في نشأته وبدايته ومجاهدته
وُلِدَ رضي الله عنه سنة خمسين ومائة وألف ، على ما حدّثني هو بنفسه رضي الله عنه ، بعين ماضي ، وهي بلده ومقرّ أسلافه رضي الله عنه وعنهم على ما تقدّم في الفصل الأوّل . وهو أوسط الأبناء لأمّه وأبيه ، والآخذ كلّ ما لهم من الفخار والتنزيه ، وخاتمة مجدهم ، وواسطة عقدهم ، الذي شرف به طالعهم السعيد ، واستمرّ به مددهم المديد ، ختم الله به من نظامهم سلكا ، وجعل ختامه مسكا .
نشأ رضي الله عنه بين أبويه الصالحين المتقدّمين نشأة صالحة ، يؤدّبانه ويربّيانه ويلقنانه تربية أمثالهما من أهل البصائر ، فربّي في عفاف وصيانة ، وتُقى وديانة ، أبِيّ النفس ، عالي الهمّة ، زكيّ الأخلاق ، محروسا بالعناية ، محفوظا بالرعاية ، فكان رضي الله تعالى عنه لا يعرف ما الناس فيه من العوائد ، ولا ما نشأوا عليه من الزوائد ، وكان رضي الله عنه من صِباه ماضي العزم ، شديد الحزم فيما يتعاطاه من أموره كلّها ، لا يريد امراً إلاّ بدأه ، ولا يبتدئ شيئا إلاّ أتمّه ، وإذا تعلّقت همّته بشيء من الأشياء كائنا ما كان لم يهنأ له عيش ، ولم يقرّ له قرار حتّى يصله ويجاوزه . وسمعته يوما يقول : من طبعي أنّي إذا ابتدأت شيئا لا أرجع عنه ، وما شرعت في أمر قطّ إلاّ أتممته . تجنح همّته إلى معالي الأمور ولا يرضى بسفسافها ، فكان كما قيل :
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن إليـه بوجه آخـر الدهـر تُقْبِـلُ
فله رضي الله عنه همّة سابقة ، وعزمة لاحقة ، تأبى نفسُه أن يفوته مُدرَك من المدارك ، أو يضلّ مسلكا من المسالك ، ذو شجاعة طبعية ، ونجدة قويّة ، ومِنْ خُلُقِه الذي رُبِّيَ عليه السخاء العظيم ، والإنفاق الجسيم ، والقيام بحقوق أقاربه وذويه ، والمواساة لمعارفه ومواليه ، والإحسان للمساكين ، والتحبّب لأهل الدين ، وصار له العفاف وعلوّ الهمّة خُلُقاً ، ومكارم الأخلاق طبعا وتحقُّقاً ، لا يقرّ الدرهم لديه قرارا ، ولا يمكث عنده على الدوام استمرارا ، كما قيل :
لا يألف الدرهم المضروب صُرّتَنا لكـن يَمُـرُّ عليها وهو منطلـق
وسيأتي الكلام على سخائه وبيان حاله في محالّه إن شاء الله .
وَصِفَةُ ذاته الكريمة ، وصورة شكله الفخيمة ، يتميّز بوجوده العياني كما يتميّز بوصفه العرفاني أنّه - حفظه الله تعالى وَكَلَاَهُ - أبيض مشرب بحمرة ، معتدل القامة ، منوّر الشيبة ، ذو صوت
جهوريّ ، وسَمْتٍ بهيّ ، وقدر على حلو المنطق ، فصيح اللسان ، يعبّر عن مراده في غاية البيان ، وهو من حفّاظ أهل زمانه لِمَا يتعاطاه من العلوم في أوانه ، أحسنهم مجالسة ، وأرفعهم مجانسة ، ذو مهابة وعظمة ووقار ، وحياء وجلالة وفخار . وله رضي الله عنه منذ شبّ عقل تامّ ، وذكاء قويّ ، وفهْمٍ نافذٍ ، وفطنةٍ سريّة ، وفكرة قويّة ، لا يفوته إدراك معنى من المعاني ، لِما انقدح في سرّه من النور الربّاني ، ولا يخدع في شيء منذ كان ، ولا يعوزه أمر من الأمور ممّا يكون ، يدرك ما أراد إذا توجّه إليه دون تَعَلّم ، لِقوّة الذكاء وشدّة التفهّم ، يشهد أنّ له ذلك في أصل فطرته ، وغزارة فطنته ، وكمال عقله ، بحيث لا يجارى في شيء من ذلك ولا يبارى .
وبالجملة فكمال عقله رضي الله عنه وفهمه ، وقوّة إدراكه وميْزه ، ممّا يبهر العقول ، ويخرج عن حد المعقول ، وشرح ما يؤذن بذلك يطول ، وإذا أراد الله تأهيل عبده وتهيأته لِمَا خُلِقَ لأجله من إرادة خصوصيته وفضله ، وأكمل سجاياه وخلقه ، ثمّ أظهر مزاياه وفخره ، فيكمل له عقل التميّز فيتهيّأ به إلى عقل التخصيص والتبريز والأوليات ، إشارة للأخريات ، والبدايات عنوان النهايات .
ولمّا بلغ الحلم رضي الله عنه زوّجه والده الشيخ سيّدي محمّد رضي الله عنه من غير تراخ في ذلك اعتناء بشأنه ، وحفظا له وصوْنا لأمره ، مراعاة للسُّنّة مِنَ المبادرة في ذلك ، وكان تزويجه رضي الله عنه سنة ، فبقي في حجر والده إلى أن توفّي والده رحمة الله عليه فنال منه بركة وحظّا وافرا من الصلاح والدين ، وفوائد في الطريق وجملا من الأدب رضي الله عنهما أمين .
وأما بدايته رضي الله عنه في الطريق ، وكيفية أخذه إيّاها على التحقيق ، فإنّه لمّا تُوفّي والده رحمه الله تعالى بقي على حاله من قراءة العلم وتدريسه ، والْتقاط درره وتدوينه في بلدة عين ماضي ، ثمّ ارتحل إلى ناحية الغرب لفاس وأحوازها سنة إحدى وسبعين ومائة وألف ، سمع فيها شيئا من الحديث ، وبقي يجول بقصد الزيارة والبحث عن أهل الخير والصلاح ، والدين والفلاح ، فلقي رجلا بجبل الزبيب من أهل الكشف فأشار له بالرجوع إلى بلده وأخبره بأنه سيكون من أمره ما هو بصدده ، فلم يلبث حتّى رجع لبلده سريعا وخرج قاصدا البلد الأبيض في ناحية الصحراء التي بها ضريح الولي الكبير ، والقطب الشهير ، سيّدي عبد القادر بن محمد الملقّب بسيدي الشيخ ، فمكث هناك خمسة أعوام للقراءة ، والعبادة والتدريس والتلاوة ، في هذه المدّة وصل إلى بلده عين ماضي تصديقا لِمَا أخبره به الولي المتقدّم ، ورجع إلى مكانه بزاوية الشيخ المذكور ، ثم ارتحل منها إلى تلمسان ، وأقام بها للزهادة والعبادة ، والتدريس لعلم الحديث والتفسير والإفادة ، حتّى أُلْهِمَ سيّدنا ما أُلْهِمَ ، ووقر في صدره ما وقر ، وظهر له ما
ظهر ، مع ما أهّله الله إليه بسابق عنايته ، وفيض كرامته ، فنفض يديه ممّا لديه ، وتعلقت همّته العليّة بالله والإنحياش إليه ، والوقوف ببابه والعكوف عليه ، فجرّد نفسه من العلائق تجريدا ، وقطعها عن العلائق تغريدا ، ولبس من جديد التوبة جلبابا ، وشمّر عن ساعد الجدّ أثوابا ، ففتح الله عليه للمسير أبوابا ، وأزال عنه مانعا وحجابا ، فأكبّ على شأنه إكبابا ، وانصبّ إليه انصبابا ، وانحاش بكُلِّيَتِهِ إليه ، وأقبل بقلبه وقالبه عليه ، ونبذ كلّ أمر دونه من خلف ، أوائل سنة إحدى وثمانين ومائة وألف ، فانجمع على الله في حاله ، وجدّ في سيره وترحاله ، وسلب له الإرادة ، وألقى إليه قياده ، ومحا فيه مراده ، فلزم اللجأ والعكوف ببابه ، وجمع فيه كلّ بُغْيته ومرامه ، وأقبل على الذكر ، وإعمال الفكر ، وآوى ، إلى الخلوات ، والعبادة والقربات ، فلاحت عليه مبادىء الفتح وبوارقه ، وظهر عليه خوارق العادات في مباديه ، ثمّ لم يزل حاله يقوى ويزداد ، حتّى خرج عن كلّ مألوف ومعتاد ، ومستحسن ومراد ، ولم يبق له شهوة تشغله عن المراد ، واستوحش من الخلق ، وانقطع عنهم للملك الحقّ ، وتوجّهَ تلقائه ، ونَبَذَ السِّوَى وراءه ، فلم يزل يرتقي بهمّته ، ومولاه يجذبه لحضرته ، ويَحُفّه بعنايته وفضله وكرامته ، إلى أن بلغ المراتب العالية ، والمقامات السامية ، ووصل إلى المُنْيَة والمشتهى ،
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى

(1)
.
ومِنْ عظيم أدبه لشهود فضل سيّده ومَنِّهِ أنّه لمّا اعتراه من الأحوال ما اعتراه ، ونزل به ما اقتطعه عن نفسه وهواه ، وظهر عليه اثر الفيضان ، وجرى منه على المنطق واللسان ، ما أشرق به باطنه من التوحيد والعرفان ، فكان يفتتن به كلّ مَنْ رآه ، لِمَا يشاهد من طلعته البهيّة وسناه ، فيأخذ بمجامع قلبه وعقله ولبّه ، ولا يجد بُدّا عند خطابه من التأدّب إلى عَلِيِّ جنابه ، فلمّا أحسّ بظهور ذلك ، مِنَ الإخوان والأصحاب الذين هنالك ، نهى وزجر ، وشرد ونفر ، وغضب غضبا شديدا ، وتولّى عنهم شريدا ، وكانت تأتيه الوفود للزيارة ، والأخذ عنه والإفادة ، فكان يمتنع من ذلك كلّ الإمتناع ، ويقول كلّنا واحد في الانتفاع ، فلا فضل لأحد على الآخر في دعوة المشيخة إلاّ سوء الإبتداع ، فلمّا حاز قصب السبق في كلّ فضيلة ، وتحلّى ظاهرا وباطنا بالحلل الجليلة الجميلة ، ولم يبق له من مُتَمَنّاه بين الأنام ، إلاّ الحجّ لبيت الله الحرام ، سَمَتْ همّته إلى طلبه ، وتحصيل أربه ، وكان دائما يرصد إبّانه ، ووقته وأوانه ، إلى أن أتى فقام على ساق الجدّ والتشمير ، ونهضتْ به همّته للمسير ، فأخذ رضي الله عنه في التأهّب والرحيل ، وخلف العشائر و القبيل ، فما قرّ له إذّاك قرار إلى أن حجّ وزار ، وتردّد بين الديار ، واستلم بين الأما كن والآثار ، فكان خروجه من مدينة تلمسان سنة ستّ وثمانين ومائة وألف .
وأمّا مجاهدته رضي الله عنه فاعلم أنّه لا خلاف بين أئمّة العصر ومَنْ أدركه من حال الشبيبة أنّه كان من المصطفين من عباد الله ، وممّن نشأ في طاعة الله ، وممّن هدى واجتبى إلى صراط الله . فهو رضي الله عنه من المجتهدين في الدّين والخائفين من ربّ العالمين ، محافظا على التّقوى والورع ، باذلا مجهوده في ذلك ، قابضا عنان الخوض عمّا لا يعنيه سالكا أشرف المسالك ، إلاّ أنّه بعدما شبّ وترعرع ، وتضاعف نور قلبه وجاءه الفتح المبين من ربّه وارتفع ، وقاده التوفيق الرّبّاني إلى البحث عن السر الإلهي الصمداني ، فاشتغل بمطالعة كتب القوم وبالإنكباب عليها ، والتّدريس للعلوم والإفادة بها ، حتّى انقطع إلى الله وتاقت همّته بالله فرفض جميع العلائق ، ونبذ من ورائه أنواع العوائق ، فزاده ذلك نورا على نوره ، وارتقى بشهوده مرتبة أرباب الصّدور . فقدْ أتى رضي الله عنه البيوت من أبوابها ، وأخذ الطريق عن أربابها ، فاستوجب بذلك الوراثة والإمامة ، فلم يتقدّم في عصره أحد أمامه ، كما قيل :
فأصبح عين الوقت والقول قولــه ولا أحد في النّاس يبلغ قــــدره
أخذ رضي الله عنه في الجدّ والتشمير ، والاعتزال عن الخلق والفرار منهم ، واشتغل بما يخصّه من حقوق ربّه وما هو مطالب به من التّقوى والورع ، وكان الناس يأتونه في بعض الأحيان للزيارة فلا يجِدُونَ فيه متّسعا لكثرة ما كان فيه من القبض ، وإذا جاءه أحد ليقبل يديه يغضب ويأبى ذلك ، وكان رضي الله عنه يكره كثرة الكلام ، شديد التحفّظ من الغيبة والنميمة والخوض فيما لا يعني .
وأمّا مجاهدته في الصيام فكان يصوم في ابتداء أمره ويسرد الصيام الأيّام المتطاولة لديه ، وأمّا قيام الليل فهو مواظب عليه السنين الكثيرة ولا زال إلى الآن ، ولم تكن له راحة إلاّ فيه ، فهو مستراح العابدين إذ فيه يجدون قلوبهم من التلذّذ بالمناجاة وإسبال العبرات في محراب التّلاوات ، وهو يعلم ويتحقّق رضي الله عنه أنّ أوقاته عمره ، وعمره رأس ماله وعليه تجارته وبه يَصِلُ إلى نعيم الأبد ، ويرى أنفاسه جواهر لا قيمة لها فشحّ بها أن تمضي في غير ما خلقت له فاشتغل بالمبادرة السباق السباق قولا وفعلا ، حذر النفس حسرة المسبوق واستدامة الطاعات وبذل المجهود فيها لا يصدر إلاّ ممّن أقيم في شهود باريها ومُنْشِيها ، فالذين اصطفاهم الله لخدمته ونوّرَ بواطنهم بأنوار معرفته قَوِيَتْ قلوبهم وبادروا قبل الفوت وسارعوا إلى ما ندبهم إليه سيّدهم ، فَهُمْ ملازمون مستسلمون ، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون ، ليس لهم فضل فيما أمروا به ، علموا أنّهم بمرآى من سيّدهم فشدّوا الحيازم ، واشتغلوا بما هو لازم .
وأقول : أنه رضي الله عنه من الذين كانت عندهم كلّ الليالي ليلة القدر إذ هو رضي الله عنه من القائمين بحدود الله الناظرين للشريعة بنور الله الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، وماذا يقول الإنسان فيمن تولاّه الله واصطفاه ، وحلاّه بنعوته واجتباه ، وخصّصه بمعرفته وارتضاه ، فالمدح يقصر دونه إذ هو أرفع من أن يصفه اللسان ، أو يعبّر عن حقيقته الفكر والجنان ، وما الأمر إلاّ كما قال قائلهم :
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ومَنْ كملت أوصافه ، وحسنت أفعاله ، وعظم إنصافه ، إستوحش من كلّ شيء سواه ، ولم يشاهد في المملكة إلاّ إيّاه ، وأنشدوا :
وعن مذهبي في الحبّ ما لي مذهب وإن مِلْتُ يوما عنه فارقتُ ملّتــي
وإن خطرتْ لي في ســواك إرادة على خاطري سهوا قضيت بردّتـي
وعلى هذا حوّم العارفون رضي الله عنهم وانتهزوا فيه الفرصة ، وبذلوا في ذلك مُهَجَهم ولم يتركوا لها حصّة ، عرفوا ما طلبوا فهان عليهم ما تركوا ، ومن طلب الحسناء لم يغله مهرها ، ولقد أبلغ في النّصيحة من أنذر وحذّر عليه الصلاة والسلام ، فقد ورد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول :
«
أيّها الناس بسيط الأمل متقدم حلول الأجل والمعاد مضمار العمل فمغتبط بما اجتنب غانم ومبتئس بما فاته من العمل نادم . أيّها النّاس إن الطمع فقر واليأس غنى والقناعة راحة والعزلة عبادة والعمل كنز والدنيا معدن والله ما يسرّني ما مضى من دنياكم هذه بأهداب بردي هذا ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء وكلّ إلى نفاذ وشيك وزوال قريب فبادروا وأنتم في مهل الأنفاس وجدّة الأحلاس قبل أن يؤخذ بالكظم ولا يغني الندم
»
. وعن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيّوب الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول :
«
حلّوا أنفسكم بالطاعة وألبسوها قناع المخافة واجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقرّكم واعلموا أنّكم عن قليل راحلون وإلى الله صائرون ولا يغني عنكم هنالك إلاّ صالح عمل قدّمتموه أو حسن ثواب حزتموه إنّكم إنّما تقدمون على ما قدّمتم وتجازون على ما أسلفتم ولا تخدعنّكم زخارف دنيا دنيّة عن مراتب جنّات عَلِيّة فكان قد كشف القناع وارتفع الارتياب ولاقى كلّ إمرئ مستقرّه وعرف مثواه ومقيله
»
، من بعد الأربعينيات .
ويرحم الله الشيخ الإمام إسماعيل بن المقري اليماني مؤلف الروض حيث يقول في قصيدته العجيبة العديمة المثل :
إلى كم تماد في غرور وغفلــــة وكم هكذا نوم إلى غير يقظــــة
لقد ضاع عمر ساعة منه تشتــرى بملء السماء والأرض أية ضيعــة
أتنفق هذا في هوى هذه التــــي أبي الله أن تساوي جناح بعوضــة
أترضى من العيش السعيد تعيشــه مع الملأ الأعلى بعيش البهيمـــة
فيا درّة بين المزابل ألقيـــــت وجوهرة بيعت بأبخس قيمــــة
أفان بباق تشتريه سفاهــــــة وسخطا برضوان ونارا بجنــــة
أأنت عدوّ أم صديق لنفســـــه فإنّك ترميها بكلّ مصيبــــــة
ولو فعل الأعداء بنفسك بعض مــا فعلت لمسّتهم لها بعض رحمـــة
لقد بعتها حزما عليك رخيصــــة وكانت بهذا منك غير حقيقــــة
فويك استقل لا تفضحنّها بمشهــد من الخلق إن كنت ابن أمٍّ كريمــة
فبين يديها موقف وصحيفـــــة يعـدّ عليها كلّ مثقـــــال ذرّة
كلفت بها دنيا كثير غرورهــــا تعامل من في نصحها بالخديعـــة
إذا أقبلت ولّتْ وإن هي أحسنـــت أساءت وإن صفت فثق بالكـدورة
ولو نلت منها مال قارون لم تنــل سـوى لقمة من فيك منها وخرقــة
وهبك بلغت الملك فيها ألم تكـــن لتنزعه من فيك أيدي المنيــــة
فدعها وأهليها بقسم وخذ كــــذا لنفسك عنها فهي كلّ الغنيمــــة
ولا تغتبط فيها بفرحة ساعــــة تعود بأحزان عليك طويلــــــة
فعيشك فيها ألف عام وينقضـــي كعيشك فيها بعض يوم وليلــــة
عليك بما تجزى عليك من التّقــى فإنّك في لهـو عظيم وغفلــــة
انتهى الغرض منها وهي أكثر وإنّما أتيت بها في هذا المحلّ لأنّها مناسبة له ، وهي في غاية الوعظ والتذكرة . نسأل الله تعالى أن ينفعنا بها في الدنيا والآخرة آمين .
ويقال أنّ أوّل ما يرى أهل الجنّة في الجنّة مكتوبا :
وهذا السّرور بتلك الكـــــروب وهذا النّعيـم بذاك التعـــــــب
لا راحة قطّ إلاّ قبلها تعــــــبٌ إتعب تَجِدْ راحة تُنجيك من تعـــب
ويقال أنّ منازل الجنّة تُعطَى على حسب الأعمال في الدّنيا فمَنْ كثّر كثر له ومَنْ قلّل قُلِّلَ له ، وقد يعطي سبحانه لمن يشاء من عباده في دار كرامته ما لا يخطر بالبال فضلا منه وكرما إذ هو الفاعل المختار ولا يسأل عمّا يفعل جلّ وعلا ، قال تعالى :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

(2)
، وقال تعالى :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا

(3)
، والآيات في هذا المعنى كثيرة . وكذلك مَنْ أراد طريق القوم فإنّه لا يتوصّل إلى شمّ رائحة منه إلاّ بالجِدّ والعزم ، وترْكِ المألوفات والمستحسنات ، وقطْعِ العلائق والعوائق ، والإعراض عمّا سوى الله ، كما قال الشيخ زرّوق رضي الله عنه : " هو أن لا ترى في الوجود إلاّ أنت وربّك " ، وسُئِل الجنيد رضي الله عنه : " كيف السبيل إلى الانقطاع إلى الله تعالى ؟ فقال : بتوبةٍ تزيل الإصرار ، وخوفٍ يزيل التسويف ، ورجاءٍ يبعث على مسالك العمل ، وإهانةِ النّفس بقربها من الأجل وبُعدِها من الأمل ، قيل له : بماذا يصل العبد إلى هذا ؟ قال : بقلبٍ مفرد فيه توحيد مجرّد " . وقال أبو سعيد الخرّاز رضي الله عنه : " المعرفة تأتي القلب من وجهين من عين الجود وبذل المجهود ، فإذا علِمَ الله الصّدق من عبده فتح عليه من خزائن غيبه وجعله من أهل قربه وحزبه " ، قال تعالى :
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ

(4)
.
وأعلم - رحمك الله - أنّ مَن كانت له همّة عليّة لا تراه يرضى إلاّ بالرتب السنيّة ويفِرّ ممّا سوى ذلك كائنا ما كان لأنّ قوّة النور التي أودع الله في قلبه تحمله على أن يأنف من شيء يراه بالنّسبة إلى غيره أدون ، فهو أبدا في محلّ الترقّي ، وذلك كلّه من فضل الله على عبده ، ومَن كانت إرادته مولاه فاز بالنعيم المقيم والنظر إلى وجهه الكريم ، وتنعّم في الدنيا بالمعرفة والإيمان وفي تلك يرفع الحجاب وشهود العيان ، وبهذا أخذ ساداتنا الصوفيّة إذ كانوا أشدّ اتّباعا لما جاء به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم ، فكانوا على الله مقبلين وعن سواه معرضين ، كما هو شأن شيخنا وإمامنا أبي العبّاس رضي الله عنه فإنّه جَمَعَ بين علوّ الهمّة وحفظ الحرمة ونفوذ العزمة ، وكلّ مَن له نسبة صحيحة فهو على منهجهم القويم سائر ، وعلى ما هُمْ عليه من الخُلُقِ الحسنِ دائر ، وعلامة الانتفاع وُجُودُ الإتّباع ، فنتيجة عُلُوّ الهمّة تظهر على الظاهر بحُسْن الخدمة وحفظ الحرمة ، ومن شكر النعمة صرفها في طاعة المنعم الدائم ، وعلى قدر العزم تأتي العزائم .
وإنّ الشيخ رضي الله عنه ممّن بذل المجهود في طاعة المعبود ، وممّن طلب العلم في بدايته للقيام بطاعته وعبادته لا ليتوصّل به إلى شهوته ، بل عمل في بدايته على تصحيح التوبة بشروطها في طريقته بحفظ الشريعة وحدودها ، ونفي إرادته ، وقطع عن نفسه الحظوظ والعلائق ، وانقطع إلى الله بمراعاة حقّه فانكشفت له الحقائق ، عمل على نفي الرخص والتأويلات ، وشمّر عن ساعد الجِدّ في عموم الأوقات ، وقبض عنان الخوض فيما لا يعنيه من المخالفات ، وتمسّك بالكتاب والسُّنّة وما درج عليه سالف الأمّة ، فتوجّه بكليّته إلى مولاه فكفاه كل ما سواه ، أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان لاشتغاله أوّلا بالعلم والحديث والقرآن ، وتبحّر في غرائب العلوم ودقائق الفهوم ، وجاهد نفسه بالاستقامة والورع ، ويئس من كلّ مخلوق ، ولم يكن له في غير مولاه طمع ، وغضَّ طرفه عن الأكوان جملة وتفصيلا ، وانقطع إلى مولاه وتبتّل إليه تبتيلا ، وتخلّق بأخلاق الزهّاد والعُبّاد ولم يشغله عن الله شاغل ، وتجرّد للخدمة ونبذ من قلبه كلّ ما هو عاجل ، وشأن الصدّيقين إخلاص الأعمال وصدق التوجّه في كلّ حال ، ونسيان أعمالهم بشهود الكبير المتعال .
وبالجملة ، فالشيخ رضي الله عنه من أعظم الأئمّة في وقته ، وممّن أجمع العلماء على تعظيمه وتوقيره والاحترام له من غير مدافع ولا منازع من أرباب الصدق ، وإليه انتهت رياسة هذا الشأن ، وبه أحدق الأمر في تربية السالكين وتهذيب المريدين وكشف مشكلاتهم وكشف أحوالهم ، ولم يكن أحد في عصرنا يبلغ ما بلغ ، فهو شريف الأخلاق ، لطيف الصّفات ، كامل الأدب ، جليل القدر ، وافر العقل ، دائم البِشْر ، مخفوض الجناح ، كثير التواضع ، شديد الحياء ، متّبع أحكام الشرع وآداب السّنة ، محبّا لأهل الصلاح والفضل ، مكرما لأرباب العلم ، لم تَزِل به قدمُه ولم يُمِلْه هوى متّبع .
والله أسأل أن يختم لنا بما ختم به لأوليائه ، وأن يجعل خير أيّامنا وأسعدها يوم لقائه ، بجاه نخبة أوليائه ، وخلاصة أصفيائه صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليما إلى يوم لقائه .