نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثالث - الصفحة السادسة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثالـث > الصفحة السادسة


في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة السادسة .
وسمعته رضي الله عنه يقول : وصْف مشترك بين القديم والحادث ، وحقيقته وحدة لا تتبدّل ولا تتغيّر ، ولكن مع القديم يكون قديما وبالنظر للحادث يكون حادثا . قال : هو " الآن الدائم " عند العارفين ، وهذا من الإشكالات الصعبة ، ولا يتفطّن له إلاّ أهل العلم بالله ، جعلنا الله منهم آمين .
وسألته رضي الله عنه عن معنى الدهر .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى حقيقة الدهر هو استمرار وجود الحقّ بلا بداية ولا نهاية ، وهو المعبّر عنه بالبقاء سبحانه وتعالى ، وهو معنى قوله في السيفي دائما في الدهر إلى الدهر بألوان التسبيح معناه . وأمّا معنى من والى فلا يطّلع عليه في هذا الميدان ولا تبحث فيه لأنّه ألِفَتْه البصيرة النافذة التي لا يطرقها الباطل بوجه من الوجوه صلّى الله عليه وسلّم . قال الشيخ سيّدي أبو مدين رضي الله عنه : لولا أن أهتك حرمة الشريعة لدخلتُ على المخدرات في بيوتهنّ لأنّ الله تعالى وعدني أنّ مَن وقع بصري عليه أو بصره عليّ حرّم الله جسده على النار . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : تفكّرتُ في اختصاص سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم بيوم الاثنين فتبيّن لي أنّه لمّا كان هو الوجود الثاني ، ولم يتقدّمه إلاّ الوجود القديم ، وكذلك هذا اليوم هو الثاني من الأيّام ، ولم يتقدّمه إلاّ يوم الأحد ، فلهذا كان تقلّب أطواره صلّى الله عليه وسلّم في يوم الاثنين ، فيه ولادته ، وفيه هجرته ، وفيه دخوله لطيبة ، وفيه أرسل . وكذلك سيّدنا آدم على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام في اختصاصه بيوم الجمعة وتقلّب أطواره فيه لمناسبةٍ وجوديّةٍ لأنّ سيّدنا آدم هو الموجود الأخير من الموجودات ، وهو المعبّر عنه عند العارفين بالتجلّي الأخير واللباس الأخير ، وهذا اليوم هو الأخير من الأيّام التي خلق الله فيها خلقه . قال تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وفي اليوم السابع قال تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ على ما أراد وعلم ، ولم يخلق فيه مخلوقا ، فلهذه المناسبة كانت أطوار سيّدنا آدم عليه السلام من خلقه ودخوله الجنّة وخروجه منها وتوبته فيه . إنتهى .
ثمّ قيل لسيّدنا رضي الله عنه : على هذا القياس يكون الاثنين أفضل من يوم الجمعة لاختصاص أطوار سيّد الوجود به صلّى الله عليه وسلّم ؟
قال : التفضيل أمر إلهيّ لا علّة له ولا قياس ، يفضّل الله سبحانه وتعالى ما شاء بما شاء على ما شاء . فما سُمِع من التفضيل بمخلوق من خبر الله وخبر رسوله صلّى الله عليه وسلّم فهو المفضّل ، وما لا فلا . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه : هل خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند ولادته من المحلّ أو من تحت السُرّة ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّي رأيت في بعض التقاييد نقل صاحبه من كتاب الشفا لابن سبع قال أنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج من تحت السرّة ولم يخرج من محلّ الولادة ، كما غيره من جميع إخوانه من النبيّين والمرسلين . هكذا نقله ابن سبع ، ولعلّ المستبعِدين لذلك يقولون : لو كان هذا كما قيل لنقل وتواتر لأنّه أهمّ الأمور ، ولا شكّ أنّ الولادة يحضرها جمع من النسوة ، والنسوة أشدّ الناس حرصا على إفشاء ما يرون من العجب ، فلو وقع هذا الخارق لرآه كلّ نسوة حضرن لولادة نبيّ من النبيّين ، ولو وقع لأفشته النسوة الحواضر لعدم صبرهنّ على الكتم ، ولو حدّث به النسوة لتواتر في أقطار الأرض ، فدلّ عدم تواتره في أقطار الأرض وسكوت النسوة عليه على عدم وقوعه ، وهو الخروج من تحت السرّة . والجواب عن هذا المحطّ : أنّ هذا خرْق أذِنَ الله في ستره وعدم إفشائه للخلق ، وذلك يستدعي نظريْن : النظر الأوّل أنّ الإخفاء لِما خفيَ والظهور لِما ظهر هو أمرٌ موكول إلى الله سبحانه وتعالى ، يُظهِر ما يشاء بسبب أو بلا سبب ولو توفّرتْ دواعي الإخفاء ، ويُخفِي ما يشاء بسبب أو بلا سبب ولو توفّرتْ دواعي الظهور ، وهذا من ذلك القبيل . والنظر الثاني أنّ خروج الصفوة العليا من تحت السرّة تنزيها عن محلّ القذر ، فيكون أمْرُه أنّ الله تعالى يفتح الأغلفة كلّها من الأمّ ، مِن جلد وصفاق وأرحام ، حتّى يخرجه ويردّها كما كانت في أسرع عن طرفة عين ويردّها كذلك ، وهذا غير بعيد في قدرة الله تعالى . ثمّ إنّه إذا أراد الله تعالى الإخفاء ألقى الغفلة على النساء الحواضر ، مثل أن يمسنها فيقلن ما زال أمرها متأخّرا عن الولادة وهي تتوجّع ، فيغفلن عنها ، فيفتح الله على المرأة الوالدة من تحت السرّة فيخرج الولد في أسرع من طرفة عين ويردّها إلى حالتها الأولى في الالتئام في أسرع من طرفة عين ويجري الدم من محلّ الولادة ، فتقول النسوة قد خرج الولد ، فتأتي النسوة ويريْن أنّه خرج من محلّ الولادة لوجود الدم ، وعدم وجود الدم من تحت السرّة . ويقع الكتم من الأمّ الوالد للنبيّ بأمريْن : الأمر الأوّل إلقاء سرّ من الأسرار الإلهيّة على قلبها فيرتبط القلب عن الإفشاء بأمر الله لوجود ذلك السرّ ، قال سبحانه وتعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ، كما ربط الله على قلوبهنّ في حال الحمل إن رأيْنَ شيئا من الأحوال الخارقة الدالّة على نبوّة ذلك الولد في نوم أو يقظة . والأمر الثاني إنْ أرادتْ الأمّ الوالد إفشاء ذلك لتحقّقت التكذيب من النساء الحواضر لظهور الدم في محلّ الولادة وعدم وجود الأثر من تحت السرّة ، لا عينا ولا أثرا ولا شاهد يصدّقها ، فتوفّر دواعي العادة على تكذيب ما تدّعيه إن ادّعته ، فيحملها تحقّق هذا التكذيب على الكتم ، فإذاً لم يُنقل من هذا الأمر شيء . فهذا هو الجواب عن هذا المحطّ . إنتهى .
فإن قلتم : إنّه طاهر صلّى الله عليه وسلّم ولذلك لم يخرج من محلّ القذارة ، فكيف دخل منه وهو نطفة ؟ فيلزم أيضا ما هربتم منه أوّلا . أو نقول : خُلِق من ريق أبيه ، كما قال بعض من هرب من أنّ النطفة قذرة .
فأجابه سيّدنا رضي الله عنه : لا يصحّ كونه خلق من ريق أبيه ، بل هو من النطفة كغيره من الأنبياء وسائر البشر ، ودخلت النطفة من المحلّ المعلوم كغيرها ، ولم تكن النطفة كخروجه حين الولادة لأنّها حين الدخول عارية عن الروح ، وأمّا عند الولادة فبسبب طهارة الروح الكريم خرجت من غير المحلّ .
قال السائل : فما تقول في الروح حين كانت في الرحم والدم معها ؟
فأجابه : إن الرحم طاهر ، والدم قبل خروجه من الرحم طاهر كذلك . إنتهى كلامه رضي الله عنه من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري رضي الله عنه .
ومن كلام سيّدنا رضي الله عنه في قبول التوبة ، وأنّها مقبولة قطعا ، قال رضي الله عنه : الدليل على قبول التوبة أنّه قطعيّ قوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الآية ، وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا إلى رَحِيمًا ، وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ، إلى غير هذا من الآيات الدالّة على القبول أنّه قطعيّ لأنّه وعَد التائب بالقبول ، ووعْدُه لا يتخلّف عن أهل الحقّ .
فإن قيل ، على مذهب الجمهور ، أنّ القبول القطعيّ المأخوذ من الوعد يمكن أن يكون في بعض الأفراد ولا يلزم منه العموم .
قلتُ : إنّ هذه الآية المذكورة عامّة في جنس التائب ، ولا دليل على خصوصها بفرد دون آخر ، وأيضا إنّ الكريم إذا وعَد بأمر لا بدّ من وفائه عند أهل الحقّ ، بخلاف ما إذا أوْعَدَ ، فإنّ من الكرم أن يتركه كلّه ولا يلزم عليه نقص ، بل من الكمال تخلّف الوعيد دون الوعد . والدليل من السنّة قوله عليه والصلاة والسلام : « إنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب منه تاب الله عليه » ، وفي التعبير بصيغة الماضي إشارة إلى تحقيق الوقوع لأنّ تلك حقيقة الماضي .
فإن قيل ، على مذهب الجمهور ، لو كان القبول قطعيّا لزم أن لا يعصي من تاب .
قلتُ : لا يلزم ، بل كلّ ذنْبٍ يجب عليه أن يتوب منه ولا يكون نقضا لتوبته الأولى ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « ما أصرّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرّة » ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » ، دليل على قبول توبته قطعَا ، وإذا قدّر الله عليه ذنبَا رجع إلى التوبة ، وهكذا . وفي قوله عليه الصلاة والسلام : « لو لم تذنبوا » الحديث ، إشارة الى اعتنائه بعبده التائب من ذنبه . ولذلك قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، ولو لم يقبل الله توبتهم ما أحبّهم . ولا يلزم من قبول التوبة أن نقطع للتائب بالسعادة ، لأنّ ذلك أمر مغيّب العاقبة ، وإنّما نحن نتكلّم على ما يظهر من نصوص الكتاب والسنّة . وأيضا إنّ السعادة ليست متوقّفة على فعل المعاصي ، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم : « لن يدخل أحدكم عمله الجنّة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمته » ، هذا دليل أن دخول الجنّة بمحض الفضل ، والنار بمحض العدل ، وإنّما الأعمال علامات في الظاهر على ما سبق ، وقد توافق في نفس الأمر وقد تخالف لأنّ اللاحق لا يكون سببا في السابق كما قاله بعض المحقّقين . إنتهى ما أملاه على محبّنا سيّدي محمد بن المشري رضي الله عنه .
هـذا جواب عن سـؤال  مهـذّب     أتى بنظام رائق محكم الـوصف
فمنه سجود المرء فوق الفراش لا     صلاته  فيه كاللحاف وكالقطـف
توقّف  فيه البعض من  علمائنـا     وشهر فيه المنع بعض بلا  وقف
وذا كلّـه ما دام رخوا فإن  يكـن     تلبّـد قالوا بالجواز بلا ضعـف
وسئل سيّدنا رضي الله عنه بما نصّه : سادتنا الأعلام ومصابيح الأنام ، جوابكم عن اختلاف أهل السنّة رضي الله عنهم في حوضه صلّى الله عليه وسلّم ، هل هو قبل الصراط أو بعده ؟ لأنّ بعضهم قال : هو قبل الصراط ، ودليله حديث أنّ مَن بدّل أو غَيَّرَ يُذاد عنه ، ولو كان بعد الصراط لم يُذَدْ عنه . وقالت طائفة بعد الصراط ، ودليلها حديث أنّ مَن شرب منه لم يظمأ بعده ، ولو كان قبل الصراط فإنّ من شرب منه لا يدخل النار ، ومن الأمر الذي يجب الإيمان به أنّ طائفة من أهل الكبائر من أمّة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم تدخل النار وتخرج بالشفاعة ، كما هو مذهب السنّة ، نجّانا الله من النار ، آمين . وقال غير الطائفتين إنّ له حوضيْن ، أحدهما قبل الصراط ، وهو الذي يُذاد عنه مَن بدّل أو غيّر ، وآخر بعد الصراط ، وهو الذي مَن شرب منه لا يظمأ بعده أبدا لأنّ ما وراءه إلاّ الجنّة .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّه حوض واحد ، ولكن يكون في أوّل الأمر قبل الصراط حتّى يُذاد عنه مَن بدّل أو غَيَّرَ ، ثمّ إذا لم يبق أحد ممّن يُذاد عنه حُوِّلَ ووُضِعَ بعد الصراط للشرب منه . وانتقال الأمور في الآخرة من موضع إلى موضع وردت به الأخبار الصحيحة وإن لم يوجد خبر في هذا بعينه ، كما ورد أنّ النار تأتي إلى أهل المحشر ولا ترجع إلى موضعها حتّى يأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالرجوع إلى محلّها ، وكذلك ورد أنّ الجنّة تكون في ذلك اليوم عن يمين العرش ، كما أنّ النار عن شماله ، والمعلوم من الأخبار الصحيحة اليوم عند أهل السنّة أنّ الجنّة سقفها العرش وليس هي عن يمينه ، كما أنّ النار تحت الأرض السابعة السفلى .
فإذا فهمتَ هذا ، فالذي قاله سيّدنا رضي الله عنه في كون الحوض واحدا ، ويظهر مرّة قبل الصراط ومرّة بعده ، هو الذي تتمشّى عليه الاخبار الواردة ولم يهمل منها شيء . وسئل مرارا عن هذا بعد العلم باختلاف العلماء فيه ، وبعد العلم بالأخبار الواردة فيه ، وباختلاف أهل السنّة فيه ، فلم يُجِبْ إلاّ بالجواب الذي أجاب به أوّلا ولم يتردّد ، فعلمْنَا أنّ الحقّ في ما أجاب به حيث لم يتردّد ، ورضي الله عن الجميع بمنّه وكرمه ، آمين .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : محبطات الأعمال منها الردّة ، نسأل الله السلامة والعافية ، ومنها قذف المحصنات ، وتأخير العصر إلى الغروب ، والاسترسال في أكل الحرام ، وعدم إعطاء الأجرة لصاحبها . واحذر من العجب جهدك فإنّه يفسد العمل . أمّا الردّة ، والعياذ بالله تعالى ، فلها أسباب كثيرة قوليّة وفعليّة . وأمّا القوليّة ، فمنها ما هو معلوم عند عامّة المسلمين ، كنسبة الحدوث إلى المولى ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، إمّا تصريحا أو إلزاما ، كنسبة الشريك له . والشريك إمّا صريحا وإمّا بنسبة بعض أفعال الله لغيره كالقدريّة ومن في ما معناهم من الجهّال ، أو بِقِدَمِ شيء من العالم . ومنها صدور التهاون بجلال الله وعظمته جهلا أو عنادا كالشتم والسبّ وتهوّر اللسان في جانب الحقّ ، نعوذ بالله منه ، أو يريد شتم العبد فيغيّر اسم الله أو صفة من صفاته كما شهدناه كثيرا في ألْسِنَةِ العامّة في أسماء العبيد المضافة لأسماء الله كعبد الحقّ وعبد الكريم وعبد الرحمن وعبد الحاكم وعبد الباقي وعبد القادر وعبد البرّ وعبد الرزّاق وعبد الغنيّ وعبد الحميد وعبد الرحيم وعبد الغفور وعبد الغفّار وعبد الستّار وعبد الحليم وعبد الجليل ، وهكذا حتّى تعدّ أسماء الله المضافة للخلق ، فإنّ تغييرها ردّة ، ولم يعذر صاحبها بعدم قصده لاسم الله لا بجهله ، وهذا مذهب سيّدنا رضي الله عنه في هذا الباب . وكذلك مذهبه في من بدّل حكم الله لغرض من أغراضه ممّن كان النصّ في عينه ، كتحليل المطلّقة ثلاثا لزوجها الأوّل من غير أن تنكح زوجا غيره . وقال : إنّ الحكم هو وصْف من أوصاف الله تعالى ، ومَن غيَّرَ وصفا من أوصاف الله فهو مرتدّ ، والعياذ بالله تعالى . وصدق رضي الله عنه ، لأنّ علماء الشريعة عندهم مَن استحلّ محرّما مجمعا عليه كفَرَ ، وكذلك مَن جحَدَ ما هو معلوم من الدين ضرورة كالصلاة . ومنها التهاون بمرتبة النبوّة والملائكة ، كصدور شتْمٍ أو سبٍّ أو تهوّر لسان أو نسب إليهم ما يحطّ قدرهم عن مراتبهم العليّة ، كارتكاب المنهيّات أو عيب في ذواتهم ، وما في معناه . وممّا هو في هذا الباب عدم الرضا بالقدر ، والتسخّط عند نزول المصائب بالعبد ، حتّى يقول بعض جهّال عامّة المسلمين : أيّ شيء فعلته يا ربّ حتّى فعلتَ هذا بي من دون الناس ؟ قال سيّدنا رضي الله عنه : فهذه ردّة تلزم التوبة منها لأنّ كلامه تضمّن نسبة الظلم لخالقه ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا . وكذلك ما يصدر من بعض الجهّال عند الغضب ، يقول : لا أفعل هذا لو قالها المنادي ، يتضمّن من هذا القول الردّة ، كأنّه يقول : لو قالها الله أو الرسول . فليحذر المؤمن من الأمور الشنيعة قولا أو فعلا ، ويحذر جهّال المسلمين منها . وممّا يلحق بهذا ما ذكره أهل الكشف في بعض الأمور ، قال : مَن فَعَلَ واحدة ولم يتب منها يموت على سوء الخاتمة ، والعياذ بالله تعالى ، وهي دعوى الولاية بالكذب وادّعاء المشيخة ، وهو التصدّر لإعطاء الورد من غير إذْنٍ . وكذلك كثرة الإذاية للخلق ، وكثرة الزنا ، والكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكثرة النميمة والغيبة وعقوق الوالدين ، وهذه كلّها إنْ لم يتُب منها . نسأل الله السلامة والعافية من جميعها . وممّا يلحق بهذا الباب سبّ الأولياء ، نسأل الله السلامة والعافية من سبّ أولياء الله كلّهم . فهذه أعظم أمور الردّة والموت على سوء الخاتمة ذكرناها هنا تحذيرا ونصيحة لهم لله ، فهذه أسبابها قبل الوقوع فيها ليهرب منها العاقل . وأمّا الخلاص منها بعد الوقوع فبالتوبة منها . أمّا في المهلكات غير الردّة ، فبمجرّد التوبة يتخلّص منها ، إلاّ ما كان فيه حقوق العباد فبالتحلّل منهم . والتوبة في الردّة ، أمّا في السبّ الصريح في جانب الربوبيّة أو النبوّة فيزاد مع التوبة القتل حدّا ، وإنْ تاب ولم يقتل فتوبته صحيحة وأمره موكول إلى الله . وأمّا في غير السبّ الصريح فتوبته صحيحة لا قتل عليه . وإن لم يتب من ردّته قتل كفرا ، وإن كان المرتدّ ذا زوجة أو ذات زوج بطل نكاحهما ، وينبغي لمن استفتاه أن لا يحكم لهما بطلقة لا بائنة ولا رجعيّة ، بل يحكم لها بالفسخ بينهما ، فإن تراجعا فلا تحرم الزوجة وإن تكرّر من أحد الزوجين ثلاثا أو أكثر . أمّا إنْ أفتاهما بالطلاق ، ربما يتكرّر من أحدهما الردّة ، أو أن يكون مضت لهما طلقة أو طلقتان ، ولم يصبرا على الرجوع ، فيؤدّيهما إلى ارتكاب محرّم صريحا مع دعوى الحِلِّيّة والزوجيّة ، فيقع في عين الكفر الذي أردنا أن نخرجه منه ، وهو تحليل ما حرّم الله ، فهذه نكتة فسخ النكاح بين من ارتدّ وزوجه بها . كذا قال سيّدنا رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه ، آمين .
وسألته رضي الله عنه بما نصّه : سيّدنا أدام الله علوّك وارتقاءك ، بيّن لنا حقيقة الكشف الصحيح إذا خالف النصّ الصريح ، ماذا يقدّم ؟
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ النصّ الصريح والكشف الصحيح من أربابه لا يختلف ، لا مادّة ولا نهاية ، فكلاهما واحد من عين واحدة ، لأنّ النصّ الصريح من ذات سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم برز ، سواء كان حديثا أو قرآنا ، والكشف الصحيح لأربابه عن فيض حقيقته المحمّديّة فاض ، وكلاهما إنّما كان صلّى الله عليه وسلّم فيهما واسطة ، وهما من عند الله منشأ ، فلذا قلنا لا يختلفان ، فإنّ الكشف الصحيح لا يدلّ إلاّ على ما دلّ عليه النصّ الصريح بتصريح أو تلويح أو تضمين ، فإنّ المكاشف في بعض أحواله إذا توجّه مطالعا لحكم في عين المسألة التي يريدها ، إن رآها نورا أو اكتست نورا أو أحاط بها النور دلّ على أنّها مطلوبة شرعا ، إمّا وجوبا أو ندبا ، وإن رأى المسألة ظلمة أو كستها ظلمة أو أحاطت بها ظلمة دلّ على أنّها مطلوب ترْكها شرعا أو تحريما أو كراهة ، وإن رآها في كشفه لم يقع عليها لا نورا ولا ظلمة دلّ على أنّها مباحة لا يطلب فعْلها و لا ترْكها لذاتها . وقد ينقل حكم المباح إلى الوجوب والتحريم لعارض في الوقت إذا كان يؤدّي ارتكابه إلى محرّم ، أو كان يتوقّف على تحصيل واجب أو مندوب ، وإلاّ بقي في حيّز الإباحة ، وإن أفتاك المفتون في المسألة فاستفت فيها قلبك ، ولا يكون هذا إلاّ للعارف الكامل فقط ، فإنّه صاحب الكشف الصحيح لبعد نفسه عنه ، فإنْ حِيلَ بينه وبين نفسه بأنوار القدس ، فكلّ ما يتوجّه له في أموره هو من الله تعالى ، لكن في أمور دينه لا في أمور دنياه ، فإنّ أمور دنياه هو فيها كسائر الخلق . وقد حكى الشاذليّ رضي الله عنه ، قال : كنت كثيرا أبحث عن كلام القوم حتّى قال له الحقّ في بعض وقائعه ، ناهيا له عمّا يبحث عنه من كلام القوم ، قال له : تعريفي لك يغنيك على علم الأوّلين والآخرين ما عدا علم النبيّين والمرسلين . إنتهى . فإنّه هو الأصل المرجوع إليه لا واسطة بين الله وبين العباد إلاّ النبوة ، ومن رام الخروج عنها ، أعني النبوّة ، طالبا للأخذ عن الله من غيرها ، كفر وخسر الدنيا والآخرة . وما ذُكِرَ من أنّ العقل يأخذ العلم عن الله بلا واسطة فإنّه مِنْ نَفْيِ الواسطة المشهودة ، لا يشهد واسطة بينه وبين الحقّ أصلا ، لكنها موجودة في نفسها غير مشهودة له ، وهي الحقيقة المحمّديّة ، فإنّه لا مطمع لأحد في درك حقيقتها فضلا عن مشاهدتها ، فإنّها أخفى من السرّ الخفيّ ، فإنّه يرى نفسه يأخذ العلم عن الله بلا واسطة ، وما برز له ذلك العلم إلاّ من الحقيقة المحمّديّة من حيث لا يراها وإن رآه من الحقّ ، فإنّه مغطّى عليه بحجاب التلبيس ، فهذا معنى أخْذ العلم عن الله بلا واسطة . وأمّا أن يتوهّم أنّ العقل ، أو غيره ، يأخذ العلم عن الله تعالى من غير واسطة الحقيقة المحمّديّة مجرّدا عنها فهذا لا سبيل إليه ، وهذا الوهم أمر باطل ، وإنّما نفي الواسطة في حقّه نفيا شهوديّا لا نفيا وجوديّا ، فإنّه في وقت الأخذ عن الله ينمحق الأخذ محقا كلّيّا ، فلا يبقى له شعور بنفسه فضلا عن غيره من الوجود ، فيسمع ما يسمع في تلك الحضرة من الإلقاءات وما ثَمَّ إلاّ الحقّ المتكلّم والآخذ لا غير . وقد قلنا في بعض الأجوبة أنّه يتدلّى للعارف سرّ من أسرار الحضرة القدسيّة يأخذه عن نفسه ويغطّي عنه وجوده مع جميع الوجود ، ويريه ذاته عينيّة الحقّ ، فيكون ناطقا لا بلسانه ، سامعا ورائيا لا ببنيته ، مدركا لا بجنانه ، بل هو بالحقّ للحقّ في الحقّ عن الحقّ ، إدراكا وإحساسا ، وشهودا وتلقيّا ، ولا قدرة للعبد إذا صادمه هذا السرّ عن الخروج عن دائرة حيطته ، فإنّ هذا السر إذا ورد على العبد قاهر بقوّة سلطانه ، غالب بسطوة جلاله ، لا قدرة لأحد أن يخرج عنه إلاّ إذا سرى منه ، والواسطة للحقيقة المحمّديّة في هذا موجودة غير مشهودة ولا معقولة ولا محسوسة . إنتهى . قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه : لولا علماء الظاهر ، أو كما قال ، لأتت الأولياء عن الله بما أتت به الأنبياء . معناه في غير التشريع ، فإنّ التشريع بإحداث حكم لم يكن سابقا طلبا للفعل أو طلبا للترك أو تعبّدا أو إباحة أو نقض حكم سابق في الشريعة فتبدّل بحكم آخر ، فهذا لا سبيل للأولياء إليه ، إذْ هذا متوقّف على النبوّة فقط ، وما رواء ذلك فاستوت فيه النبوّة والولاية . إنتهى .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قول الشيخ الأكبر : مَن وحّد فقد ألحد .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى الإلحاد هو الخروج عن الجادّة المستقيمة ، فإنّ العارف إذا وحّد بتوحيد العامّة فقد ألحد ، والعامّيّ إذا وحّد بتوحيد العارف فقد ألحد ، يعني كفر ، وفي معنى ذلك يقول صلّى الله عليه وسلّم : « أُمِرْنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم » ، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم ممّا هذا معناه . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسئل شيخنا رضي الله عنه عن المحبّة الكائنة بين الناس في الدنيا ، هل هي تابعة لما وقع من الاجتماع والافتراق ، والتقابل والتدابر للأرواح حين خلقها الله أم لا ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : ورد في الحديث المعلوم « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » .
ثمّ قال ، ما معناه : ما تعارف منها في الابتداع الثاني ائتلف في الاختراع الثاني ، وما تناكر منها في الابتداع الثاني اختلف في الاختراع الثاني .
ثمّ قال رضي الله عنه : لأنّ لها ابتداعين واختراعين ، الإبتداع الأوّل هو كتبها في اللوح المحفوظ لأنّ الله كتب مقاديرها وأزمنتها وأمكنتها وكلّ ما أراد الله منها وبها ولها من بدئها إلى الاستقرار في الدارين ، والابتداع الثاني هو خلق الأرواح وإخراجها من العدم إلى الوجود . قال بعض أهل الكشف رحمه الله : خلق الله الأرواح أوّلا من النور المكرّم مجملة ، ثمّ ميّزها قطعا ، وخلق من كلّ قطعة روحا على عدد الأرواح .
ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : والاختراع الأوّل هو إخراج جميع الأرواح من ظهر أبينا آدم عليه الصلاة والسلام مثل الذرّ . قيل إنّه يبطر نعماه ، وأخذ عليها الميثاق سبحانه وتعالى . والاختراع الثاني هو خلق كلّ إنسان في وقته .
ثمّ قال : وفي الاختراع الأوّل دعاها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالإيمان بالله وبه صلّى الله عليه وسلّم ، فمَن أجابه في ذلك الوقت، فهو المؤمن في عالم ظهور الأشباح ، ومَن لم يجبه في ذلك الوقت فهو الكافر في الدنيا ، ومَن أجاب ورجع هناك فهو كذلك في عالم ظهور الأشباح ، ومَن لم يجب هناك أوّلا ثمّ أجاب بعد مدّة فهو كذلك في هذا العالم ، وما ظهر هنا إلاّ ما وقع هناك شبرا بشبر .
ثمّ قال رضي الله عنه : ومِن ثَمَّ تعارف الشيوخ الأكابر التلاميذ ، فإذا جاء التلميذ للشيخ ينظره هناك ، فإذا كان مريده قَبِلَهُ هنا ، وإن كان هناك ليس مكتوبا عند الله تعالى من أصحابه لم يقبَلْهُ هنا . وفي الابتداع الثاني تميّيز المؤمن من الكافر ، وفي الحديث : « إنّ الله خلق الخلق في ظلمة ثمّ رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور فهو المؤمن والذي لم يصبه ذلك النور هو الكافر » ، وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ الأكبر في صلاته بالنور المرشوش في الأزل ، قال : " صلاة تكحل بها بصيرتي بالنور المرشوش في الأزل " .
ثمّ قال شيخنا رضي الله عنه : ولمّا تجلّى الحقّ للأرواح عند أخْذِه العهد منها تطايرت من الهيبة والجلال ، فكلّ من وصل إلى موضع من الأرض في ذلك الوقت استقرّ فيه حين خلقه الله في الاختراع الثاني ، فواحد يسكن موضعا ، وواحد موضعين أو أكثر ، بحسب ذلك التطاير ، وكذلك المحبّة بين الخلق وقعت عند هذا التطاير بحسب المقابلة المدابرة . إنتهى كلامه رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن عدد أنفاس الإنسان .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : عدد أنفاس الإنسان أربعة وعشرون ألفا ، نصفها داخل ونصفها خارج . وأمّا الخواطر فعددها سبعون ألف خاطر تخطر كلّ يوم على القلب حتما ، لا يتخلّف منها واحد لأنّ القلب مثل البيت المعمور ، كما أنّه كلّ يوم يدخله سبعون ألف ملك وإذا خرجت لم تعد له أبدا ، كذلك القلب كلّ يوم يدخله سبعون ألف خاطر ، وجميعها مقسومة على أربعة أقسام بالنسبة إلى القلب المحجوب . فقسم منها يلبسه الشيطان عند دخوله للقلب ويلقي له من وساوسه ، وقسم تلبسه النفس ، وقسم يدخل معه الملك ، وقسم لا يدخل معه شيء . ولذلك قسّموا الخواطر على أربعة أقسام : شيطانيّ ونفسانيّ وملكيّ وربّانيّ . وبيانها أنّ الشيطان لا يأمر إلا بالمخالفة ولا يثبت في أمر واحد ، بل ينتقل من أمر إلى أمر ، وكيده ضعيف كما قال الله تعالى : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا . وأمّا النفسانيّ فلا يأمر إلاّ بالانهماك في الشهوات ، سواء كانت محرّمة أو مباحة ، وانتقالها عمّا أمرت به أو ألِفَتْه صعب لا يزول إلاّ بالمجاهدة . وأمّا الملكيّ فلا يأمر إلاّ بالخير من فعْل أو قول . وأمّا الربّانيّ فلا يأمر إلاّ بالتعلّق بالله والزهد فيما سواه . فهذا هو الفرق بينهما لمن أراد معرفتهما ليميّزها ، ولا يميّزها إلاّ أهل المحاسبة ، وأمّا الغافلون فلا دراية لهم بها . وأمّا القلب المجرّد ، وهو قلب العارف بخواطره ، فكلّها قسم واحد ، فلا تأتي إلاّ بخير ، ولا تأمر إلاّ به لطهارة البيت الذي تَرٍدُ عليه وبُعْدِهِ من النفس والشيطان . وأمّا القلب الذي بينهما ، أيّ بين المحجوب والمفتوح عليه ، فترد عليه بحسب حاله أيضا . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه.
وسألته رضي الله عنه عن المكالمة التي يدّعيها الصوفيّة ومحادثتهم ، وما معنى المكالمة ؟ والفرق بين سماع الأنبياء لكلام الله تعالى وغيرهم ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ معنى مكالمة الصوفيّة ، أنّ الله تبارك وتعالى إذا رحم عبدا من عباده بسماع كلامه فإنّه يزيل عنه الحجاب ويخطفه عن حسّه حتّى يغيب عن كلّ شيء وتغيب عنه حتّى ذاته ولا يدري أين هو في ذلك الحال ، ثمّ يسمعه الله من كلامه ما قسم له من غير حرف ولا صوت ، ثمّ يردّه للحجاب فيرجع إلى حسّه وحاله الأوّل . ثمّ يسمع أيضا كلاما في عوالمه اللطيفة التي هي مراتب الروح من السرّ والخفاء والإخفاء وسرّ السرّ ، فيغيب أيضا غيبة مثل الأولى حتّى لا يشعر بشيء من الكون ، حتّى ذاته ، ثمّ يردّه إلى حسّه ويصحى عن غيبته ، فيجد عنده كلاما في سرّه ، ويعلم جميع ما شاهده في الحالتيْن ، فعند ذلك يعبّر عنه بما أراد ، فهذه هي مكالمة الأولياء . وأمّا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنّهم لكمالهم في غاية العقل والصحو والثبات ، وفي معنى هذا يقول العارف بالله تعالى سيّدي أبو العباس بن العريف رضي الله عنه :
بـدا لك سرّ طال عنك  اكتتامـه     ولاح صبـاح كنـت أنت  ظلامـه
فأنت حجاب القلب عن سرّ  غيّبه     ولـولاك لم يطبـع عليـه ختامـه
إذا غبـت عنه حلّ فيه  وطنبـت     على موكب الكشف المصون خيامه
وجـاء حديـث لا يملّ  سماعـه     شـهـيّ إلينـا نثـره ونظـامـه
إذا ألفتـه النفس طاب  نعيمـها     وزال عـن القلب المُعَنَّـى غرامـه
ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : من فتح عليه في هذا الأمر العظيم والنعيم الجسيم لا يقدر أن يسمع كلام الخلق إلاّ إذا اعتزل ثلاثة أيّام يذكر الله ، فحينئذ يقدر على سماع كلامهم ، وإن لم يفعل ما ذكر فإنّه مهما سمع كلامهم يتقيّأ لقبحه بالنسبة لِلَذّة ما سمع من كلام الحقّ . وسماع كلام الله ، لِمَنْ سَمِعَه ، لا بِأُذُنٍ فقط ، بل بجميع أجزاء ذاته كلّها حتّى تصير كلّ ذرّة من ذاته تلتذّ مثل جميع ذاته بكمالها ، رزقنا الله ما رزق أحبّاءه وأصفياءه وخاصّته العليا من خلقه ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة الخامسة     الصفحة السابعة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس