هذا ، وهذا لا يحجبه عن الآخر . فهو بالضرورة إن ذاق ذلك في جناب لم يقدر أن يلتفت إلى غيره ، ومن ألِفَ التلذّذ بالحور وأنواع النعيم لم يقدر أن يثبت لهذا المطلب ولا أن يحوم حوله ، إلاّ هو صلّى الله عليه وسلّم . إنتهى ما أملاه علينا .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : معنى النهضة الإلهيّة هي القيام لله بالله بلا ممازجة هواه ، فلم يبق معه شيء من متابعة هواه ، وشاهد هذا أنّ بعض الرجال دخل بلدا غريبا، فجاء إلى دكّان ليشتري الخلّ ، فرأى الأواني مملوءة وظنّ أنّه خلّ ، فقال له صاحب الدكان : أيّ شيء تنظر ، إنّما هي خمر . قال حينئذ : لَزِمَنِي فَرْضٌ ، فاشتغل بإهراقها وكسْر أوانيها ، وقد وجد فيها سبعون قسطا ، فكسر منها تسعا وستين وبقي واحد ، فظن ربّ الدكّان أنّ أمير البلد أرسله ليفعل ذلك ، فذهب لأمير
البلد وقال له : هل بعثت لي من يكسر لي أواني الخمر الذي عندي ؟ قال لا لم أبعث شيئا ؟ فقال الأمير عليّ به الآن . فلمّا أتوا به قال له الأمير : لمَ فعلت ما فعلت ؟ قال له فعلت ما بدا لي فافعل ما بدا لك ، فقال : هل ترك شيئا ؟ قالوا : ترك قسطا واحدا ، فقال له : لم تركت ذلك القسط ؟ قال : لمّا قال لي ربّ الدكّان إنّه خمر أخذتني غيرة الإسلام ففعلت ذلك ، فأنا في أثناء ذلك حدّثتني نفسي بأنْ قالت : لك حال مع الله أنت ممّن يغيّر المنكر ، فتركته خوفا لما يكون حتى فعلت هذا فتركت وخفت أن يكون ذلك حظّا لنفسي . فقال الأمير : أخرجوه عنّي فإنّي لا طاقة لي به . فأخرجوه .
وروي أنّ رجلا قدم إلى بلد فوجد فيها شجرة تعبد من دون الله تعالى ، فلمّا أصبح أخذ فأسا وذهب إليها ليقطعها ، فاعترضه إبليس في صورة رجل ، فقال له : أين تريد ؟ قال أريد هذه الشجرة التي تعبد دون الله لنقطعها ، قال له : أتركها وارجع تجد تحت رأسك ثلاثة دراهم ، فرجع فلم يجد ، فرجع من الغد ليقطعها ، فاعترضه إبليس في الطريق ، فقال له : أين تريد ؟ قال : لأقطع تلك شجرة التي تعبد من دون الله ، فقال له : إرجع فإنّك إن طُفْتَ حولها ضربت عنقك ، فإنّ النهضة الأولى لا يقاومك فيها أحد ، ونهضتُك هذه لِما فاتَك مِن حظّك فقط ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .