نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثاني - الصفحة الخامسة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثانـي > الصفحة الخامسة


في الأحاديث النبويّة وعلومه الاختصاصيّة المصطفويّة - الصفحة الخامسة .
ومن إملائه رضي الله عنه قال: قال أبو العباس المرسي " لا يدخل على الله إلاّ مِن بابيْن ، من باب الفناء الأكبر وهو الموت الطبيعيّ ، أو من الفناء الذي تدّعيه هذه الطائفة رضي الله عنهم .
وسألته رضي الله عنه عن قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « حُبِّبَ إليَّ مِن دنياكم ثلاث » الحديث .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : أمّا محبّته صلّى الله عليه وسلم للنساء والطيب المذكوريْن في الحديث ، والحديث صحيح ، فيقتضيان أنّ له بشريّة مثلنا صلّى الله عليه وسلّم . إعلم أنّ له بشريّة صلّى الله عليه وسلّم كغيره من الأنبياء والرسل ، لكن تلك البشريّة معصومة من مخالفة الأحكام الإلهيّة ، مطلقة فيما أذِنَ لها فيه كالجماع والأكل والشرب ، وليس أنّ تلك البشريّة معصومة من جميع توابعها ، فإنّه لو كان كذلك ما وقع التناسل من جسد آدم عليه الصلاة والسلام ، ولا خرجت حوّاء منه ، ولبطلت عمارة الداريْن التي هي مراد الله من العالم . واعلم أنّ لكلّ عارف محبّتين ، محبّة في روحه متعلّقها بالذات القدسيّة ، منشؤها مطالعة الجمال ، وهذه المحبّة تستأصل جميع وجوه المحبّة وعروقها ، وإليه يشير قوله صلّى الله عليه وسلّم « اللهمّ اجعل حبّك أحبّ إليّ ... إلى أن قال من الماء البارد للعطشان » الخ... . فهذه هي المحبّة الواقعة في الروح . ومحبّة له من حيث البشريّة هو قوله صلّى الله عليه وسلّم « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث » الخ... ، فهذه المحبّة لا تناقض تلك المحبّة ولا تسمّى نقصا لأنّ هذه المحبّة في البشريّة، وضعها الله للرسل للتأليف مع الخلق ، وتأدية الأحكام الإلهيّة ، وتبليغ الرسالة ، والتناسل الذي تقع به عمارة الداريْن ، فإنّ ذلك هو عين الكمال الإلهية ، فإنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لو بقي على المحبّة الأولى مجرّدا عن المحبّة البشريّة لبطلت الأحكام الإلهيّة ، وبطلت الرسالة ، وبطل التناسل ، وبطلت عمارة الدارين ، لأنّ صاحب تلك المحبّة لا يلتفت لغير الله أصلا ، ولا يبالي بغير الله أصلا . شاهد ذلك أنّ الملائكة العالين غرقوا في محبّة ذاته فهُمْ دائبو الهيمان في جمال الله وجلاله ، سكارى لا يفيقون من الحبّ ، ولمّا لم تكن فيهم المحبّة الثانية لم يعلموا بآدم و لا إبليس ، ولا كلّفوا بالسجود لآدم ، ولا يحضرون بيعة القطب ، لأنّهم غائبون عن التآلف بغير الله تعالى ، فلو كانت الرسل هكذا لبطلت الرسالة لعدم التآلف بغير الله ، ولمّا أراد الله إنفاذ ما سبق في علمه من إرسال الرسل لخلقه وضع الله فيهم المحبّة البشريّة ليتألفوا بغير الله تعالى فيتمّ مراد الله بتبليغ الرسالة ، وثبوت الأحكام الإلهيّة ، والقيام بحقّ التكليف، وظهور التناسل ، وكمال عمارة الداريْن ، وهذا غاية الكمال ، فإنّ هذه المحبّة البشريّة فيهم موجودة ولم ينقصوا بها عن محبّة الملائكة العالين لذات الله تعالى ، فإنّهم مماثلون لهم فيها ، وكان كمالهم بهذه المحبّة البشريّة ، فكلّ محبّة فيهم من البشريّة والأصلية لا تهدم أختها ، ولذلك صحّتْ له الخلافة صلّى الله عليه وسلّم لتألفه بالعوالم بالمحبّة البشريّة ، وهذا هو معنى اسمه محمّد ، يحمده جميع العوالم بما أفاض الله عليه من الحضرة الإلهيّة المحبّة الأصليّة ، والمحبّة الأصليّة هي التي يسمّى فيها أحمد لأنّ تلك الحضرة لا يشاركه فيها مخلوق ، فهو أحمد مَن حَمَدَ اللهَ في ذلك المقام لعُلُوِّ علمه بالله تعالى بما ليس لغيره فيه مطمع ، وهذا ينبئك عن حضرتيْه صلّى الله عليه وسلّم : حضرته المحمّديّة وحضرته الأحمديّة .
ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : وخلافة الإنسان على العوالم إلاّ إذا كان كلّ جزء من العالم يجد نسبة فيه ، فنسبة ما فيه للبهائم من الأكل والشرب والجماع ، ونسبة ما فيه للملائكة من الولوع بالحضرة القدسيّة وكمال الهيمان في جلال الله وجماله ، فاشتغاله بالحضرة القدسيّة ، وهي الحضرة التي فيها الملائكة ، لا يشغله عن تأدية حقوق حضرة البهائم من الأكل والشرب والجماع وسائر التقلّبات البشريّة ، وهذه الحضرة لا تشغله عن الولوع و الهيمان في الحضرة الإلهيّة ، فإنّ الكلّ من الحضرتين مظاهر الكمالات الإلهيّة ، وإنّما يذمّ الراتع في الحضرة البهيميّة إذا شغل بها عن الاستغراق في الحضرة الإلهيّة ، وأمّا إن كان يعطي لكلّ ذي حق حقّه فذلك غاية الكمال . وما سمعتَ من إطلاق حضرة البهيميّة فلا يطلق ذلك على الكامل صلّى الله عليه وسلّم ولا يقال إنّ له صفة البهيميّة ، وإنّما يقال إنّ في مطلق الإنسان من نسبة الحضرة الإلهيّة نسبة ما عند البهائم كغيرها من جميع الموجودات ، وهذا من حيث التكميل في مطلق الإنسان من كونه مظهرا لجميع الحضرة الالهيّة لا من حيث الذمّ . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الرؤيا التي وردت في الحديث ، وهي قوله صلّى الله عليه وسلّم « الرؤيا الصالحة » الخ الحديث .
فأجاب رضي الله عنه قال : إعلم الأشياء التي يراها النائم هي خواطر تَرِدُ على قلبه في حالة النوم ، ويصوغ الملك الموكّل بالرؤيا للرائي صورة تناسب ذلك الخاطر على قدر ما يراه في الصورة المتخيّلة ، هذه حقيقتها . ثمّ رؤيا وجود الأجساد من الملك للرائي على قدر قوّته المتخيّلة وضعفها ، والقوّة المتخيّلة على قدر قوّة قلب صاحبها ، فإن كان قلب صاحبها تامّ الخلوص إلى الحضرة الالهيّة ، متمكّنا من صفاء اليقين ، صاغ له الملك أجسادا لخواطره على قدر صفائه ، ثمّ أمدّ من الغيب بعلم لدنيّ يعطيه العلم بتلك الصور وما تأويلها وما يراد بها ، يعني في اليقظة . وهذا التعبير منه والتأويل لا يخطئ ، ويكون مضاهيا للكشف الصحيح ، أو يعطيه الحقّ أمرا آخر في الرؤيا ، إذا أراد أن يعلمه بأمر من أمور الغيب أمر الملك الموكّل بالرؤيا أن يصوغ له جسدا على نسبة ذلك الغيب الذي وقع به الإخبار ، ولم يكن ذلك من طارق لخاطر على القلب ، وإنّما هو وحي إلهيّ يوحيه للروح المتمكّنة من حضرة القدس ، ويعطيها العلم معه بصورة الشيء المرئي وما تأويله وما يراد منه . ومثال هذا ، قوله صلّى الله عليه وسلّم : « بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فوقع أحدهما باليمامة والأخر باليمنفقيل له ما أوّلتهما يا رسول الله فقال صلّى الله عليه وسلّم أوّلتهما كذّابيْن يخرجان من بعدي » ، والنسبة التي وقع التعبير بها ، لمّا كان الذهب أشرف المراتب المعدنيّة وأعلاها ناسب رتبة الرسالة في المرتبة الآدميّة لأنّها أعلى الكمالات الإنسانيّة ولا كمال أكبر منها ، ثمّ أضيف السوران إليه ، ثمّ جعلا في ذراعيه ، إشارة إلى أنّهما واقعان في وقته صلّى الله عليه وسلّم ويدّعيان مرتبته صلّى الله عليه وسلّم .
وما في الحديث من قوله: « كذّابين يخرجان من بعدي » إمّا أنّه إعطاء الحكم مرتبة القرب ، ما قارب الشيء يعطى حكمه ، لما قربت وفاته عليه الصلاة والسلام قاما هناك فكانا كأنّهما خرجا من بعده . وإمّا أنّ البعديّة ههنا بعد فراغ الرسالة وفراغ زمنها ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم حين نزلت عليه إذا جاء نصر الله أعلمَ أنّها نعيت إليه نفسه ، وفيها إخبار بانقضاء زمن رسالته، بقوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ إلى آخر الآية ، لأنّه في زمن الرسالة والتردّد بين أحوالها وأحكامها ، وإصلاح مجاريها وتمهيد طرقها ، ومكابدة ما يبدو له من الخلق على اختلاف مراتبهم وتبليغ كلّ مرتبة ما تختصّ به من الحكم الإلهيّ . وهذا التعب إذا تحمّله لله بالله فإنّ روحه القدسيّة كانت قبل الرسالة في نعيم لا يماثله نعيم ، وفي صفاء من الوقت وهناء من العيش لا يدرك قياسه ، فلمّا وجّهه الله تعالى مع هذا إلى الرتب الخلقيّة وتربيتهم وإرشادهم وتحمّل ثقل أعبائهم ، على ما فيهم من البعد عن الحضرة الإلهيّة ، فلمّا قال له: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، المراد به فتح مكة ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، أخبره في هذا ، وأشار له إلى أنّه بزغت شمس الوقت الذي يردّه إلى الحالة الأولى ، وهي تفرّده بالحقّ في حضرة قدسه وعدم التوجّه لغيره ، وحيث يطيب له النعيم كالنعيم الأوّل . فلمّا انتهى وقت الرسالة وانقضى ، و تمكّن ما يراد منها ، كأنّه صلّى الله عليه وسلّم فرغ عمره ، فهناك قام الملعونان بعد انقضاء مدّة الرسالة ، فصدق « يخرجان من بعدي » ، فكان مسيلمة باليمامة ادّعى الرسالة ، والأسود العنسيّ ادّعى الرسالة باليمن .
وكقوله صلّى الله عليه وسلّم « رأى الليلة رجل صالح نيط أبو بكر برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونيط عمر بأبي بكر و نيط عثمان بعمر » ، و معنى هذا تتابعهم بالخلافة .
وإن كانت القوّة المتخيّلة في غاية الضعف لقوّة ضعف قلب صاحبها ، والقلب الضعيف هو الذي ألِف العادات ، وأغرق في بحر الجبلاّت ، وألِف اللهو واللعب والخوض في قيل وقال ، وفي خذ وهات ، حتّى كشف له الحجاب بينه وبين الحضرة الإلهيّة وعدم خبر النور ، صاغ له الملك على قدر خواطره الغريقة في بحر الظلام فكانت رؤياه أكثرها كذبا لا يبالى بها ، وهذه هي مرتبة النفس البعيدة عن الله . وما بين هذه والتي قبلها أمور كثيرة ، لكلّ مرتبة حكم على قدر ما يناسبها .
وأصل الرؤيا كلّها إمّا من عالم الخواطر وإمّا من عالم الوحي فيها هو كاليقظة للروح المتمكّنة من الصفاء ، ويبعد غوره على بعد الروح من التمكّن من الصفاء . وعالم النوم شامل لعالم الخواطر وعالم الوحي . وأمّا ما يصدق من مرائي بعض الكفّار فإنّما فيها حقّ لبعض أهل الله ، كرِؤية العزيز حقّ لسيّدنا يوسف عليه الصلاة و السلام ، ورؤيا موبذان كسرى إنّما فيها حقّ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم و تمكين دينه . وأمّا تفسير الرؤيا فلا تحلّ لأحد أن يتكلّم فيها إلاّ إذا علم تأويلها ، ولا يعلم تأويلها إلاّ صدّيق أو من قارب مقام الصدّيقيّة . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
قال عليه الصلاة والسلام : « ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام » ، مع أنّ المعتقد والذي يجب المصير إليه أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حيّ في قبره بذاته الشريفة التي كان عليها في دار الدنيا مع أنّ روحه الشريفة دائمة في حضرة القدس أبد الآبدين . ومعنى حياته في قبره ، أنّ الروح تمدّ الجسد في القبر بنورها من الحضرة القدسيّة ، فهذا معنى الحياة في القبر ، وكذلك حياة العارفين .
وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام : « إلاّ ردّ الله عليّ روحي » يعني روحه التي في حضرة القدس ، ترجع إلى جسده الشريف لردّ السلام على المُسَلِّم عليه، وترجع إلى مقرّها وهي حضرة القدس ، والسلام . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه ، قال : ورد في الحديث ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا أعلم عزير نبيّ أمْ لا » وهذا قبل علمه عليه السلام بنبوّته عليه السلام ، وهو صاحب الحمار الذي ذكره الله في الآية ، وهو قوله : فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أيّ لم يتغيّر ، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فوجده لم يبق له أثر ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فأحيا الله له الحمار في الحين ، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إنّه تشكّى إلى الله مرّة ، حين كان أسيرا في يد بختنصر ، قال : ربّ فعلت في بني إسرائيل ما هو كيت و كيت أمورا مستقبحة عاديّة تكرهها الطباع ، وهدمت بيت عبادتك ، فنزل إليه ملك قال له : يا عزير جئتك لأسألك فتخبرني . أخبرني كم في البحار من قطرة ، وكم في الأرض من رملة ، إلى أمور ذكرها بعيدة لا يحصيها العقل . فقال عزير : من يحصي هذا ويعلم هذا ؟ قال له : من يسأل عمّا لا علم له به . ثمّ قال له : أرأيت لو اشتكت لك الأرض والبحر . قال لك البحر ضقت بما في من خلق ربّي وأريد أن أمتدّ في الأرض ليتّسع الحال على الخلق الذي في جوفي ، فقالت لك الأرض ضقت بما في من خلق ربّي وأريد أن أمتدّ في البحر ليتّسع الحال على ما في من خلق ربّي ، ماذا كنت تحكم بينهما ؟ قال له : أقول لهما كلّ منكما أتى بحجّة لا تنفعه ، إنّ الله قدر لكلّ منكما قدرا ، وَحَدَّ لكلّ منكما حدّاً لا يتعدّاه ، فلا سبيل إلى ما تريدان . فقال له الملك : فهل لا حكمت بهذا على نفسك ؟ أراد الملك أنّ الذي أنت فيه وبختنصر فيه كلّ منكما له حدّ عند الله لا يتعدّاه والسلام . إنتهى من أملائه علينا رضي الله عنه .
وقال : لمّا ذهبت التوراة من يد بني إسرائيل ، وردّها الله على بني إسرائيل بعد ذهابهم ، فالتفتوا إلى التوراة فلم يجدوا لها محلاّ ولا أصلا ، فتضرّع عزير إلى الله عزّ وجلّ في ردّ التوراة عليهم ، فصبّه الله في صدره فيضا إلهيّا ، فأخرجها لبني إسرائيل فكتبوها من حفظه إنتهى من إملائه عليهم .
قال عليه الصلاة والسلام : « لو أرسل حجر من السماء إلى الأرض لوصل من الصبح إلى الليل وهذا الحجر لو ألقي من رأس جهنّم منذ سبعين سنة ما بلغ قعرها إلى الآن » . ثمّ ذكر صلّى الله عليه وسلّم أنّها تملأ من الإنس والجنّ ، وفي كلّ يوم وليلة يقطع ألف عام ، ثمّ تضرب هذا العدد في سبعين ، فيخرج أربعة وعشرين ألف عام وسبعمائة ألف وثمانون ألفا ، فهذه مدّة جهنّم بين الفلكين ، أعني رأسها وقعرها ، أعاذنا الله منها بمنّه وكرمه ، آمين . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وفي الحديث ، قال عليه الصلاة والسلام : « غشيتكم السكرتان سكرة حبّ العيش وسكرة حبّ المال فعند ذلك لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ويكون القائم بالكتاب والسُّنّة كالسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار » ، إنتهى .
وفي الحديث أيضا ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « العمل في الهرج كالهجرة معي أو كالهجرة إليّ » ، إنتهى .
وفي الحديث أيضا ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ولفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد » ، إنتهى . قال سيّدنا رضي الله عنه : المراد بالفقيه هنا العارف بالله تعالى . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث « لا يقبل الله منه لا صرفا و لا عدلا » فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناه لا يقبل الله منه شيئا من أعماله ، والعرب كانت تستعمل هذين اللفظين ، يقولون : لا أقبل منك صرفا ولا عدلا ، يعني بالصرف صرف الدنانير بالدراهم ، والعدل هي الموازنة إذا أردوا أن لا يقبلوا من أحد شيئا . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
قيل للشاذليّ رضي الله عنه : ورد في بعض الأخبار في الحديث أنّه يقول : « من خرج لي عن كلّ شيء بهجراته لكلّ شيء تجلّيت له في كلّ شيء حتّى يراني كأنّي كلّ شيء » ، قال الشاذليّ للسائل : هذه طريقة العوامّ ليست طريقة الخواصّ الأكابر . وأمّا طريق الخواصّ كأنّه يقول فيها : من أقبل لي على كلّ شيء بحسن اختياري في كلّ شيء قطعته عن كلّ شيء حتّى يراني أقرب إليه من كلّ شيء . فالأوّل مشهد العارفين ، والثاني مشهد الأفراد ، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه ، آمين . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ثمّ قال رضي الله عنه : وتوبة الخواصّ الرجوع من كلّ شيء إلى الله بالبراءة من جميع غيره ، دلّ على هذه التوبة الحديث بقوله صلّى الله عليه وسلّم: « هاجروا إلى الله من الدنيا وما فيها » ، والآية أيضا دلّت على هذه التوبة ، قال سبحانه وتعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ الآية . وعند العارفين كلّ ما شغل عن الله ، ولو لحظة من الدهر ، فهو إله دونه ، فما يشتغلون عن الله طرفة عين ، فهذه توبة العارفين ، والسلام . إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه : ورد في الحديث الشريف : « أنّ من قرأ سورة الإخلاص مائة ألف مرّة أعتقه الله من النار وبعث مناديا ينادي في القيامة من كان له ديْن على فلان فليأتني أؤدّه عنه » ، وليفعل ما يقدر عليه في كلّ يوم حتّى يكمل ، وتلاوتها مع البسملة في كلّ مرّة ، واستقبال القبلة ، وعدم الكلام في وقت الذكر . وفيها عدد ثلاثة وثلاثون ألف سلكة وثلاثمائة سلكة وثلاثة وثلاثون سلكة وثلث سلكة ، وفيها عشرة آلاف قصر في الجنّة . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
سئل رضي الله عنه عن معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم : « ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض » الحديث .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : إعلم أنّ البساط الذي آثار هذا الحديث منه صلّى الله عليه وسلّم أنّ العرب كانت عادتها اتّباع الرؤساء في الحجّ في كلّ ما يأمرون به وينهون عنه ، وكانت هذه عادة العرب ، وسبب ذلك أنّ بعض أبناء العرب كانت أمّه وهبته طفلا للكعبة، يخدمها لله تعالى مملوكا ، فكان لا يخرج من الكعبة للخدمة ولعبادة الله تعالى ، ولا يلتفت لشيء من أمور الدنيا ، ولا يتوجّه لقليل ولا لكثير ممّا الناس مكبّون عليه ، وليست همّته إلاّ خدمة الكعبة وتعظيمها ، فنشأ كذلك إلى أن كبر ، فأعظمت العرب شأنه لمّا رأوه كذلك واعتقدوا أنّه من أكبر المقرّبين إلى الله تعالى ، فكانوا يخرجون به في الحجّ في كلّ عام يقتدون به ويتبعونه لتعظيمه في قلوبهم ، فما زال كذلك إلى أن مات ، وكانت العرب في ذلك الوقت شأنها التطيّر والتفاؤل بالأمور ، فرأوا في أنفسهم أنّهم أصابوا خيرات كثيرة في دنياهم بسبب متابعتهم له في الحجّ ، وربّما توجّه بعضهم إليه في الأمور يسألها لهم من الله عند الكعبة فتقضي به حوائجهم ، فزاد تعظيمه في قلوبهم ، فكانوا كذلك يتبعونه في كلّ ما فعل في الحجّ ، يقتدون به ويمتثلون أمره ، فما زال كذلك حتّى توفّي ، فاجتمعت العرب على قبيلته ، وهم يقال لهم النساة في العرب ، فقالت العرب لقبيلته : قدّموا لنا منكم واحدا نقتدي به في حجّنا ، فقدّموا واحدا منهم ، فما زالوا كلّما توفّي واحد قدّموا مكانه آخر من تلك القبيلة ، فما زالوا واحدا بعد واحد إلى أن قام عليهم الإسلام . فكانت رؤساؤهم بعد ذلك الشخص الأوّل ربّما ضاق عليهم الحال من الأشهر الحرم لكونهم لا يقتتلون فيها ولا يقتلون فيها أحدا أصلا ، فربّما ضاق حالهم من تركهم الأمور في الأشهر الحرم ، فطلبوا من رئيس الحجّ أن يُحِلّ لهم الشهر الحرام وهو المحرّم ، يجعله لهم حلالا ، ثمّ يجعل مكانه صفر هو المحرّم ويحرّمه لهم ، ثمّ تنتقل الشهور على هذا المهيع . فكانت السنة عندهم ثلاثة عشر شهرا في كلّ سنة ، فإذا فرغوا من الحجّ اجتمعوا عليه فأحلّ لهم المحرّم وجعله في مكان صفر من العام السابق ، ثمّ في كلّ عام ينقل المحرم إلى محلّ صفر في العام السابق ، فلا يزال هكذا ينتقل المحرّم في الشهور ، والشهور تنتقل بانتقاله ، فيصير الشهر الحلال حرام والشهر الحرام حلالا ، فلا يزال كذلك إلى أن يرجع المحرّم إلى محلّه في الدورة الأولى ، ثمّ يحدث له دورة ثانية وثالثة ، وهكذا . فما زالت عادة الرؤساء في العرب على هذا المهيع ، والشهور كلّها تحسب بذلك الحساب لا يتخطّاها أحد ، إلى أن كانت الحجّة التي قبْل حجّة الوداع ، حجّ أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، بعثه صلّى الله عليه وسلّم ليحجّ بالناس ، وقد حجّ المسلمون والمشركون ، وقد حجّ بالناس رئيس النساة ، كان يركب على حمارة ويجيز بالناس في الحجّ فيقتدون به في كلّ ما فعل ، وقد حجّ على حمارته تلك أربعين سنة ، وكانت تلك الحجة في ذي القعدة ، وهي المسمّاة بذي الحجّة عندهم ، وأحلّ لهم الشهر الذي يليها وهو المحرّم في عادتهم ، والشهر الذي أحلّه في عادتهم هو شهر ذي الحجّة المقرّر عند الله تعالى في الغيب ، وهو عندهم المحرّم عادة ، فأحلّه لهم ونقله إلى شهر صفر وجعله هو المحرّم عندهم ، وذلك المحرّم في تلك السنة هو الشهر المحرّم عند الله تعالى في الغيب ، و تابعته الشهور في ذلك العام على سُنّتها ، كلّ شهر في محلّه المسمّى به في الغيب عند الله تعالى ، فحجّ صلّى الله عليه وسلّم في العام الذي بعد أبي بكر ، وقد كان شهر ذي الحجّة في ذلك العام جاء في محلّه المقرّر عند الله تعالى في الغيب ، حيث كانت الشهور كلّها في محلّها . وقد كان صلّى الله عليه وسلّم في السنة التي حجّ فيها أبو بكر بالناس ، حجّ الناس مختلطين ، مؤمن ومشرك ، وبعد أيّام من سفر الحجّاج من عنده صلّى الله عليه وسلّم بعث عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بسورة براءة ليقرأها على الناس في الموقف ، وأن لا يحجّ بعد هذا العام مشرك ، وأنّ الله بريء من المشركين ورسوله ، إلى آخر ما ذكره الله تعالى من الأحكام المقرّرة في تلك السورة . وقرأها عليّ على الناس بالموقف، ووقع النداء بعدها في الموقف أن لا يحجّ بعد هذا العام مشرك ، وأخبرهم فيها أنّ النسيء زيادة في الكفر من تبديل الشهور ، وتصيير الشهر الحرام حلالا والحلال حراما ، والسنة ثلاثة عشر شهرا في كلّ سنة ، فأنزل الله تعالى في هذا الأمر في سورة براءة ، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، ثمّ استمرّت الآية إلى أن ذكر الله سبحانه وتعالى ما أسّسوه في دينهم من قوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ، وكان رئيس المشركين حجّ في ذلك العام ، ونقل شهر المحرّم على عادته إلى شهر صفر ، وكان صفر الذي نقل اليه المحرّم هو المحرّم الأصليّ ، ووقعت الشهور بعده في أصولها ، وحجّ صلّى الله عليه وسلّم في العام الثاني فطابقت حجّته صلّى الله عليه وسلّم شهر ذي الحجّة الأصليّ . و لمّا علم صلّى الله عليه وسلّم ما اعتادته العرب من تبديل الشهور ونقْلها عن أماكنها إلى غيرها ، قال لهم صلّى الله عليه وسلّم ، حين فرغ من الحجّ : « ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض » ، يريد بذلك صلّى الله عليه وسلّم أنّ الشهور كلّها رجعت إلى أصولها الأولى بصيرورة كلّ شهر في مكانه الذي قرّره الله تعالى فيه يوم خلق الله السموات والأرض ، ونهى صلّى الله عليه و سلّم عن النسئ في الشهور التي كانت تعتاده العرب وأبطله ، وترك الشهور في أماكنها إلى يومنا هذا . فهذا معنى الحديث ، والسلام .
ثمّ اعلم أنّه لم يكن في الأمم الماضية قبل نوح عليه الصلاة والسلام كفْرٌ ، وقد بعث الله قبله رسلا كثيرين جدّا لتقويم الأحكام الإلهيّة مع الإيمان ، فكانت الأمم تهلك بعصيانها لرسلها، بتحدّي الأحكام في الأفعال فقط دون إيمان ، إذا لا كفر فيهم ، إنّما كانوا ينهون عن أمور محرّمة عليهم فيتخطّون الحدّ فيها فيهلكهم الله مع إيمانهم . فكان أوّل رسول بعث إلى الكفرة هو سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام ، وكان قومه يعبدون الأوثان ، فبعثه الله إليهم بتفريد العبادة لله تعالى وترْك ما يعبد من دونه ، فكذّبوه وكفروا به وسرمدوا على عبادة أوثانهم ، فأهلكهم الله تعالى كما ذكر في الطوفان . وكان من جملة أوثانهم : ودّ ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا . وكان سبب عبادتهم لهؤلاء الخمسة أنّ الأسماء هذه كانوا لرجال صالحين قبل نوح عليه الصلاة والسلام ، وكانوا معظّمين عند العامّة لقيامهم بأمر الله تعالى ، فما زال تعظيمهم بعد موتهم ، يعظّمهم العامّة غاية ويتشفّعون بهم إلى الله تعالى في الأمور ، فسوّل لهم الشيطان وقال لهم : لو عبدتموهم ليكونوا لكم شفعاء عند الله تعالى ، ومقرّبين لكم إليه لكان هو خيرا لكم ، فعبدوهم على هذا المهيع ، وذلك قبل نوح عليه الصلاة والسلام ، ثمّ استمرّ فيها فيهم ذلك إلى أن هلكوا بالطوفان . وإنّما كان أمرهم ، حين سوّل لهم الشيطان ما سوّل ، أنْ نحتوا بأيديهم وصوّروا أوثانا سمّوها بأسماء أولئك الرجال الصالحين ، ثمّ عبدوها ، إلى أن هلكوا . فهذا سبب عبادتهم .
وأمّا ما يسمع في العرب من أسماء هؤلاء الأوثان من بعدهم ، فإنّما سمّوها بأسماء أولائك الأوثان التي كانت في عهد سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام فقط ، فهذا خبرهم . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه ، والسلام .
وسئل رضي الله عنه عن معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث : « كان جبريل يدارسني القرآن في رمضان مرّة » الحديث ، ما معنى المدارسة ؟
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ حقيقة المدارسة هي المفاعلة عند العرب ، وهي أمر واقع بين شخصين أو أشخاص ، كلّ واحد عامل في الآخر كالمشاركة والمشاطرة والمضاربة والمناقلة والمذاكرة والمحادثة ، إلى غير ذلك من ملابستها للمعاني ، أعني لفظة المفاعلة . وحقيقة المدارسة تطلق على التلاوة وعلى المساءلة والبحث في معاني الأمر المتلوّ . يقول صلّى الله عليه وسلّم : « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ حفّتم السكينة » الخ الحديث ، فهذه المدارسة وهي البحث في معاني القرآن والتماس غرائبه ، قال سبحانه وتعالى : وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ، فالمدارسة هي البحث في معاني الكتب ، كلٌّ من المتدارسين يستفيدون من الآخر ، وكون ذلك الأمر في رمضان لأنّ رمضان محلّ فيوضات مواهب الحقّ سبحانه وتعالى ، ومحلّ فيوضات رحمته الإلهيّة ، ومن جملة ذلك فيوض الأسرار والعلوم والمعارف والأنوار على قلوب الصدّيقين في رمضان ما لا يجدونه في غيره . ولذا خصّت المدارسة في رمضان لما يفيضه الحقّ من الأسرار والعلوم والمعارف والمواهب والأسرار على قلوب كلّ واحد منهما ، فكلّ واحد منهما يستفيد من الآخر ما لم يكن عنده ، فهذا هو المعنى الأول . والمعنى الثاني أن يكون كلّ منهما يتلو على الآخر القرآن وهو يسمع له فيستفيد السامع من القارئ بسبب الاستماع علوما وأسرارا ، وكذا القارئ يستفيد من السامع له علوما وأسرارا ، فكلّ منهما قارئ ومستمع ، وكلّ منهما مستفيد ومفيد . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه ، والسلام .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم : « حفّت الجنّة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات » فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الله تبارك وتعالى من محض فضله وجوده وكرمه يغفر من الذنوب العظام بالكرب والشدائد و المصائب وما لا يغفره بكثرة الأعمال الصالحات حتّى يتمنّى العبد يوم القيامة أنّه لم يَصْفَ له وقت من الأوقات ، فإنّ الله إذا عرض على العبد أعماله في صحيفته ، يقرأ ما فيها من الذنوب ، فإذا وجد في صحيفته كربا ألمّ به يقول الله سبحانه وتعالى : بهذا الكرب غفرنا لك ما تقدّم من ذنوبك وأعطيناك عليه كذا وكذا ، ثمّ يمضي قارئا يقرأ ذنوبه ، كلّما مرّ بكرب من الكروب في صحيفته يقول له : غفرنا لك ما تقدّمه من ذنوبك وأعطيناك عليه كذا وكذا من الثواب إلى آخر صحيفته ، حتّى يتمنّى أنّه ما صفا له وقت من الدنيا ، وهذا هو مظهر الحديث في قوله صلّى الله عليه وسلّم : « عجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل » ، وَهُمْ أصحاب الكروب والشدائد ، وهذا مصداق قوله صلّى الله عليه وسلّم « حفّت الجنّة » الحديث . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة الرابعة

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس