نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الخامس - الفصل الأوّل - الصفحة الثانية :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الخامس > الصفحة الثانية


وممّا يناسب ما تقدّم في الآية السابقة شَرْحُ قولِه تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، قال سيّدنا رضي الله عنه : الخلق في الآخرة ثلاثة أصناف .
الصنف الأوّل : سَهْمُ الرضا منه سبحانه وتعالى ، وَهُمْ الصدّيقون والأقطاب والنبيّون والمرسلون .
وصنفٌ هُمْ سهم الرحمة ، وفي هذا عموم الأولياء والصالحين والشهداء .
وصنف هُم أهل العفو والمغفرة ، وهُمْ عُصَاة المؤمنين .
ومعنى الرضا من الله هو إرادته للعبد غاية الترفيع والتعظيم والإجلال ، والرحمة هي التقلّب في أطوار الشهوات والملاذّ المطلوبات والنعَم المتواترات ، وأهل العفو والمغفرة يعفو عنهم ويغفر أوزارهم . وأمّا رضا العبد عن الله بالثبوت لِمَا يجري عليه من البلايا والمحن ، وهذا مخصوص ببعض الصدّيقين . ومعنى الصدّيق هو كَماُلَ صَحْوُهُ مِنْ غَرَقِ المشاهدة حتّى يصير كحالة العامّة ، من يراه يقول هذا ليس بِمُدْرِكٍ شيئا ، ويُعْطِي المراتب حقّها من الحقيّة والخلقيّة ، قال بعض التابعين لابن سيرين رضي الله عنه ، وهو من أكابر التابعين صَحِبَ كثيرا من الصحابة ، قال : كيف كانت الصحابة ؟ قال : كالناس ، ثمّ أنشد بيتا :
يحبّ الخمر مِن كأس الندامَى      ويكره أنْ تفارقه الفلوس
وأمّا الصنف الرابع ، وَهُمُ الأعلوْن ، حيث قال تعالى في حقّهم : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، وَهُمْ أكبر من أهل الرضا ، المخصوصين بمحبّة الذات العليّة ، وما ذُكِرَ قبل من الصدّيقين والأقطاب والنبيّين والمرسلين فيه تسامح لأنّهم أهل المحبّة الذاتيّة ، فالناس حينئذ : مُذْنِبُون ، ومُوَفّون بعهود الله ، وخاصّةٌ ، وخاصّة الخاصّة . فالمذنبون معلومون ، والموفّون بعهد الله هُمْ طوائف المؤمنين مِنْ حِفْظِ العهود ورَعْيِ الحدود إلاّ أنّهم أصحاب حجاب ، فالمذنبون سَهْمُ العفوِ ، والمُوفّون بعهد الله سَهْمُ الرحمة ، والخاصّة هُمْ الذين انكشفتْ لهم صفات الله تعالى من وراء سبحات الجلال فأذاقتهم لذّة تلك المشاهدة أنْ حَمَلُوا ما لا تطيقه الجبال من البلايا والمِحَنِ ، فَهُمْ خاصّة الله من خلقه وَهُمْ أهل الدرجة العليا . والطائفة الرابعة هم الذين انخرقت لهم جميع الحجب حتّى وصلوا إلى محبّة الذات العليّا ، وَهُمْ خاصّةُ الخاصّةِ ، فَهُمْ أكبر رتبة وأعلى منزلة من الذين قبلهم ، وَهُمْ أهل شهود الصفات ، هُمْ أهل الرضا منه سبحانه وتعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه . وأمّا خاصّة الخاصّة فقد قال في حقّهم : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، فَهُمْ أهل الرتبة العالية لا رتبة فوقهم ، وفي هذه المرتبة الصدّيقون والأقطاب والنبيّون والمرسلون لأنّ الصدّيقيّة تجمع الجميع ، فكلّ نبيّ ووليّ ورسول صِدّيق ولا عكس ، يقول سبحانه وتعالى في حقّ إبراهيم عليه السلام ، وهو من أكبر الرسل مقاما ، قال فيه : إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ، فالصدّيقيّة جامعة ولا عكس .
وأمّا محبّة الله لهؤلاء الأكابر فهو إرادته بهم غاية التعظيم والإجلال والتكريم والترفيع ، وأمّا محبّتهم له سبحانه وتعالى فإنّما يحبّون ذاته العليّة المقدّسة لا لشيء ، وهي لا تُعْقَلُ ولا تُكَيَّفُ وإنّما يَعْقِلُهَا مَنْ ذاقها ، وفي معنى هذا قال المرسي رضي الله عنه : " إنّ لله عبادا يُظْهِرُهُم في البداية ويسترهم في النهاية ، وإنّ لله عبادا يسترهم في البداية ويُظهِرهم في النهاية ، وإنّ لله عبادا يسترهم عن العامّة ويظهرهم للخاصّة ، وإنّ لله عبادا ضَنَّ بهم عن الخاصّة والعامّة فلا يُظهِر حقيقة ما بينهم وبينه حتى للحفظة فمن سواهم حتّى يَتَوَفّى أرواحهم بيده ، فَهُمْ شهداء الملكوت الأعلى وَهُمْ أهل الصفّ الأيمن من العرش " . فهؤلاء خاصّة الخاصّة ، جعلنا الله منهم جميعا بمَنِّه وكرمه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ الآية . فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناه أنّه لا أحد أحسن دينا ممّن أسلم وجهه لله وهو محسن كما قال في الآية الأخرى : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ الآية ، والوجهة هنا التي يسلمها إلى الله هي توجّه القلب إلى الله تعالى بالإدبار عن كلّ ما سواه ، يقول صلّى الله عليه وسلّم : « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم » ، وفي رواية : « إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » ، والإحسان فيها هو ما قاله صلى الله عليه وسلم : في قوله في تفسير الإحسان : « أن تعبد الله كأنّك تراه » ، هذا الإحسان : إسلامُ الوِجْهَةِ إلى الله تعالى . وقوله : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا هو ما قال الله سبحانه وتعالى في حقّ سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يفسره قوله ما ذَكَرَ الله عنه بقوله حيث قال لقومه : أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ الخ الآية . و أمرتْ هذه الأية كلّها باتّباع ملّة إبراهيم كما أمَرَ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم باتّباع ملّة إبراهيم ، وملّته هو ما ذُكِرَ قبل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا الآية ، وهذا الأمر باتّباعه إنّما هو تشريف لسيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقد أُعْطِيَ سيّدنا إبراهيم مِنْ مقامه صلّى الله عليه وسلّم الخضوع و التذلّل لعظمة تجلّيه سبحانه وتعالى ، فما رفع صوته بالغيظ على أحد قطّ لعظمة ما هو فيه من التجلّي لعظمة تجلّي الحقّ على قلبه بالعظمة والكبرياء ، ولذلك لم يتجرّأ عليه صلّى الله عليه وسلّم بقوله إرجع إلى ربّك فاسأله التخفيف ، كما قال له موسى عليه السلام ، لعظمة التجلّي على قلبه ، وقد أعطى جميع الأنبياء والرسل ، كلّ واحد أعطى نبذة من مقامه صلّى الله عليه وسلّم لأنّه هو الجامع المحيط والنبيّون والمرسلون كلّهم نُقَط من بحره صلّى الله عليه وسلّم ، وأمّا موسى تجرّأ عليه صلّى الله عليه وسلّم بطلب التخفيف ، كان في الوقت نظرُه إلى الرحمة الإلهيّة فلذلك تجرّأ عليه وردّه إلى طلب التخفيف ، وسيّدنا إبراهيم عليه السلام لم يتجرّأ عليه لعظمة تجلّي الحقّ على قلبه . إنتهى ما أملاه علينا سيّدنا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : إعلم ، معناه فرّوا إليه بعبادته دون غيره ، عبادةً واستنادًا واعتمادًا والْتجَاءً واختيارًا له من جميع خلقه ، وفي التعويل عليه والبراءة من جميع غيره مساكنة وملاحظة واعتبارا ، فهذا هو الفرار إلى الله . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : هو خطاب منه سبحانه وتعالى في بساط الحكمة ، ثمّ خطابه في بساط الحقيقة والمشيئة ، هو قوله تعالى : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ، فهذا هو الواقع لأنّ خطاب المشيئة لا يتأتّى انتفاؤه ، وأمّا خطاب الحكمة يمكن انتفاؤه في بعض الموجودات ، لأنّ أمْرَ الله مَسُوقٌ إلى المشيئة لا إلى الحكمة ، والحكمة سجاف على المشيئة . قال صاحب الحِكَم رضي الله عنه : " إلى المشيئة يستند كلّ شيء ولا تستند هي لشيء " إنتهى ، يعني لا يُقَالُ : لِمَ شاء الله هذا ؟ ولِمَ يعمل هذا ؟ فلا علّة لاختياره ومشيئته سبحانه وتعالى ، وكلّ الكون بأسره بارزٌ عن المشيئة ، فما شذَّ منه شيء قَلَّ أو جَلَّ عن المشيئة الإلهية لأنّ التكوين من حيث ما هو هو في جميع المكونات إنّما برز عن الكلمة الإلهية بقول كُنْ ، والكلمة الإلهية مشروطة بتقدم المشيئة الإلهية ، ما قال لشيء كُنْ إلاّ بتقديم مشيئته على تكوينه ، قال جلّ جلاله : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وقوله سبحانه وتعالى : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فما تخلّفت المشيئة عن الحكمة الإلهية . يقول سبحانه وتعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وذلك خطاب في عالم الحكمة فلذلك وقع فيه التخلّف وكَفَرَ كثيرٌ من الخلق بالرسل ، ولو كانت طاعة الخلق مقرّرة في المشيئة ما أمكن أنْ يَعصِي الرسلَ أحدٌ ولا أنْ يتخلّف عنهم ، قال سبحانه وتعالى لأكبر رسله صلّى الله عليه وسلّم : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، فبيّن هذا أنّ هداية جميع الخلق للرسل ليست مقرّرة في المشيئة إذْ لو كانت في المشيئة لَمَا وقع العصيان من أحدٍ للرسل ، يقول سبحانه وتعالى لنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم : وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ حين كفروا وأعرضوا ، يريد : ولم تصبر نفسك لهذا فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ الآية يريد : لكي يتّبعوك ويؤمنوا بك ، ثمّ أظهر له أنّ ذلك الواقع منهم كان مشيئته سبحانه وتعالى ، لقوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ، أبان بهذا أنّ كفرهم كان عن مشيئته وصار له في هذا الخطاب إلى قوله سبحانه وتعالى : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، أبان بهذا الخطاب سبحانه وتعالى أنّ كُفْرَ الكافر وضلالَ الضالِّ وإسلامَ المسلم وهدايةَ المهتدي كلّ ذلك بَارِزٌ عن مشيئته الإلهية . يقول صلّى الله عليه وسلّم : « بعثت داعيا وليس لي من الهداية شيء وبعث إبليس داعيا وليس له من الغواية شيء » ، إنما ذلك صادر عن مشيئته التي لا يمكن التخلف عنا لأحد . قال ابن العريف رضي الله عنه ، يقول في الله تعالى : " ليس بينه وبين العباد نَسَبٌ يصطفيهم لأجله أو يعطيهم لأجله ليس إلاّ العناية وهي المشيئة, ولا سبب إلا الحكم و لا وقت إلا الأزل، وما بقي فعمى و تلبيس " . ومعنى الأزل : هو الذي فيه وجود الحقّ وحده ليس لشيء فيه نسبة ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « كان الله ولاشيء معه » ففي ذلك الوقت أعطى ما أعطى وفضل ما فضل فلم يبق إلا الرضا والتسليم لمجاري الأقدار . وتفسير الأزل من كلام سيّدنا رضي الله عنه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى الاجتباء هو جذب الله تعالى العبد إلى حضرة قدسه بحُكْم الفضل والجود والعناية بلا تَقَدُّمِ سببٍ من العبد ، والمجتبى يُسَمَّى محبوبا ومصطفى ومرادا ومُعتنَى به ، فهذه الأسماء كلها أسماء للمجتبى ، وهذا الاجتباء سبق به الحكم الإلهي في الأزل بلا علّة ولا سبب ، ولذا قيل : " كَمْ من صدّيق في الغبا وكَمْ من عدوّ في العبا " ، والغبا هو الجهل والضلال والكفر والمخالفة ، فهذه الأمور كلّها لا تضرّ لأنّ العناية كافلة وشاملة له ، وفي هذا يقول صلّى الله عليه وسلّم في هند بنت عتبة ، وكانت في أعظم العداوة لله ورسوله وأكلت كبد حمزة رضي الله عنه غيظا وحقدا ، قال : « لا يجتمع كبد حمزة والنار في جوفها أبدا » ، أخبر صلّى الله عليه وسلّم بأنّها سعيدة بأرباح العناية الأزليّة ولم يضرّها ما فعلتْ . والعبا هي العبادة والتقرّب إلى الله تعالى ، فَكَمْ فيها لله مِنْ عدوّ ويعني في الغيب أنّه يموت كافرا ، وكذلك ما وقع لعمير بن وهب حين كان قاصدا قَتْلَ النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان من صناديد قريش ومن شياطينهم ، فلمّا رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الباب والسيف في عنقه اغتاظ ودخل على النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال له : هذا عمير بن وهب دعني أقتله فإنّه ما جاء لخير وهو الذي حزرنا للقوم يوم بدر ، قال صلّى الله عليه وسلّم : دَعْهُ ثمّ أدخله عليه ، قال صلّى الله عليه وسلّم : ما جاء بك ، قال له : جئتكم لتحسنوا إليّ في هذا الأسير ، وكان ابنه أسيرا ، فقال صلّى الله عليه وسلّم ، بل جلستَ أنت وصفوان بن أمية في الحجر وليس معكما غيركما ، وذَكَرَ له جميع ما تحدّثا به ، إلى أنْ قال له : وجئتَ لتقتلني ، فقال له عمير : لو كان معنا ثالث لقلتُ أَخْبَرَكَ بذلك ، وأنا الآن أيقنت أنّ خبرك حقّ فأشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله وحَسُنَ إسلامه ، ثمّ رجع إلى مكّة وصار يدعو الناس إلى الإسلام حتّى أسلم معه خَلْقٌ كثيرٌ ، ثمّ دام على إسلامه رضي الله عنه . فانظرْ هذا الاجتباء الذي اجتباه ربّه فما أثّر فيه عِظَمُ ذَنْبِهِ ولا ما اقترفه من حُوبِة بل تمكّن من صفاء صفوة النور الإلهي وأُلْبِسَ حُلَّةَ القرب وصار عبدا خالصا لله تعالى . قوله تعالى : مَنْ يَشَاءُ أي بلا سبب ولا علّة ، بل بمحض الفضل والجود . قوله تعالى : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ، أيّ مَنْ أناب إلى الله بِصِدْق تَقْوَاهُ ومعاملته لله تعالى بالصفاء هداه إليه حتّى يوصله إلى حضرة قدسه . ولم يذكر الله تعالى في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلاّ الاجتباء ، قال سبحانه وتعالى في حقّ آدم عليه السلام : ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ، وفي حقّ يونس عليه السلام : فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وفي حقّ الأنبياء حين ذَكَرَهُمْ في سورة الأنعام بقوله : وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، فسلكوا الطريق إليه بذلك الاجتباء عليهم الصلاة و السلام . وما ذُكِرَ في الآية مِنَ الاجتباء والإنابة في الطائفة الأولى هُمْ أهل الإنابة ، وصاحبها يُسَمَّى مُريداً ومُحِبّاً ومُخْلِصاً وسَائِراً إلى الله ، قال سبحانه وتعالى في جرّائهم : إنّه بهديهم إليه جزاءً لِتَقَدُّمِ تقواهم، والطائفة الثانية أخبر أنّه اجتباهم بمحض المشيئة بلا تقدّم و سبب وصاحبها يسمى مُصطفى ومُجتبَى ومُخْلَصاً - بِفَتْحِ اللاّمِ - ومُقَرَّباً ومَحْبُوباً ومُرَادًا ومُعْتَنَى به ، وفي هذا يقول بعض الصوفيّة في سيّدنا موسى عليه السلام وعلى نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم : " أنّ سيّدنا موسى عليه السلام لمّا أراد به الارتحال إلى الله والعروج إليه أمَرَهُ بصيام ثلاثين يوما متّصلة ليلا ونهارا ، فلمّا كملت ثلاثون أنكر خلوف فمه فتسوّكَ بِعُودِ خرنوب طلباً لِزَوَالِ ما أنكرهُ من فمه ، فعاتبه الله تعالى على ذلك السواك وأمَرَهُ بزيادة عَشْرٍ لتكمل أربعون ليلة ، وأمّا سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج فلم يَأمرْهُ بعملِ شيء إلاّ المَلَك نزل عليه وقال له : قُمْ ، فعرج به ، فكان سيّدنا موسى عليه السلام مقامه مقام المريد المُحِبّ فأُمِرَ بتقدّم السبب منه ، وسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم مقامه مقام المُراد المُخْلَص المُجْتَبَى فما أمَرَهُ بتقدّم شيء فاجتباه بلا سبب وقرّبَهُ إليه بلا علّة بل بمحض الفضل والجود والكرم " . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
لطيفة : قال سيّدنا رضي الله عنه : ما خلق الله لنفسه إلاّ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم والباقي مِنَ الوجود كلّه مخلوق لأجله صلّى الله عليه وسلّم مُعَلّلٌ بوجوده صلّى الله عليه وسلّم ، ولولا أنّه خَلَقَ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ما خَلَقَ شيئا من العوالم ، فبان لك أنّ الوجود كلّه مخلوق لأجله صلّى الله عليه وسلّم . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن قوله : فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ الآية فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : إعلم أنّ سيّدنا هودا عليه السلام يريد بهذا أنّكم وإن فعلتم ما فعلتم ومكرتم ما عسى أن تمكروا وتوجّهتم بقوّة هممكم إلى أيّ أمْرٍ تريدونه ، قليلا أو كثيرا جليلا أو حقيرا ، لم تخرجوا في ذلك كلّه عن قبضة الله سبحانه وتعالى ، ولن تفعلوا إلاّ ما سبق في مشيئته وعلمه ، ولا سبيل لكم إلى شيء سوى ذلك ولن تجدوا إلى سوى ذلك حوْلا ولا قوّة ، ولا فيكم حركةٌ ولا خطورةُ خاطرٍ ولا تَوَجُّهُ عَزْمٍ ، إلاّ بالله عزّ وجلّ ومِنَ الله عزّ وجلّ ، مصدرُ ذلك كلّه عن حُكْمِهِ وقضائه لا سبيل لكم إلى ما خرج عن هذا الميدان ، وما أنتم إلا بمنزلة الهباء في الهواء تصرفكم رياح الأقدار الإلهيّة ، وحيث كان أمْرُكم هكذا فإنّي رجعتُ إلى الله بالتوكّل عليه والرضا بقضائه والثبوت لمجاري أحكامه على غير ملتفت إليكم في شيء ممّا تخيفونني به أو فيما تَسْعَوْنَ فيه من هلاكي ، فإنّي متحقّق أنّ الله تعالى إذا سلّطكم عليّ نفذ حُكْمه بكم فيما أراده عليّ ولا حيلة لي ولا لكم في صرْف ذلك ، وما لم ينفذ به حكمه فيّ ممّا يُجريه على أيْديكم فلا سبيل لكم إليه ، إنّ ربّي في هذا الحدّ على صراط مستقيم يجري الأمور كلّها على طِبْقِ مشيئته وحُكمِه في سابق عِلْمِه من أفعال المختارين وأفعال الجمادات الذين لا اختيار لهم ، كلّ ذلك مُسْتَوٍ عنده لا ينفلت من ذلك شيء عن حكمه وطِبْقَ مشيئته ، فلا يكون شيء إلاّ ما سبق في علْمه وحَكَمَ به في مشيئته ، وما سوى ذلك فمحض العدم . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسئل رضي الله عنه عن قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ الآية [فأجاب] رضي الله عنه بقوله: معناه يُحتمَل ما دامت سموات الآخرة وأرضها وهي باقية إلى الأبد كأنّه يقول خالدين فيها أبدا ، وقال بعض المفسرين هي صيغة تستعملها العرب إذا أرادت الدوام الذي لا غاية له قالوا مادامت السموات والأرض . وقوله : إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ، فمعنى الاستثناء في الآيتين هُمْ عُصاة المؤمنين الذين ينفذ فيهم الوعيد فإنّ لهم حظا من الشقاوة لكثر جرائمهم ومعاصيهم يدخلون النار مع الكفار ثمّ إنّهم يخرجون منها بإيمانهم ، فهو الاستثناء في أهل النار ولهم حظّ من السعادة بإيمانهم ، وهو محطّ الاستثناء في أهل السعادة ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا الآية ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناه يصحّ أنْ يُقَالَ هُمْ جميع الأمّة المكلّفون بأحكامه ، والقول في هذا أنّهم جميع الأمّة إذ ذلك الذي تقتضيه الأخبار فيما وَرَدَ في فضل الأمّة المحمّديّة ، فإنّه جميع من دخل تحت دائرة الشهادة بالتوحيد والرسالة ، فقد رُوِيَ أنّ القلم لما أمره الله بالكتابة كتبَ في أمم الرسل ، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، في كلّ أمّة كتب في اللوح مَن أطاع الله دخل الجنّة ومَن عصى الله منهم دخل النار ، أمَرَهُ الله بهذه الكتابة في أمم الرسل كلّها . ولمّا كتبَ أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأراد أن يكتب فيهم كما كتب في الأمم قبلهم فقال له ربّه : تأدّبْ يا قلم ، فارتعد القلم من هيبة الله وقال : رَبِّ ما أكتبُ ؟ قال : أكتُبْ " أمّة مذنبة ورَبٌّ غفورٌ " ، هكذا كتب في الأمّة المحمّديّة ، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم : « ما من نبيّ إلا أعطي دعوة معجلة يريد يعجلها فيما يشاء وأنا خبأت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فهي نائلة إن شاء لله من لم يشرك بالله شيئا » ، هذا نصّ الحديث ، لكن لا بدّ من طائفة من هذه الأمّة ينفذ فيهم الوعيد .
الاحتمال الثاني في الآية أنّهم حَمَلَة القرآن فقط بدليل قوله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ الآية ، وعلى كلّ حال فَهُمْ مصطفون عند الله تعالى ، ظالمهم ومقتصدهم وسابقهم ، كلّهم عَمَّتْهُم الصفوة الإلهيّة ، قال سبحانه وتعالى في وعدهم جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا الخ الآية ، وقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية ، يصحّ أن يقال فيهم هُمُ الصحابة فقط لاستكمالهم هذا المطلب العظيم من الآية ، ويصحّ أنْ يقال هُمْ جميع الأمّة ، والكلّ صحيح ، فإنّ الأمّة لا تخلو ممّن هذا وَصْفُهُ إلى الأبد . اهـ ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى في حقّ سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وعن قوله تعالى : يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى الآية ، وعن قول سيّدنا يوسف عليه السلام : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ الآية ، فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال : إعلم أنّ أحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يليق لأحد أن يبحث فيها لأنّ حركاتهم وسكناتهم سائرة مع الذوق وليس لغيرهم ذلك ، فلا يبحث في أحوالهم إلا من ذاق مذاقهم وهذا الباب ممنوع عن كافّة الخلق مسدود ، فليس إلاّ التسليم لهم في أحوالهم ، وقد قال بعضُ مَنْ لا عِلْمَ له في حقّ سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ لمن بان ذلك منه بعض رغبة في الدنيا : تحيّل على الكرسيّ أن يأخذه في زمن كُفْرِهِم ليكون حلالا له قبل إسلامهم لأنّهم إنْ أسلموا حرم عليه أخْذُه ، وهذا الترامي على الأنبياء حرام مستحيل لا يحلّ ولا يتأتّى ولا يبحث هذا البحث في جنابهم بشيء ، فلم يبق إلاّ الرضا والتسليم ، وكذلك ما قالوا في حقّ سيّدنا يوسف عليه الصلاة والسلام حيث قال : إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ مع عِلْمِه بأنّه لم يقع منهم شيء ، وإنّما أراد السرقة بقوله حين سرقوه من أبيه ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : الخلق ههنا ما ظهرت به عين ذات الوجود وهي الصورة المرئيّة : الحماريّة في الحمار ، والآدميّة في الآدمي ، والجمَليّة في الجَمَل ، والشجريّة في الشجر ، والجماديّة في الجمادات ، والحيوانيّة في الحيوانات ، وسِرْ مع تفاصيل الوجود ذرّةً ذرّةً ، هذا معنى أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ . ثُمَّ هَدَى ، المراد بالهداية هنا الهداية العامّة وهي تعمّ الحيوانات والجمادات والمؤمن والكافر ، وهي السير في المسار الذي أقامه الحقّ فيه سبحانه وتعالى من حيث أنّه آخذ بجميع نواصي الموجودات يقودها لما يريده إطلاقا وعموما ما يشذّ موجود عن هذا المسار لقول المعصوم سيّدنا هود عليه السلام : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، في هذا الميدان لا يشذّ عن هذا المسار شيء من الموجودات ، وكلّ ما في الموجودات جامدة ومتحركة ، فالجمادات ألبسها سبحانه وتعالى أرواح الحياة بها تسبّح الله وتقدّسه و بها تخرّ ساجدة لله تعالى لعموم الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الآية ، وبأرواح هذه الحياة فيها صارت عارفة بالله لأنّها لا تسجد ولا تسبّح إلاّ لكونها عارفة بالله تعالى إلاّ أنّ معرفتها وسجودها وتسبيحها له من حيث لا ندركه ، قال سبحانه وتعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ومعنى قوله تعالى : إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، سيره في هذه الجادة لا يختلّ نظامه و لا يقدر شيء من الموجودات أن يستعصي عن أمره . قال الشاذلي رضي الله عنه : " إنّ الكافر وإن لم يُجِبْ داعيَ إيمانك فقد أجاب داعي سلطانك فالكلّ ممتثلون لأمرك " ، ويشهد لهذا قوله تعالى : اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ، لا يستعصي عليه شيء من الموجودات ، قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فكلّ موجود يسبّح الله تعالى غير الكافر فإنّه لا يسبّحه لكن أعضاؤه تسبّح الله من غير شعور منه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله : لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ الآية ، مع حديث آدم عليه السلام في السماء الأولى وحوله نسم بنيه الحديث ، فأجاب رضي الله عنه بقوله: إعلم أنّ الروح الإنساني من حيث ما هي هي يمكن لها أن تترائى في الآن الواحد في أمكنة شتّى لا يصعب عليها هذا القدر ، وكونها تحت الأرض لا يصعب عليها أن تترائى فوق السماء ، هذا الجواب الأوّل . والجواب الثاني : في أمْر النبوّة على أربابها أفضل الصلاة والسلام أنّه يتأتّى له في الآن الواحد أنْ يرى العالم كلّه بين يديه عن يمينه وعن شماله قاصِيهِ ودانيه لا يصعب عليهم هذا ، فكوْن آدم عليه السلام وهو رسول الله وخليفته يرى نسم بنيه على اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم واختلاف أمكنتهم بالقرب والبعد ، يراهم كلّهم حَذْوَهُ عن يمينه وعن شماله وهو من هذا الحدّ الذي ذكرنا ، والسلام .
قلت : والإشكال بين الآية والحديث هو أنّ أرواح الكفّار لا تفتح لهم أبواب السماء وآدم عليه السلام يراها عن شماله وهو في السماء ، فهذا هو الإشكال الذي أجاب سيّدنا رضي الله عنه . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .


<< الصفحة الأولى     الصفحة الثالثة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس