نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الثالث - الفصل الأوّل :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الثالث > الفصـل الأوّل


في عِلْمِه وكرَمِه وسخائه ، وعظيم فُتُوّتِه ووفائه .

أمّا علومه الظاهرة ففاز منها بأوفر نصيب ، وحاز من فروعها وأصولها السهم والتعصيب ، ورقى إلى كلّ مكرمة وفضيلة بسهم مصيب ، ولا يُتحدّث في عِلْمٍ إلاّ تحدّث فيه حتّى يُقال أنّه لا يُحسِن غيره سيما عِلم التوحيد والتفسير والحديث وعِلم السير وعِلم التصوف والأحوال ، وسائر العلوم النقلية من نحو وفقه وعروض وغير ذلك . وقد شارك العلماء في جميع علومهم الظاهرة ولم يُشارَك في العلوم الباطنة بل زاد على الفقهاء زيادة لا يمكن وصفها من حلّ المشكلات وما يعرض من الشُّبَهِ المُعضِلات كما ستقف عليه إن شاء الله في أجوبته عند محلّها . وما تكلّم رضي الله عنه في مسألة علم الظاهر إلاّ خرج منها لعلم الآخرة لا سيما التفسير والحديث لِمَا احتوى عليه باطنه من خوف الله تعالى ومراقبته وعدم الْتفاته لزخارف الدنيا كأنّه يشاهد الآخرة بين يديه ، فإقراؤه للعلوم الظاهرة رجعت كلّها في الحقيقة علوما باطنة ، وكثيرا ما يقول ما معناه : " العالم على الحقيقة مَنْ يُشكِلُ الواضحَ ويوضح المُشكِلَ " لِسِعَةِ عِلْمه ، وكثرة فهْمه ، وحُسنِ نظره وتحقيقه ، فهذا الذي يجب حضور مجلسه والاستماع من غرائبه وفوائد علمه ، كما قال الشيخ ابن عرفه في أبياته المنسوبة له :
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة     بتقرير إيضاح لمشكل صــورة
وعزو غريب النقل أو حلّ مشكـل     أو إشكال أبدته نتيجة فكـــرة
فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهـد     وإياك تركن فهو أقبح  خلّـــة
وأما علومه الباطنة الحقيقة المستمدّة من الأنوار الإلهية فهو قطبُ رحاها وشمس ضُحاها ، يقول من سمع كلامه فيها هذا كلام من ليس وطنه إلا غيب الله تعالى ، وهذه علوم محلّها القلب ، وهي معادن الأسرار ومطالع الأنوار ولهذا لا يمكن التعبير عنها ولا يعرف حلاوتها إلاّ مَن اتّصف بها وذاقها . فلهذا رضي الله عنه يؤثر حبّ مولاه العظيم على غيره ويراقبه ولا يأنس بأحد ، بل تجده يفرّ إلى الخلوات الكثيرة ، قد طال فكره في معرفته تعالى فانكشفت له عجائب الأسرار وتجلت له الأنوار كما قال القائل :
ومنفـرد بالله هام بحبّــــــه     فليس له أُنسٌ بشيء سوى الـربّ
تفـرّد في الدنيا لطاعة ربـّـــه     فأورثه علم الكتاب بلا ريــــب
وآثـر حبّ الله فانكشفت لــــه     عجائب أسرار ثوابا على الحــبّ
فمن كان في دعوى المحبّة صادقـا     تجلّتْ له الأنوار من غير ما  حجب
فيرتاح في روض المعارف دائمـا     ولذّتهـا أشهى من الأكل والشـرب
تخاطبه الأحوال من كلّ جانـــب     فيفهم  عنه بالضمير  وبالقلـــب
يكاشف بالأسرار من ملكوتهـــا     فيأتي عليه الفيض من عالم  الغيب
إلى غير ذلك ممّا قيل . ولا شكّ أنّ السادات المتّصفين بأحوال الصفات هم الذين ورثوا الأنبياء حقيقة واقتدوا بهم ظاهرا وباطنا ، فجمعوا بين الشريعة والحقيقة على أكمل وجه ، فقد فاقهم سيّدنا رضي الله عنه وحصل له ما حصل لهم ، فهو رضي الله عنه القدوة للمقتدي والهداية للمهتدي لجمعه بين لطائف الأحوال وصحيح الأقوال والأفعال ، باطنه حقائق التوحيد ، وظاهره زهد وتجريد ، وكلامه هداية لكلّ مريد .
وأما كرمه رضي الله عنه فمِنْ أخلاقه وسجاياه ، كثيرٌ إنفاقه في سبيل الله وعطاياه ، رُبِّيَ على ذلك منذ نشأ يتقلّب كيف شاء ، جعل الله الكرم له وصفا طبيعيا ، ثمّ صرّفه فيه تصريفا شرعيّا إلى أن رقّاه الله سبحانه وتعالى مرقى الكمال ، وصيّره مِمّن لا يشهد في ذاته مُلْكاً لنفسه ولا مال ، فجمع الله له بين الحالتين جمعا ، صُنعاً مِن الله ومَن أحسن من الله صُنْعاً . فكانت وقائعه في ذلك عظيمة وأياديه فيه جسيمة ، وأفعاله عجيبة ومآثره غريبة ، نادرة من نوادر الزمان وآية من آيات الله التي برزت للعيان ، يُعطِي عطاءَ مَن لا يخاف الافتقار ولا يبالي بإفراط ولا بإكثار ، وكيف يبالي من تخلّى قلبه عن العرض الفاني ورقى مقام الإحسان والعرفان ، وصعد مصعد الكمال ومراتب فحول الرجال ، الذين تركوا النفائس والأرباح ووهبوا النفوس والأرواح ، فهُمْ كرماء الخليقة والأسخياء على الحقيقة ، فلا فضل إلاّ أفضالهم ولا نوال إلاّ نوالهم ، إذ من عين الجود ينفقون وبِوَابِلِ فيضه يدفقون ، لا يروْن لهم مُلْكاً ولا إعطاءً ولا تَرْكاً ، فأنّى يوصف أمرهم ولا يُقَدَّرُ في ذلك قدرهم . ولكنّا لا نتعرّض لشيء ممّا نرَى لشيخنا وأستاذنا رضي الله عنه من جزئيات القضايا ، وبعض ما شهد له من وافر الإحسان والعطايا ، إذا المقصود ذكر أخبار ونشر تلك المكارم والآثار ، فدأبه رضي الله عنه الإنفاق في سبيل الله والإطعام لوجه الله ، يفرّق ماله في ذلك شذر مذر في كلّ وقت من رخاء وشدّة في حالة سفر وحضر مِن كلّ ما يتناوله من المكتسبات من عين وعرض وفواكه وخضر ، ما بين مواساة ونفقة أو صلة رحم أو صدقة ويقول : " المال مال الله وإنّما أنا خازن الله ومسخَّر فيه ومُستخلَف ، لقوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (1) ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : « يدا الله ملأى لا تغيضها نفقة سخاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان ويخفض ويرفع أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه » .
ومن عادته رضي الله عنه ، وخصوصا ما كان من قبيل الصدقات ، المبالغة في الإخفاء جدّا حتّى لا يشعر إنسان بما يصدر منه من الإحسان في عموم الأوقات وغالب الأحيان ،فإذا أعطى أحدا شيئا لا يعطيه بيده إنّما يأمر بذلك ويرسل به ويوصي المرسل معه بالكتمان طلبا للوجه الأكمل الذي فضل الله في كتابه سبحانه بقوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (2) ، وإبقاء على المُعْطَى - بفتح الطاء - وحرصا على إعلاء همّته ليشكر نعمة سيّده ولا يتشوّق للذي جرت المنحة على يده ، ويقول : " إنّي إذا تشوّق أحد إليّ انقبض قلبي عنه فلا أريد أن أعطيه شيئا فإذا انقطع نظره عن الخلق كنت أحرص على إعانته وإيصال العطاء إليه وأجدني أستحلي مناولة ذلك حين أعطي مال سيّدي لعبد سيّدي وهو لا يلتفت إليّ ولا يشعر بما لديّ " . وربّما يتولّى الإعطاء بيده لكون المعطَى له لا يشعر بمن أعطى ، وقد يُعطي بيده أيضا إذا كان المعطَى له من الموالين له من الأصحاب وغيرهم ممّن يعرف أنّه لا ينوّه به ولا يُفْشِ سرّه ، وما من أحد من الأصحاب إلاّ لحقه نائله ووسعته عوارفه وفضائله ، فلا يلقى بعضهم بعضا إلاّ حدّث بعطاياه دائما من كلّ شيء ثمّ لا يقدر أحد أن يواجهه بثناء عليه لأجل ذلك أو يذكره له أو يشيع خبره ، وإذا أكل أحد الطعام عنده فقال له : " كثّر الله خيرك " ردّه إلى شكر نعمة الله وشهود ما تفضّل الله به سبحانه وأولاه ، ويقول : " كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ (3) " ، ويقول : " المِنّة لله وحده " .
ومن كراماته الجارية في هذه العطايا أنّه لا تصل عطيّته أحدا إلاّ وَجَدَتْهُ على حين ضرورة وشدّة احتياج لا يجد ما يحاوله ولا ما يناوله حتّى كأن سيّدنا رضي الله عنه بات ينظر إليه أو ظلّ معه مطّلعا عليه ، فيوقع ذلك كلّه مواقعه وينزله مواضعه على نور من ربّه وبصيرة في أمره ، ويوفي فيما يعطيه كلّ ذي حقّ حقّه من قريب أو بعيد جامعاً بين العدل والإحسان ومراعيا لحال كل إنسان ، فيمتّع أولاده وأهله وعياله ويوالي عليهم برّه ونواله ، ثمّ يوسّع على الأقارب والأصحاب مواصلة ثمّ الأباعد صدقة ومفاصلة ، شانه في ذلك كلّه بديع وحاله في ذلك بأسره رفيع .
أما شأنه في داره وعياله فإكثار الطعام والإطعام ، والتوسعة والإنعام ، والإفضال والإكرام ، لا يَدَعُ شيئا إلاّ أمتعهم فيه على وجهٍ شرعيّ مِن قَصْدِ كفايته إيّاهم وتنعيمهم بأنعم مولاهم لا على الرفاهية والترفة ، مكفولين بخير كفاية محفوفين بخير رعاية ، ظاهرةٌ عليهم أنعُم مولاهم ، واضحة عليه آثارها ما شئت من عفاف وقناعة وكرم نفس وعلوّ همّة ، قد اعتادهم السخاء حتّى ألِفَتْهُ نفوسهم وأثمرت منه غروسهم ، يدّخر لهم لإغناء نفوسهم فوق ما يحتاجون إليه ، ويصرّح أحيانا بأنّه لولا الرفق بهم والجري على مقتضى عقولهم وصونهم على أن يتشوّقوا لِما بأيْدي الناس ما أدّخر شيئا ، فيخزّن مِن قوت سَنَتِهِمْ طعاما وأدما وعسلا وفاكهة ما يكفيهم ويكفي أضيافه وأضعاف أضعافهم ليعول به الاضياف والضعفاء والمساكين المنتسبين إلى الله ممّن هو ملازم له ومضاف إليه في عداد أهل نفقته أو مَن يَرِدُ عليه ، فينفق على عدد عديد فيؤكل عنده الوسق من القمح في نحو يومين أو ثلاثة ، وأمّا في أوقات وفود الزائرين إليه فلا نقدّر لذلك قدْرا ، فلا تتوفر له عولة بالغة ما بلغت ، وجميع ذلك كلّه يكتاله ويجلبه من البلدان البعيدة لعدم وجود الزرع بالمكان الذي هو فيه لأن البلد ضعيفة جدّا ولا يخلو عن كثرة الاضياف ، أمّا الرجال خارج الدار في أمكنة متعدّدة ، وأمّا النساء فداخل الدار ، ويتفقّد الغرباء أهل النسبة ويطعمهم ويوصي من يفعل ذلك لهم رضي الله عنه . ومن عادته أنّه لا يُخرِج مِن داره شيئا لأضيافه أو غيرهم إلاّ بعد كفاية مَن بداره منه، وإن أخرج يوما ما طعاما لم يكن فيها غيره حاضرا عوّضهم آخر مثله لا محالة ، وينبّه على ذلك ويُرَبِّي به غيره مخافة التوصّل لِحَقٍّ بِتَرْكِ آخر .
ومن شأنه رضي الله عنه حفظ الطعام واحترامه ، متى فضَلَ شيء منه الْتَمَسَ في الحين مَن يأكله ، وإذا أخرج الطعام من داره للأضياف وفضَلَ عنهم يتصدّق به فلا يرجع إلى داره منه شيء أصلا لأنّه خرج لله تعالى ، وعادته الكريمة رضي الله عنه إجراء الصدقات على ممرّ الليالي والأيام ، ففي كلّ جمعة يفرّق القمح على ضعفاء البلد كلّ واحد ما يناسب حاله من الضعفاء والأيتام والأرامل وكلّ محتاج ، وكذلك في كلّ يوم عند وقت الضحى يفرّق الخبز على الصبيان في باب داره ، هكذا فِعْلُهُ رضي الله عنه مع مَن ضَعُفَ عن القيام بمؤنة نفسه من سائر الأصحاب فيما يرجع إلى الإعانة في النفقات والبركة من الله سبحانه ، وما عوّد أولياءه إلاّ مِنَنًا وما أسدى إليهم إلاّ حُسْنًا ، وقد شوهدت البركة معه في ذلك وفي سائر أموره فما زاد إحسانا إلاّ زيد خيرا وبركة من الله سبحانه ، وهكذا دأبه رضي الله عنه في سائر أحواله ، وإذا تأمّلتَ ما يخرج من يده من إنفاقات وإرفاقات وجدتَ ما لا يقدر عليه إلاّ المؤيّدون أمثاله الذين باعوا نفوسهم وأرواحهم وأموالهم وأرباحهم على الله وفي سبيل الله لا يريدون غيره ولا يعوّلون على سواه . هذا شأنه رضي الله عنه . وأمّا ما يصدر عنه في معاملة الاباعد من المواساة الجليلة والصلات الجليلة فأعظم من ذلك كلّه لكونه لا يجمع ما يجمع بل يقبضه كذلك مجموعة ثم يعطيه دفعة واحدة لكن لا يطلع على ذلك إلاّ النادر ، وقد اطّلعت عليه مرارا صرف المال الذي يخشى صاحبه الفقر وذلك لما قررناه من عادته رضي الله عنه في إخفاء الصدقات وإنّما يتّفق الاطّلاع على بعضها والنزر القليل منها ، كما إذا تعرّض له أحد يطلب معاملته أن يراسله بمراسلة فلا ندري ما يفعل إخفاء لصدقاته .
ومن كراماته العظيمة الجارية : العتق . فقد أعتق في يوم واحد جميع من بداره من الإماء ، وكنّ حينئذ خمس عشرة ، فأعتقهن دفعة واحدة ، وكذلك أعتق بعد ذلك ثلاث عشرة رقبة من العبيد البالغين فكتب لكلّ واحد رقعة وجعلها له في عنقه وقال له : " أنت حرّ في سبيل الله " إلى غير ذلك ممّا لا نطّلع عليه أصلا ولا نعلم له سببا ولا فعلا ، رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه .
وبالجملة فسخاؤه رضي الله عنه عظيم وإحسانه جسيم ، ليس على سنن ما يُؤلَف وإنّما هو خارق للعادة وخارج عن الأمور المعتادة ، لا يناظره فيه مثله من أهل الخصوصية فضلا عن غيرهم إذ من عادة المشائخ الفاعلين لمثل ذلك أن يقبضوا ويدفعوا فيصرفون ما يأتون به من مال الله على عباد الله لا يدّخرون شيئا ، وهو رضي الله عنه لا يدّخر شيئا ، وكان قبل هذا الوقت لا يأخذ من يد أحد البتّة حتّى وقع له الإذن من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يردّ على أحد شيئا أصلا ، وتخرج من يده الأموال العريضة والعطايا العظيمة التي لا يتيسّر مثلها للأغنياء من التجار وما ذلك إلاّ آية من آيات الله ، وبركة محمّديّة من آثار وبركة سيّدنا ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ووراثة منه ، ومقام أقامه الله فيه وضمان منه صلّى الله عليه وسلّم له بالغنى التام الذي لا فقر بعده على الدّوام . وقد كان بعض الأصحاب من خاصّته دخل بيده مال فأعطاه منه ثمّ أراد إعطاء ما بيده جملة وتفصيلا فعلم به سيّدنا رضي الله عنه فقال له : " لا تفعل ، دعْ مالك عندك لأنّك إن فعلتَ ذلك وجدتَ فقدان ذلك من قلبك وأثّر ذلك فيك فيحصل لك بذلك ضرر عظيم وتنقطع المحبّة من أصلها ، فلا تقتدي بي في هذه العطايا فأنا إنْ رأيتني فعلتُ شيئا منها ففي ذلك أقامني الله عزّ وجلّ " .
وأما فتوّته رضي الله عنه فقد تقدّم ما ينبئ عن شيء منها في الباب قبل هذا عند التعرّض للكلام على بعض أخلاقه رضي الله عنه ، والمروءة شعبة منها . والفتوّة من الأخلاق الجامعة لأنواع الأوصاف الحميدة والخلال السديدة كالحلم والعفو والصبر والسخاء والوفاء والستر على عيوب الأصدقاء وإعانتهم ومعاملتهم بجميل الإحسان ، ومرجعها إلى الإيثار والسخاء العظيم وهو السخاء بالنفوس ، وأصلها كما قال القشيري رضي الله عنه : " أن يكون العبد ساعيا في أمر غيره دائما " ، وقد بيّنَهَا أهل الطريق بتفسيرات أوردها في الرسالة فليطالعها من أرادها ، وعبّروا عنها بعبارات كلّ بحسب ما غلب عليه وبحسب نوع من أنواعها ، ففسّروها بكفّ الأذى وبذل الندى ، وهي عبارة الجنيد رضي الله عنه ، وبالصفح عن عثرات الإخوان وبأنْ تنصف ولا تنتصف ، وبأنْ إذا أُعطِيتَ آثرتَ وإذا مُنِعْتَ شكرتَ ، وبأنْ لا ترى لنفسك فضلا على غيرك ، وبالوفاء والحفظ ، وبفضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها ، وبحُسْنِ الخُلُق وباتّباع السُّنّة ، وأكثر ما تُسْتَعْمَلُ عندهم في المواساة والعفو عن الإساءات . قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه في قصيدته الرائية :
وبالتفتى عن الإخوان جد أبــدا      حسّا ومعنى وغضّ الطرف إن عثرا
ولشيخنا وأستاذنا رضي الله عنه من هذه الأوصاف أعظم نصيب والسهم الذي ما عثر عليه في هذا الوقت المصيب ، ورثها بالفرض المقسوم له بالتعصيب ، وحاز منها أسمى مرقبة وأسنى مرتبة ، وأعلى مقام وأكمل مرام .
وأما حلمه وعفوه فشأنه رضي الله عنه الصفح عمّن اشتغل بإذايته وعدم المؤاخذة له والنظر فيه بعين الحقيقة والْتماس المعذرة له ، ويقول : " إذا نظرت إلى الناس وما يجري عليهم من قدر الله عذرتهم وإنّما يجيء الملام من عدم شهود أمر الله النافذ " ، ويحنّ مع ذلك عليهم ويشفق من حالهم مخافة أن يدركهم الهلاك بسبب تماديهم على فعلهم ذلك ، وكثيرا ما يعاملهم حرصا على إزالة ضغنهم ومحو ما في قلوبهم ، وإذا اشتكى له أحد من أصحابه إذاية أحد سلاه عن ذلك وحمله على الحلم والعفو وحضّه على الاشتغال بما يعنيه ، ولا يحبّ المعتنين بنصرة أنفسهم ولا المشتغلين بملاحاة الرجال ، ولا يحبّ الغلظة ولا الفظاظة ولا أهلها ويقول : " إنّ الحليم يحلم الله عليه " ، ويستشهد بقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي أخرجه الإمام احمد وأبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عمر قال : « الراحمون يرحمهم الله تبارك وتعالى إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » ، ويترحّم على الكبير والصغير وكلّ ضعيف مستضعف ، ويوصي من أتاه من الولاّت بالعفو عن المساكين ويقول لهم : " بضعفائكم تُرحمون ولا عمل أحسن من ذلك لكم ومن عفا عُفِيَ عنه " ، ويُعرض عن جهل الجاهلين ويصبر لجفوة الجافين ويعفو عن إذاية المؤذين ، بل يحسن إلى من أساء إليه ويحنّ عليه بعد التجاوز عنه ويتعطّف عليه ولا يزال يلاطفه قولا وفعلا ويعامله بالجميل وبالتي هي أحسن ويبرّ به ويحرص على إيصال الخير إليه رحمة له وشفقة عليه حتّى يستحي ذلك المسيء غاية الحياء ويخجل غاية الخجل ويتعجّب من عفوه عنه ثمّ تفضّله عليه ومِن سابقِ سيّئاته التي عادت كالحسنات لديه كما شاهدنا ذلك وقع له مع بعض الإخوان ، فما زال يحلم عنه ويحسن إليه حتى كان أحبّ الأحبّاء إليه ، والكلام على حلمه وعفوه أوسع من هذا ، وقد تقدّم بعض ما هو منه في السيرة رضي الله تعالى عنه .
وأمّا وفاؤه رضي الله عنه ، والوفاء نوع من الفتوّة ، وعطفه في الترجمة عطف خاصّ على عامّ ، فمنه أنّه إذا استلف شيئا قضاه بسرعة لا يتوانى في ذلك ولا يغفل البتّة وما حفظ له تأخير قضاء دين قطّ حفظا من الله له وكفاية إيّاه ، ومنه وفاؤه رضي الله عنه بمعاملة الإخوان وحفظ عهودهم وعهود أصحابه في كلّ أوان على ما قدّمناه قبل مواصلته إيّاهم أتمّ المواصلة وتعطّفهم عليهم أحسن التعطّف وإحسانه إليهم كلّ الإحسان ، فلا يزال رضي الله عنه يحفظ لهم ودّا ولا ينسى لهم طول الزمان عهدا ولا يالو في إكرام مَن أمكنه إكرامهم جهدا ، وهذا كلّه من حسن عهده وتمام وفائه وحسن مودّته في الله وإخائه .
ومنه وفاؤه في معاملات مولاه وعبادته له وقيامه لله في سائر حركاته وسكناته حيث لا يقطع شيئا إبتداه ولا يرجع عن شيء لله عزم عليه وأعظم بذلك وفاء ومنّة من الله وإعطاء . ومن عظيم فتوّته وإيثاره وسعيه في منافع الغير وأوطاره ما هو عليه من الإيثار وأوصافه فلا يكاد أحد يقاربه في ذلك أو يضاهيه تأييدا من الله في ذلك كلّه في إعطائه وإيثاره ، والكلام على سيّدنا وأستاذنا رضي الله عنه أوسع دائرة مِن أنْ تستوفى أقلّ قليل فضلا عن أن نحيط بقدر جليل ، فاقتصرنا على ما لا بدّ منه للحاجة إليه ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما .


الفصل الثاني >>

<< عودة إلى فهرس الباب الثالث



  1. سورة الحديد ، الآية 7 .
  2. سورة البقرة ، الآية 271 .
  3. سورة سبأ ، الآية 15 .